هل ينتظر الاتحاد الأوروبي المصير ذاته الذي حلّ بالإمبراطورية الرومانية؟ علامة استفهام ارتفعت في الأسابيع القليلة الماضية، بعد أن صرح رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيتش، في حوار له مع صحيفة «فاينانشال تايمز» بأن: «الاتحاد ربما يسير على خطى الإمبراطورية الرومانية نفسها في نهاية وجودها».
ما الذي قصده بابيتش بهذا التحذير الخطر؟ الرجل انتقد سياسات بروكسل المتعلقة بخفض معدل الانبعاثات الكربونية، عادَّاً أن هذه الإجراءات «تدفع الاقتصاد الأوروبي نحو الهاوية».
يبدو خيار الطاقة النظيفة أو الخضراء، بالنسبة للأوروبيين، خياراً حاسماً، في مواجهة أزمة الإيكولوجيا العالمية المتدهورة من جراء الاحتباس الحراري؛ وهو ما تجلى في تصريح المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية فالديس دومبر فسكيس في أبريل (نيسان) الماضي، بأن «أوروبا لا تنوي التخلي عن أجندة الطاقة الخضراء في مواجهة أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط».
المثير في تصريحات بابيتش، ربطه بين استخدام الفحم، وصناعة الحديد والصلب، أمّ كل الصناعات، عادَّاً أنها تنهار من جراء الاختيار الأوروبي.
حديث الطاقة في الداخل الأوروبي في هذه الأوقات، مثير للشجون والمخاوف، لا سيما أنه يتم توليد نصف الكهرباء في الاتحاد الأوروبي من مصادر الطاقة المتجددة؛ ما يعني أن النصف الآخر لا بد له من الغاز الروسي، أو النفط الشرق أوسطي، وكلاهما يواجه عقبات في الإمداد.
عطفاً على ذلك، فإن شبكات الطاقة في أوروبا، غالباً يتجاوز عمرها 40 عاماً، وهي في معظمها غير مصممة لاستيعاب كميات كبيرة من الكهرباء الخضراء المولدة محلياً، ونقلها إلى حيث توجد حاجة إليها.
وبالعودة إلى المقاربة أصل المقال، يمكن القطع بأن أزمة الطاقة لم تكن يوماً من الأسباب التي أدت إلى انهيار الإمبراطورية الرومانية، وقد أرجعها المؤرخ الإنجليزي الأشهر إدوارد غيبون (1737- 1794)، إلى طائفة من الغزوات البرية، والفساد المالي والسياسي، عطفاً على الاعتماد المفرط على المرتزقة، بجانب تشظي روح قادتها داخلياً؛ ما أشاع وأذاع الاضطرابات الاقتصادية.
سؤال نهاية الاتحاد الأوروبي، لا يزال يشغل عقول كثيرة، وهناك دراسات حديثة، ربما يتم استدعاؤها من الماضي إلى الحاضر؛ بغرض لا يبدو ظاهراً للعوام، لكنه لا يغيب عن أعين الإنتجلنسيا الأوروبية بنوع خاص.
في أوائل شهر مايو (أيار) الماضي، خلصت دراسة جينية لسكان حدود الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476م، إلى أن تحولاً حدث في التركيبة السكانية للإمبراطورية الرومانية، كان هو السبب الرئيس في انهيارها، بعد الاختلاط السلمي الذي جرت به المقادير بين السكان الرومان والأجانب.
الدراسة صدرت عن جامعة يوهان غوتنبرغ في ماينتس بألمانيا، التي تأسست عام 1477، وهي واحدة من أكبر الجامعات وأعرقها هناك.
المثير في هذه الدراسة، ميلها للقطع بأن مجموعات بشرية صغيرة، من الأقارب، وأحياناً أفراد، سارعوا إلى التزاوج من السكان المحليين؛ ما أسهم في تشكيل مجتمع جديد أكثر تنوعاً، وبذلك بدأت أجناس غير رومانية تتفاعل داخل الإمبراطورية عبر أعراف وتقاليد وأنساق حياة مغايرة؛ ما جعل روما العظيمة تتهاوى، ومن غير جحافل الجيوش الجرارة.
يعنّ لنا هنا أن نتساءل: هل صدور هذه الدراسة أمر مقصود به البحث العلمي فحسب، أم جرس إنذار، ينبّه إلى إمكانية تكرار الماضي، مرة أخرى؟
الجواب هنا يعود بنا إلى إشكالية ما تطلق عليه بعض الأصوات الأوروبية والأميركية اليمينية «الاستبدال الكبير»، أي حلول شعب غريب محل شعوب أصيلة، ويبدو القصد التنبيه إلى أزمات اللاجئين والمهاجرين، ونموهم وتكاثرهم، والكثير من القضايا الهوياتية التي تنشأ على ضفاف عيشهم في الداخل الأوروبي. ويبدو هذا وهماً كبيراً.
هذا التيار تذكيه أفكار رجالات مثل الفرنسي، رينيه كامو، والبريطاني نايجل فاراج، والأميركي ستيف بانون، ومن لفَّ لفَّهم ممن يقطعون بأن مصير الغرب برمته، وليس مصير الاتحاد الأوروبي فحسب، بات المكافئ الموضوعي لسقوط الإمبراطورية الرومانية.
لكن قراءة معمقة، تقطع بأن أوجه الشبه مختلفة؛ ذلك أن روما الماضي، كانت قوة مركزية توسعية، تمضي للغزو والهيمنة على ما حولها؛ ما خلق منافسات جيوسياسية، وصراعات اقتصادية، فتت في عضدها مع مرور الأيام.
ما يهدّد الاتحاد الأوروبي، هو تفككه الداخلي، وعدم مقدرته على اتفاق دوله على الكثير من القضايا الخلافية، وربما العلاقات مع روسيا في مقدمها.
وفي كل الأحوال، فإن مفهوم الوحدة الأوروبية هو مفهوم ثقافي علماني بامتياز، بخلاف الطابع الديني للإمبراطورية الرومانية. كما أن نشأته كانت نتاجاً لتحالفات طوعية ومعاهدات وليست نتيجة لحروب غرور إمبريالي روماني.
الخلاصة... التاريخ لا يعيد نفسه.
