شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

غرنيكا... صرخة مدوّية ضد الحرب وأهوالها

استمع إلى المقالة

تشهد الأوساط الفنية منذ سنوات «منافسة» شديدة لنيل لقب أشهر لوحة في العالم، تدور رحاها بين رائعة ليوناردو دافنشي «الموناليزا» درّة «اللوفر» الفرنسي، ولوحة «غرنيكا» لبابلو بيكاسو التي تتهافت متاحف العالم الكبرى لاستعارتها من متحف الملكة صوفيّا في مدريد الذي فرض عليها حظراً أبدياً خشيةَ تعرُّضها للضرر لكثرة ما تنقّلت قبل وصولها إلى العاصمة الإسبانية.

الذين يَقصُرون احتكامهم فحسب على المعايير الفنية، يرجّحون كفّة تحفة العبقري الإيطالي لتقنيتها المذهلة واللغز الذي يحيط بابتسامتها الغامضة التي ما زالت مصدر حيرة وتساؤلات منذ أكثر من خمسة قرون. أما الذين يقاربون الفن أيضاً من منظور الالتزام الإنساني والسياسي، فإنهم يخلعون اللقب على أكبر لوحة خرجت من محترف «بيكاسو» الباريسي صرخةً مدويّةً ضد الدمار الذي تعرّضت له مدينة غرنيكا الباسكية عندما قصفتها الطائرات الحربية النازية والفاشية الإيطالية إبّان الحرب الأهلية الإسبانية التي انتهت في عام 1939 بعد أن أوقعت أكثر من مليون قتيل.

في السابع والعشرين من أبريل (نيسان) عام 1937 تعرّضت مدينة غرنيكا الهادئة لقصف وحشي من طيران هتلر وموسوليني اللذين كانا متحالفين مع الجنرال فرنكو، ودمّرها بحيث لم يبقَ في وسطها سوى شجرة واحدة ما زال أهل المدينة يجتمعون حولها في المناسبات تخليداً لذكرى تلك المأساة ولصمود الباسكيين في وجه نظام فرنكو. بعد ذلك بأيام كلّفت حكومة الجمهورية الإسبانية بيكاسو الذي كان ينتمي إلى الحزب الشيوعي، برسم لوحة تمثّل تلك المأساة؛ لوضعها على مدخل الجناح الإسباني في المعرض العالمي الذي كانت تنظمّه العاصمة الفرنسية تلك السنة.

رغم ضخامة اللوحة، أنجزها بيكاسو في فترة قياسية لم تتجاوز خمسة أسابيع، إذ كان يعمل ليل نهار ومن غير رسوم تحضيرية على غير عادته. ولم يستخدم فيها سوى ثلاثة ألوان: الأبيض والأسود والرمادي، حرصاً على عدم تشتيت انتباه الرائي ودفعه إلى التركيز على فداحة المشهد.

عندما انتهى معرض باريس الدولي كانت قوات الجنرال فرنكو قد أوشكت على إلحاق الهزيمة بالنظام الجمهوري الذي كان يقاتل في صفوفه عدد من الأدباء والمفكرين العالميين المشهورين مثل جورج أورويل وإرنست همنغواي وأندريه مالرو. وبعد أن تنقلت اللوحة بين عدد من المتاحف العالمية، تقرر إيداعها لدى متحف الفن المعاصر في نيويورك، وعدم نقلها إلى إسبانيا إلا بعد عودة الديمقراطية.

في عام 1981 كان النظام الديمقراطي قد استتبَّ في إسبانيا بعد وفاة الجنرال فرنكو، فقررت حكومة مدريد نقلها إلى إسبانيا وإيداعها متحف الملكة صوفيّا حيث توجد حالياً. وكان يوم وصولها إلى العاصمة الإسبانية مشهوداً ومؤثراً، إذ اصطف عشرات الآلاف من سكان مدريد على جانبي الطريق الذي سلكته من المطار إلى المتحف، يراقبون وصول «آخر المنفيين» في صندوق زجاجي ضخم مصفّح ضد الرصاص، تواكبه ثلّة من الحرس المدني الذي كان الرمز الأبرز لقمع نظام فرنكو.