د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

صناعة الأخبار في زمن الشك الكبير

استمع إلى المقالة

صناعة الأخبار لا تموت في هذه الأثناء، وهي لن تموت أبداً، ولكنها تنزف وتعاني. وبين هذين الحدَّين تقع أزمة مُعقَّدة لا تُفهم بمجرد قراءة أرقام الانتشار ولا برصد عوائد الإعلانات؛ بل تحتاج إلى النظر في شيء أعمق وأكثر أهمية: ثقة الإنسان العادي فيما تقوله الأخبار.

وحين تُشير أحدث بيانات «معهد رويترز لدراسة الصحافة» إلى أن 37 في المائة فقط من البشر حول العالم يثقون بمعظم الأخبار معظم الوقت، ويتراجع هذا الرقم إلى 20 في المائة حين يتعلق الأمر بما تُجيب عنه أنظمة الذكاء الاصطناعي، فنحن أمام ظاهرة تتجاوز الإعلام إلى سؤال وجودي يخص العلاقة بين المجتمعات وحقائقها المشتركة.

الشك في صحة الأخبار ليس وليد اللحظة، غير أن ما يجري اليوم يختلف نوعياً عمَّا جرى في فترات سابقة. في الماضي، كان الجمهور يُشكك في هذه الصحيفة أو تلك المحطة، ولكنه كان يؤمن بالمؤسسة الإعلامية، بوصفها جهة ضرورية لإدارة الحقيقة العامة. أما اليوم، فالشك بات منهجياً وبنيوياً؛ أي إن الجمهور لم يعد يشك في طرف بعينه؛ بل في المنظومة كلها. وهذا التحوُّل هو ما يجعل الأزمة أشد خطورة مما تبدو عليه في ظاهرها.

ما الذي أوصل الأمور إلى هذا الحد؟

تتضافر عوامل عدة في تشكيل هذا المشهد؛ أولها صعود منصات «التواصل الاجتماعي» التي أتاحت لكل إنسان أن يكون ناشراً، وبذلك فكَّكت احتكار السرد الذي كانت تملكه وسائل الإعلام «التقليدية». وحين يرى المُتلقِّي أن الخبر يصل إليه من عشرات الروايات المتضاربة في الوقت ذاته، لا يلجأ دائماً إلى المصدر الأوثق؛ بل كثيراً ما يلجأ إلى المصدر الأقرب؛ إلى ما يعتقده مُسبقاً. وهنا يبدأ ما يُسميه باحثو علم النفس الاجتماعي «تحيُّز التأكيد» في العمل على نحو ممنهج وخطير.

وثاني هذه العوامل أن الأخطاء الإعلامية الكبرى التي وقعت في العقدين الأخيرين -من التغطية المُضلِّلة لأسلحة الدمار الشامل قبيل غزو العراق، إلى التسرُّع في تناول أحداث جائحة «كوفيد»- أثبتت للجمهور أن الخطأ ليس استثناءً عارضاً؛ بل قد يكون نمطاً متكرراً. وقد رصد باحثو جامعة أكسفورد في دراسات متعاقبة أن الثقة لا تتراجع عادةً بصورة تدريجية ناعمة؛ بل تنهار فجأة عقب صدمات بعينها، ثم لا تعود إلى مستوياتها السابقة.

أما ثالث هذه العوامل، فيتعلق بالضغوط الاقتصادية التي أفرزت صحافة أسرع وأرخص وأقل عمقاً. وحين يُلاحَق المحرِّرون بمعدلات النشر والتفاعل، فإنهم يتخلَّون عن معايير الانتقاء والتحقُّق التي كانت تمثِّل الفارق الحقيقي بين الخبر والشائعة. والنتيجة أن المؤسسات الإعلامية تتنافس مع منصَّات تعمل بلا ضوابط مهنية، فتخسر الرهان أحياناً؛ لأنها تتبنَّى أساليب تلك المنصات من دون أن تملك خفَّتها، ومن دون أن تحتفظ بثقل مصداقيتها التاريخية.

أيضاً، لا يمكن تجاهل المناخ السياسي. فالتشكيك في الإعلام بات ورقة ضغط في يد الساسة في كل القارات. وعبارات من قبيل «أخبار زائفة» أو «إعلام مأجور»، تحوَّلت إلى أسلحة خطابية تُطلَق في وجه أي تقرير مُزعج، فتُضفي على الشك طابعاً آيديولوجياً يُصعِّب نزعه لاحقاً.

غير أن القول بموت صناعة الأخبار ضربٌ من المبالغة التي لا تعكس الواقع. فالحاجة إلى المعلومة الموثَّقة لا تزول بتراجع الثقة؛ بل تزداد إلحاحاً حين تسود الفوضى. والمؤشرات تدل على أن المواطنين الذين ابتعدوا عن الأخبار لم يتوقَّفوا عن البحث عن المعنى؛ إنهم فقط يبحثون عنه في مكان آخر. وهذا بالضبط هو الخطر الحقيقي: أن تترك الساحة لمن لا يلتزمون بأي معيار.

فما الذي ينبغي عمله؟ يجب أن تُعيد المؤسسات الإعلامية الاستثمار في الشفافية، وأن تكرِّس التزامها بالمعايير المهنية، وأن تُفرِّق بوضوح في مخرجاتها بين الخبر والتحليل والرأي، وأن تُعمِّق صلتها بالجمهور عبر الاستماع؛ لا عبر البث وحده؛ إذ أثبتت تجارب عدة أن الوسائل التي تُشرك جمهورها في العملية التحريرية تكسب ثقته بصورة أكبر.

ومن جانب آخر، فإن الجهات التعليمية مطالبة بإدراج تعليم المعرفة الإعلامية في مناهجها، بوصفها مهارة بقاء في عصر المعلومات، لا مادةً ثانوية.

صناعة الأخبار تشبه الهواء؛ لا تشعر بوجوده حتى يشحَّ أو يفسد. وحين تتآكل ركائز الثقة التي تقوم عليها، لا يُصبح الإعلام وحده في خطر؛ بل يُصبح النسيج الذي تتماسك به المجتمعات، وتتفاهم عبره على حقيقتها المشتركة، مُهدداً في جوهره.

ومعركة الثقة لا تُخاض بالبيانات والتصريحات والتطمينات؛ بل تُخاض يومياً في غُرَف التحرير، وفي الفصول الدراسية، وفي قرار كل قارئ رأى أن يتوقف لحظة قبل أن يُعيد النشر.