حسن المصطفى
TT

في حاجة إيران لهاشمي رفسنجاني!

استمع إلى المقالة

هاشمي رفسنجاني، أو «الشيخ الرئيس» كما يحب أنصاره تسميته، الرئيس الإيراني السابق الذي لم يكن يوماً طارئاً، بل جاء من رحم القيادات الدينية والشعبية التي ناصرت الخميني، ورافقه في معارضته لنظام الشاه الراحل محمد رضا بهلوي، مما عرضه للسجن وتضييق هامش حركته، والملاحقة من أجهزة الأمن التابعة للنظام الملكي، قبل أن يعود الخميني إلى طهران قادماً من فرنسا عام 1979، ويكون رفسنجاني أحد الأعمدة الأساسية في النظام الجديد.

هاشمي رفسنجاني الفقيه السياسي رجل التحالفات البراغماتي الذي يلقبه خصومه بـ«الثعلب»، كان الوحيد الذي استطاع أن يقنع الخميني بقبول القرار الصادر عن مجلس الأمن رقم «598» والذي مهّد لوقف الحرب العراقية - الإيرانية، وحينها قال مؤسس الجمهورية إنه كمن «يتجرع كأس السم».

رغم وجود أسماء عديدة قريبة من الخميني، تعتبر من «البدريين» الذين رافقوه في مسيرته، فإن رفسنجاني وحده امتلك مشروعية ثورية، وخبرة سياسية، وشخصية مستقلة، وتاريخاً لا يستطيع رفاق الدربِ التشكيك فيه، وأيضاً قدرة على إقناع «القائد الأعلى»... كل ذلك مكّنه من أن يضع حداً للحرب التي استنزفت مقدرات طهران وبغداد، وأضرت بالأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربي.

كان رفسنجاني مقرباً من الخميني؛ ولذا بقي طوال حياة المرشد الأول للثورة ضمن دائرة صنع القرار الأساسية، في مختلف المناصب والمهام التي تسنّمها.

تالياً، وبعد رحيل الخميني عام 1989، لعب رفسنجاني دوراً كبيراً في اختيار المرشد الثاني الراحل علي خامنئي؛ إذ كان رفسنجاني حينها رئيساً لمجلس الشورى، وأقنع باختياره أعضاء «مجلس الخبراء» الذي كان يميلُ إلى خيارِ مجلس القيادة وليس القائد الفرد.

بعد توقف الحرب العراقية - الإيرانية، أصبح هاشمي رفسنجاني رئيساً للجمهورية، ونشط في عملية إعادة الإعمار، وتحسين الاقتصاد المنهك، والانفتاح على دول الجوار والعالم الخارجي بشكل تدريجي. وكان يعمل معه مجموعة من التكنوقراط في حقول مختلفة، ضمهم حزب «كوادر البناء» الذي يشير اسمه إلى توجه المرحلة الزمنية ورؤية رفسنجاني الطموحة.

لم تكن رحلة «الشيخ الرئيس» معبّدة بالورود، وواجه الكثير من العقبات الداخلية والخارجية، إلا أنه استطاع أن يؤسس لمرحلة تغيير داخلي، تلبي تطلعات الطبقة الوسطى المتعلمة، ورفع مستوى الدخل، وحدّ من تأثير التيارات المتشددة في الحياة اليومية للإيرانيين.

سياسات رفسنجاني الداخلية مهّدت لقدوم رئيس إصلاحي هو محمد خاتمي، وخارجياً فتحت المجال أمام تحسين للعلاقات مع دول الخليج العربي.

ذات مرة، حدث موضوع غاية في الأهمية، سأل عنه مسؤول سعودي رفسنجاني، فأشار بأصبعه إلى الأعلى، قاصداً أن المسؤولية في هذا القرار تقع على كاهل مكتب خامنئي مباشرة، وليس هو صاحب القرار فيه!

كان رفسنجاني يسعى لعلاقات قوية لبلاده مع محيطها العربي، في حين سعى المتشددون في إيران لإفسادها في أكثر من مناسبة.

دفع رفسنجاني الكثير من رصيده الشعبي، وأسرته، وحزبه، ثمناً لمنهجه السياسي الذي اعتبره المتشددون بمنزلة «خيانة» لمبادئ الثورة؛ فتم توجيه تهم عدة إلى عائلته، وسُجنت أكثر من مرة ابنته فائزة، وأعضاء من حزب «كوادر البناء»، بينهم رئيس بلدية طهران السابق غلام حسين كرباتشي.

وجّه الرئيس السابق أحمدي نجاد تهماً لسلفه رفسنجاني، وصدرت بحق الأخير قرارات مجحفة عن «مجلس صيانة الدستور» استبعدته من الانتخابات الرئاسية، ثم الحديث تالياً عن أن قراراً سياسياً كان السبب وراء ذلك اتخذته المخابرات الإيرانية.

بقي رفسنجاني في آخر عام من حياته فيما يشبه الحصار الإعلامي والسياسي من التيار المتشدد. وما زاد ربما من شعوره بالمرارة، أن رفيق دربه خامنئي لم يدفع عنه أذى التهم الكيدية وحملة تشويه السمعة.

صلابة رفسنجاني، عقله السياسي المرن، حرصه على بقاء الدولة ومؤسساتها، نظرته إلى أهمية البناء والخروج من مرحلة الشعارات الثورية، وأيضاً إدراكه أن إيران لا يمكنها أن تكون معزولة عن جوارها الإقليمي... صفات تحتاج إيران لشخصية تمتلكها.

قد يكون هناك اليوم من يشبه رفسنجاني في بعض الجوانب، لكن ليس هناك من يمتلك كل صفاته، والأهم شجاعته وقدرته على الإقناع، وأن يُسمع المرشد الثالث مجتبى خامنئي ما يجب أن يقال، ليحقن الدماء ويوقف الاعتداءات على دول الجوار الخليجي، ويمنع انهيار المنطقة إلى أتون فوضى ستكون مُضرة بالجميع، وإيران أول المتضررين منها.