طارق الشناوي
ناقد سينمائي، وكاتب صحافي، وأستاذ مادة النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة. أصدر نحو 30 كتاباً في السينما والغناء، ورأس وشارك في لجان تحكيم العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. حصل على العديد من التكريمات، وقدم أكثر من برنامج في الفضائيات.
TT

استوود والرباعي وحديث الاعتزال

استمع إلى المقالة

مؤخراً أعلن مؤلف الموسيقى كايل كلينت استوود ابن الأسطورة كلينت استوود أن والده قرر اعتزال الإخراج، الرجل الذي تتجاوز مسيرته الفنية 70 عاماً بدأها في الخمسينيات ممثلاً، قبل عامين كان يعرض له فيلمه الأخير «المحلف رقم 2»، كل فنان لديه مؤشر داخلي تشتعل بداخله جذوة الإبداع، ومن الممكن أن يستشعر أيضاً خمود تلك الجذوة، أغلب المبدعين يقاومون هذا الإحساس مواصلين الاستمرار.

مؤخراً أعلن المطرب صابر الرباعي أنه يفكر في الاعتزال بعد نحو خمس سنوات، عندما يستشعر أن صوته من الممكن أن يخذله، فيقرر أن يترك الساحة وهو في كامل لياقته الإبداعية.

إنها أقرب إلى مخاوف أو هواجس تنتاب البعض، الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب من أكثر الفنانين الذين عاشوا تلك الأحاسيس، لو دققت السمع في أغانيه، ستلمح قبل كل مقطع يؤديه صوت «نحنحة»، فهو يخشى أن يفقد صوته قبل أداء «الكوبليه»، يريد أن يقنع نفسه من خلال سماعه «النحنحة» أن كل شيء تمام التمام، روى عبد الوهاب هذا الموقف الظريف عندما كان يسجل في أحد الاستوديوهات الفرنسية، ووجد مهندس الصوت يوقف التسجيل أكثر من مرة، مشيراً إلى أن هناك صوتاً آخر يشارك عبد الوهاب الغناء، معتقداً، مثلاً، أن هناك فأراً تسلل إلى الاستوديو، ولم يكمل التسجيل إلا بعد أن اطمأن أنها مجرد «نحنحة» يفعلها «موسيقار الأجيال» بين كل مقطع وآخر، حتى يطمئن على أن صوته لا يزال حاضراً في حنجرته.

عبد الوهاب وأم كلثوم لم يعتزلا الغناء، وهو ما فعله أيضاً وديع الصافي وصباح فخري، ولا تزال فيروز، أمد الله من عمرها، في الميدان.

الفنان سواء أكان ممثلاً أو مطرباً أو حتى مخرجاً يتأثر بالعمر الزمني، حين سألت المخرج الكبير صلاح أبو سيف، عندما بلغ الثمانين، عن أسباب إعلانه الاعتزال؟ أجابني: حتى المخرج يحتاج في الاستوديو إلى اللياقة البدنية، إلا أنه أضاف: «تقدمت للرقابة بسيناريو فيلم عن برودة العلاقات الزوجية، لو وافقت عليه فسوف أعود للاستوديو»، ووافقت الرقابة بالفعل على السيناريو، ولكن بعد رحيل صلاح أبوسيف بعامين، أخرج الفيلم ابنه المخرج محمد أبوسيف بعنوان «النعامة والطاووس».

عندما تمضي السنوات يحدث تراجع في القدرات ومنها الصوت بالطبع، ويفقد جزءاً من كفاءته، إلا أن الفنان المتمرس يتمكن من تعويض كل ذلك، روى مثلاً الموسيقار محمد الموجي كيف أنه طبقاً لنصيحة الموسيقار محمد عبد الوهاب، بعد أن لحن لأم كلثوم أغنيته «اسأل روحك»، طلب منه عبد الوهاب أن ينزل درجتين في اللحن، حتى لا يجهد صوت «الست» وتؤدي المطلوب بسلاسة، وهو ما فعله الموجي بالضبط، كلينت استوود يحتفل قريباً ببلوغه 96 عاماً، وهي مرحلة عمرية يراها البعض نادرة الحدوث، إلا أن المخرج البرتغالي إيمانويل أوليفيرا ظل يخرج أفلامه حتى تجاوز 100 عام.

شاهدت إيمانويل عندما عرض فيلمه «حالة أنجليك الغريبة» في قسم «نظرة ما» عام 2010 بمهرجان «كان»، ويومها صعد إيمانويل (102 عام) على خشبة مسرح «دي بي سي» مستنداً إلى عصاه، إلا أنه أمام تصفيق الجمهور رفع عصاه لأعلى كأنه يستعد للرقص. الفنان المخضرم يستطيع دائماً أن يجد حلولاً في اختيار ما يقدمه للناس، سواء أكان مخرجاً أو مطرباً، وأعتقد أن المطرب التونسي الكبير صابر الرباعي، من هؤلاء القادرين على استكمال مشوار الغناء مهما تقدمت به السنوات، تخوفاته وجه آخر لـ«نحنحة» عبد الوهاب، وبعد أن يتأكد من حضور صوته سيواصل «الكوبليه» من دون «نحنحة».