د. حسن أبو طالب
كاتب مصري، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
TT

روبوت الحياة اليومية... البشرية في مواجهة المجهول

استمع إلى المقالة

في مطلع التسعينات من القرن الماضي، لم تكن الصين قد اعتادت مفهوم الانفتاح على العالم، ليس في العلاقة والتفاعل مع المجتمعات الخارجية، بل مع أساليب حياة يومية مستمدة من خبرات خارجية، مثل أنواع الملابس الملائمة لكل مناسبة، سواء للعمل أو للترفيه أو المشاركة في اجتماعات العائلة.

ينطبق الأمر أيضاً على الانفتاح على لغات غير اللغة الصينية، ولا سيما الإنجليزية التي تعد لغة العالم الأولى بلا منازع. في ذلك الوقت كان الطلب على تعلم اللغة الإنجليزية كبيراً من قبل الأجيال الشابة التي كانت تتطلع للحصول على فرصة عمل في أحد الاستثمارات الأجنبية التي بدأت في التوافد على الصين نتيجة سياسة الانفتاح التي تم تدشينها منذ مطلع الثمانينات، ما دفع المؤسسات التعليمية إلى ابتكار أسلوب جماعي لتعلم تلك المهارة اللغوية، عبر تجمع أكثر من ألف طالب وطالبة من أعمار متقاربة في وقت واحد في أحد الملاعب الكبيرة، ليقوم المعلم بتدريب الحاضرين على العديد من التعبيرات الأكثر استخداماً في الحياة اليومية، كمرحلة أولى، ثم يتبعها التدريب على المصطلحات المتخصصة في مجالات متنوعة، القانونية والتحليل السياسي والاقتصاد والهندسة وهكذا.

في إحدى الزيارات لبكين آنذاك، وتحديداً في 1990، دُعيت للتعرف إلى هذا الأسلوب الجماعي في التعلم. كان المنظر مهيباً، ألف طالب في وقت واحد ينطقون جملة باللغة الإنجليزية، يكررونها مرات عدة إلى أن يظهر قدر من التمكن يقدره المدرب، وفي الخلفية موسيقى خفيفة تحفز على التواصل وبعض الحركات التعبيرية التي يقدمها المدرب بما يتناسب مع طبيعة العبارة المراد تعلمها.

لا يختلف هذا المنظر كثيراً عن ذلك الذي يتم استخدامه الآن في تعليم الروبوت ذي الشكل المؤنسن، من خلال تدريب جماعي لعدد من الروبوتات على مهارات ومتطلبات الحياة اليومية. يقود التدريب وفقاً للتقرير المنشور في «الشرق الأوسط» في 11 مارس (آذار) الحالي، مدربون متخصصون في إحدى الشركات الصينية، «يرتدون نظارات الواقع الافتراضي، ويمسكون بأجهزة تحكم يدوية، فتتحول حركاتهم مباشرة إلى أوامر تنفذها الروبوتات في الوقت الفعلي».

تعليم الروبوت قد يكون أكثر صعوبة فنية من تعليم البشر مهارات لغوية، ومع ذلك فإن التسارع الرهيب في تطوير الخوارزميات المُسيرة للروبوت، مع دمجها في بيئة ذكاء اصطناعي تنمو بدورها بمعدلات كبيرة في مدى زمني قصير للغاية، وربطها بخوادم تملك معلومات هائلة عن الحياة البشرية والسلوك الإنساني الفردي والجماعي في بيئات متنوعة ومنظورات قيم لا حصر لها، تجعل الروبوت قادراً على القيام بمهام يومية في مجالات لا حصر لها، مقارنة بالمهام والمهارات التي يملكها الإنسان المتوسط أو حتى الأكثر ذكاء نسبياً، مع الأخذ في الاعتبار محدودية نسبة هؤلاء في كل المجتمعات البشرية.

إذا كان تعلم اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات يُعد أمراً محموداً ومطلوباً لتحسين القدرات البشرية أفراداً أو مجتمعات، فإن الأمر بالنسبة للروبوت الذي قد يصبح مؤهلاً لمنافسة البشر في القيام بمهام متعددة ومتنوعة ويعمل بخوارزميات معقدة، يختلف كلياً على المدى الأبعد، رغم نتائجه الإيجابية أحياناً أو بالأحرى على المدى المتوسط.

يحمل الأمر في طياته مخاطر على نوعية الحياة البشرية ذاتها، في حال ساد هذا النمط الذي يصبح فيه الاعتماد على الروبوتات في الحياة اليومية أمراً شائعاً لا يمكن مقاومته. فحين يرهن الإنسان مهامه اليومية للآلة، ومعها يفقد تدريجياً متعة أو تحدي القيام بهذه المهام، ويفقد معها العديد من الملكات الحركية والذهنية التي تجسد إنسانيته الفطرية والطبيعية، ومن ثم يصبح بشراً كسولاً، معتمداً على آلة لا أحد يعلم ما يمكن أن تقوم به من أعمال غير متوقعة في حال تمكنت من حركة الحياة البشرية اليومية وغير اليومية.

هذا أمر يدركه جيداً مصنعو الخوارزميات الفائقة الذكاء القائمة على كم هائل من المعلومات والبيانات، والتي قد تجعل الآلة الذاتية التعلم قادرة على التواصل مع نظرائها وفق لغة خاصة يقومون بتطويرها ذاتياً بعيداً عن علم البشر، ما يصنع بيئة روبوتات بلا أدنى سيطرة بشرية، وهو ما كشفته قبل عامين حالات في بعض شركات المعلومات الكبرى وتم التعتيم عليها. أضف هذا إلى إنسان كسول عقلياً وذهنياً ولكنه مرتاح بدنياً إلى حين لتتضح الصورة.

فقدان المهارات اليومية للبشر يعني ببساطة شديدة اختفاء القدرة على الابتكار الجمعي، وانزواء ملكات الإدراك، وصعوبة الربط بين العناصر المختلفة التي تولدها تحديات الحياة الطبيعية والفطرية، والتي تعد مسؤولة عن قدرة الإنسان على التطور وفق سنن كونية عليا. حين يتحول عقل الإنسان إلى جزء خامل، هذا أمر ضد الفطرة التي خُلق عليها الإنسان. وهنا الخطر الأكبر.

ثمة انقسام معروف بين مؤيدين بلا ضوابط للاعتماد على منظومة روبوتات تشمل كافة مناحي الحياة، ومعارضين ومتحفظين لهذا القدر من التوجه الاندفاعي نحو مجهول ينطوي على خطر جسيم للبشرية. قطعاً لا أحد يرفض الاستفادة من الإبداعات التقنية في مجالات الروبوتات أو الذكاء الاصطناعي من حيث المبدأ. الأمر يتعلق مبدئياً بالضوابط الأخلاقية والعلمية والقانونية التي تحكم تلك الصناعة الكبرى، وهذا هو البُعد الأكثر أهمية الذي ما زال غائباً عن اهتمام الحكومات والكثير من الشعوب، وهي أساساً التي ستواجه تلك المخاطر في المدى المتوسط.