سوف يمر وقت طويل قبل أن يستعيد لبنان عافيته السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، فالحرب الأخيرة التي وُرّط فيها، والرد الإسرائيلي الحاقد وغير المتناسب، عمّقا الانقسامات اللبنانيّة الكبيرة، وانتقلا بها من مرحلة الخلافات التقليدية إلى مرحلة التصدّّع الكبير الذي يكون من السهل ردمه أو القفز فوقه بيسر وسهولة.
وقبل اختبار مدى جدية اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ومدى انطباقه على لبنان، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تأكيده للرئيس الأميركي دونالد ترمب أن «ربط الساحات المتعددة بعضها ببعض غير مقبول»، وأن إسرائيل «لن تقبل أي إملاءات إيرانية فيما يتعلق بلبنان».
وبالتالي، لن يكون متوقَّعاً أن تبادر إسرائيل إلى الانسحاب من المناطق الواسعة التي احتلتها في جنوب لبنان، أو حتى أن توقف ضرباتها واعتداءاتها اليومية على السيادة اللبنانيّة، لأنها بكل بساطة تريد أن تترجم هذا الغزو في مكان ما مع لبنان الرسمي الذي لا يزال يواظب على التمسك بالمفاوضات السياسية خياراً وحيداً لوقف الحرب. وإذا كان في المحور الإيراني (المسمى محور الممانعة سابقاً) من يفاخر بأن طهران حققت وقف الحرب في لبنان، فإنه سوف يصرف النظر طبعاً عن عدم المطالبة بالانسحاب من الأراضي اللبنانيّة بوصفه مطلباً حيوياً قد لا يكون تحقيقه ممكناً في المدى القريب.
في جميع الحالات، ثمة حاجة ملحة إلى «لملمة» الواقع الداخلي اللبناني على وجه السرعة، بما يحد من جنوح الفريق الموالي لإيران نحو «الانتقام» من اللبنانيين المناهضين له بعد انتهاء الحرب كما هدد بعض أصواته مراراً، وأيضاً جنوح الفريق المواجه له إلى الهرولة نحو «التطبيع» مع إسرائيل وصولاً إلى حد تبرئتها من كل ما قامت وتقوم به بصورة يومية من انتهاك للسيادة اللبنانية وقتلها نحو ثلاثة آلاف لبناني منذ أشهر قليلة حتى اليوم.
وإذا كان مطلوباً من بعض اللبنانيين عدم الانقياد خلف أوهام سلام لن يأتي، فمطلوب من آخرين التمتع بجرأة إعادة تعريف مفهوم الانتصار بما يتلاءم مع الواقع الحقيقي وليس مع التخيلات أو التمنيات. مشهور عن بعض الأنظمة العربية الديكتاتورية السابقة تبجحها ببقائها حتى بعد احتلال الأرض، ولعل الأمر هو ذاته يتكرر هنا: احترقت البيوت ودُمرت، واحتُلت مساحات واسعة من الجنوب، وسقط الآلاف من الضحايا الأبرياء، ومع ذلك يُرفع شعار النصر!
مع تأكيد أهميّة الصمود، فإنه وحده ليس كافياً لتحصين المستقبل أو للتفكير بصيغ جديدة للحفاظ على الاستقرار، خصوصاً أن عنوان «توازن الردع» الذي تم التباهي فيه بدءاً من عام 2006 قد سقط بعد حرب الإسناد الأولى التي انطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 مع اغتيال القادة الكبار في «حزب الله» وعلى رأسهم الأمينان العامّان حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، وعملية تفجير أجهزة «البيجر»، واحتلال مزيد من الأراضي والقرى وتسويتها بالأرض.
ويبدو أن ثمة حاجة إلى التذكير هنا بأن الوضع القائم في لبنان قد انتقل من أرض محررة بالكامل (من دون قيد أو شرط أو اتفاق سلام أو ترتيبات أمنيّة) إلى احتلال خمس نقاط في جنوب لبنان إلى احتلال واسع وصولاً إلى نهر الليطاني. لذلك، مهما كانت الحسابات والاعتبارات، سواء عقائدية أم سياسيّة أم عدا ذلك، إلا أنه لا يمكن تسمية هذه الخسائر المتتالية بأنها «انتصارات».
من هنا، بمعزل عن مسارات الصراع مع إسرائيل التي من الواضح أنها مرشحة للاستمرار طويلاً وبأشكال وأنماط مختلفة، لبنان يحتاج إلى أن يعود إلى منطق الدولة وفكرة الدولة التي لا تتقاسم وظائفها السياديّة مع أيٍّ من مكوناتها، والتي تمارسها حصراً من دون مشاركة أحد، وهو المسار الذي تسلكه جميع الدول من دون استثناء.
كل الخوف أن ينطلق مسار إقليمي جديد يكون عنوانه الأساسي التهدئة على المسار الإيراني - الإسرائيلي برعاية وضغط أميركيَّين، وأن يتحوّل لبنان إلى الحديقة الخلفيّة للصراع وتبادل الرسائل المتفجرة، بما يخدم مصالح كل الجهات المعنيّة ما عدا لبنان نفسه. وعندئذٍ، لا تذهب المنطقة إلى استقرار كامل ولا انفجار كامل، بينما يبقى النزف في الجنوب اللبناني من دون سواه. وهذا ما من شأنه أن يفاقم الانقسام اللبناني ويزيد من تصدعات المجتمع.
