شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

المكتبة

استمع إلى المقالة

عند الإغريق كانت معابد للتأمل والتبحّر في الدنيا وطبائع البشر. وفيها كان المصريون القدامى يجمعون على ورق البردي «كنوز علاج سقم النفس»، أي تلك التي تشفي من داء الجهل. أما بورخيس، الذي كرَّس لها شطراً مديداً من حياته، فكان يرى في متاهتها اللامتناهية متعةً لا تضاهى. ولعلّ أولاها كانت تلك التي أسسها بطليموس الأول مطلع القرن الثالث قبل الميلاد في الإسكندرية، ثمّ دمّرها الرومان والبيزنطيون مع أفول سيطرتهم على الشرق، واقتدَت بها الجامعات ومراكز البحوث الأولى.

هي المكتبة، خزَّانة المعارف الذي حفظ ذاكرة البشرية بين دفّات كتبه، والتي تجهد اليوم لتفادي الغرق في بحر الرقمنة الواسع، وتسعى إلى التجدد والتكيّف مع مقتضيات التكنولوجيا الحديثة بعد أن صار هاتف ذكي أو حاسوب صغير يتّسع لملايين الكتب والمخطوطات.

يقول الخبراء إن أنجح محاولات التكيّف والتجدد التي تقوم بها المكتبات العامة الكبرى بعد أن تراجع عدد روّادها بشكل ملحوظ، هي مكتبة العاصمة النرويجية أوسلو التي صنّفها الاتحاد الدولي للمكتبات العامة الأفضل في العالم.

تقع هذه المكتبة في مبنى حديث يُعَدُّ درّة معمارية بتصميمه والمواد التي استخدمت فيه لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة والحفاظ على البيئة، وأيضاً من حيث الأنشطة المتنوعة التي تدور في رحابه، والتي جعلت منه الرمز الثقافي والاجتماعي الأبرز للمدينة، وأيقونة عالمية لهندسة المباني العامة.

ليست في حجم الكبريات بين نظيراتها مثل مكتبة الكونغرس الأميركي، أو المكتبات البريطانية والروسية والفرنسية العريقة التي تضمّ نفائس المؤلفات الأدبية والمخطوطات العلمية. لكنها الأنجح في تطويع التطور التكنولوجي للتحفيز على المطالعة واستدراج الأطفال والشباب إلى الإقبال على الكتاب وإعادة الاعتبار إليه بعد انهزامه السريع أمام الشاشات الصغيرة والتطبيقات الرقمية. وتنظّم إدارة المكتبة ورشاً وندوات ولقاءات دورية مع متخصصين في الفنون المكتبية وصناعة الورق والطباعة والرسم التوضيحي والتجليد، وتقيم مهرجانات ثقافية واحتفالات ترفيهية مجانية، من سينمائية ومسرحية، إلى جانب مسابقات أدبية يتنافس فيها الصغار والكبار على السواء. وتشرف على هذه الأنشطة مجموعة من الأدباء والفنانين وعلماء النفس الذين يعملون بصفة دائمة ضمن ملاك الموظفين.

تحمل مكتبة أوسلو العامة اسم الأرستقراطي كارل دايخمان الذي يعتبر مؤسسها الأول عندما أهدى مجموعة كتبه ومخطوطاته للمدينة عام 1785 لتكون نواة مكتبة عامة مفتوحة لجميع المواطنين، يوم كانت المكتبات العامة حكراً على حفنة من المتعلمين والقادرين على تحمّل تكلفة ارتيادها. وقد تنقلت منذ ذلك التاريخ إلى مواقع عدة في المدينة قبل أن تستقر في مقرها الحالي الذي تطل شرفته في الطابق العلوي على خليج أوسلو وأرخبيلها الشهير الذي تتناثر جزره الصغيرة بين كتل الجليد باتجاه القطب المتجمد الشمالي.