ممدوح المهيني
إعلامي وكاتب سعودي. مدير قناتي «العربية» و«الحدث» كتب في العديد من الصحف السعودية المحلية منها جريدة الرياض، ومجلة «المجلة» الصادرة في لندن. كما عمل مراسلاً لـ«الشرق الأوسط» في واشنطن. وهو خريج جامعة جورج ميسون بالولايات المتحدة.
TT

قواعد عسكرية في المجمعات التجارية!

استمع إلى المقالة

يتساءل بعض المعلقين عن سبب استهداف النظام الإيراني للمطارات ومنشآت الطاقة والمجمعات التجارية في الدول الخليجية، ثم الادعاء بأنها قواعد عسكرية أجنبية.

والجواب، بالطبع، أن النظام الإيراني يعرف ذلك، لكنه يريد أن يبعث برسالة واضحة: إما نجاة النظام أو تخريب المنطقة. وعلى الرغم من أن دول الخليج امتنعت عن الدخول في الحرب وأعلنت موقفها مبكراً، فإن ذلك لا يعني شيئاً للنظام في طهران، الذي اتخذ قراره منذ البداية، بل قبل اندلاع الحرب، وهو جعل الدول الخليجية رهينة وأداة ضغط عالمية، كثمن لبقائه.

كل الردود على مناصري النظام الإيراني تحاول عقلنة سلوكه، لكنها تفشل في ذلك. «عقلنة» ما لا يمكن عقلنته مهمة مستحيلة. فالدول لا يمكن أن تبرر ضرب المطارات أو حرق منشآت الغاز والنفط في الدول المجاورة التي لم تعتدِ عليها، لكن النظام الإيراني، في حقيقته، تنظيم آيديولوجي عابر للحدود أكثر من كونه دولة تقليدية، وقد كشفت هذه الحرب ذلك بوضوح. وقد رأينا أن من رحمه وُلدت تنظيمات آيديولوجية مسلحة في دول عربية عدة.

السؤال الأهم من كل هذا هو: ما أهداف النظام الإيراني؟ ولماذا يصر على السلاح النووي، ويعادي محيطه، وينشر أذرعه في ساحات بعيدة عنه؟

الجواب أن لدى طهران طموحاً لتغيير النظام الإقليمي بما يتناسب مع رؤيتها للعالم. تريد أن تغير النظام السائد، الذي تصفه بالنظام الأميركي أو الغربي، وتفرض نظامها الخاص. ولهذا فهي تسعى، من خلال ضرب «المصالح الأميركية» والتعدي على ما تسميهم «أصدقاء أميركا» في الخليج، إلى إثارة الفوضى ودفع واشنطن إلى المغادرة. وقد حاولت ذلك مرات؛ نجحت في بعضها وفشلت في أخرى. في العراق، بعد 2003، ساهمت عبر حلفائها في استنزاف القوات الأميركية وإغراقها بالوحل، ما عجّل بالانسحاب عام 2011. وفي بيروت عام 1983، وقع تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية الذي قُتل فيه 241 جندياً أميركياً، في سياق صعود جماعات مرتبطة بإيران، ما دفع إدارة ريغان إلى سحب القوات. كانت خلف تفجير أبراج الخبر عام 1996 في السعودية، عبر جماعات موالية لها، في حين احتضنت لاحقاً عناصر من تنظيم «القاعدة» على أراضيها، رغم التباين الآيديولوجي ولكن الأهداف كانت واحدة. استخدمتهم كورقة ضمن صراعها الأوسع، لكن محاولاتها داخل السعودية لم تنجح في تغيير المعادلة.

إن زراعة الميليشيات على صورة «الحرس الثوري» في ساحات عديدة، وإفشال دول عربية، يعود إلى الهدف ذاته: تحويل الإقليم إلى مستنقع سياسي. ومع أميركا التي لا تصبر طويلاً، ستصاب بالملل وتحزم حقائبها وتغادر وتترك لها الساحة خالية. وتندرج تحت هذا الهدف كل الأفعال غير المشروعة من دعم الجماعات المسلحة، وتجارة المخدرات، وإضعاف الدول، ونشر الفوضى. هذا هو النظام الذي تفضله طهران وتسعى لنشره، مع دعم المتحالفين معها في تحقيق أهدافه النهائية. ولا داعي، بالطبع، للقول إن الحديث عن القضية الفلسطينية يُستخدم غطاءً سحرياً لكسب المشروعية.

يأتي هذا في سياق صراع دولي أكبر، حيث تتحالف إيران مع الصين وروسيا لموازنة النفوذ الأميركي والغربي، وتسعى إلى دور أوسع في إدارة شؤون الخليج والشرق الأوسط. ولا ننسى أن هذه الرؤية، وإن كانت تتعارض مع مصالح غالبية دول الخليج التي ترى نفسها حليفاً قوياً لواشنطن، فإن هناك قوى إقليمية لا ترى فيها ما يعاكس بالضرورة مصالحها، بل يتقاطع معها، في لعبة تقاسم النفوذ.

رغم محاولاتها لم تستطع إيران تخريب المنظومة الخليجية، التي تعارض، بشكل رئيسي، فلسفة النظام الإيراني: دول قوية، واقتصادات رأسمالية، وعلاقات مالية وعسكرية وثيقة مع أميركا والغرب. تخريب هذا النموذج يصب في مصلحة النظام الإيراني، ولهذا لم يتردد، منذ الساعات الأولى للحرب، في الإضرار به، عبر إرسال آلاف الصواريخ والمسيّرات، بهدف ضرب أهم ركيزتين يقوم عليهما، وهما الاستقرار والتنمية. ولا معنى لسؤال الإيرانيين: لماذا تستهدفون المطارات وتعرقلون حركة الملاحة الجوية وتقتلون المدنيين؟ فهذا، بالضبط، ما يريدونه، ويعلنونه بصراحة. هدفه النهائي نخر هذا النظام الإقليمي حتى يتهاوى ويسقط.