فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

عن رمضان وأسئلة المسلمين في الغرب

استمع إلى المقالة

مع قدوم شهر رمضان يعود الجدل السنوي والمستدام حول علاقة الليبرالية بالدين وبخاصةٍ في الدول الأوروبية. بعض المجاميع الدينية يغشاها الوسواس من التصريح بالسلوك الديني الطبيعي؛ وتنتج عن ذلك مجموعة من الأسئلة الدوْرية التي نسمعها مع كل موسمٍ ديني كبير، وما كانت هذه الأسئلة التي تُطرح من قبل المسلمين خصوصاً إلا نتيجةً لأمرين؛ أولهما: عدم وضوح الرؤية للمسلمين بحدود التعاطي المؤسسي مع الشعار الديني في المجال العام. وثانيهما: فشل المؤثرين في إيصال الأفكار والطرق التي يمكن للإنسان أن يعبّر عن شعاراته الموسمية من دون أن يضرّ نفسه ولا أن يُستفزّ منه غيره.

وبمناسبة هذه الإشكالية التي طُرحت مجدداً لا بد من العودة إلى الفيلسوف تشارلز تايلر؛ مستندين إلى كتاب: «مسائل التعدد والاختلاف في الأنظمة الليبرالية الغربية» للأستاذ سايد مطر، وأختصر نظريته حول الموضوع بنقاطٍ عدةٍ ذكرها الأستاذ مطر وهي كالتالي:

أولاً: «أن حدود التكيُّف وحرية الدين من أبرز المشكلات التي تعترض موقف الليبرالية السياسية والذاتية الاستعمال الأداتي لمعتقدات الضمير ووجوب التكيُّف القانوني. فكيف يمكن للدولة أن تقي نفسها من المخاطر الممكنة في استعمال الحرية الدينية على نحو (انتهازي) و(تدليسي)؟ والمثال على ذلك أن موظفاً يمكنه أن يستعمل حريته الدينية على نحو (استراتيجي) للحصول على أيام عطل إضافية مدفوعة الأجر والمطالبة بترتيب دوام العمل على نحو يفضّله ويُلائم نشاطه الخاص».

ثانياً: «يضرب مثلاً بتقرير اللجنة الاستشارية عن عدم مراعاة النظام العام، وهو الاعتراض الذي سجّلته هيئة الانتخابات في كيبك على مطالب بعضهم بارتداء البرقع في أثناء عملية الاقتراع، ودفع ذلك البرلمان إلى تفسير قانون الانتخابات الذي لم يكن يلحظ صراحة في بنوده أن يكون وجه المُنتخِب مكشوفاً. وفي أثر ذلك، أضاف البرلمان الكيبكي، في تعديله القانون، فقرةً تفرض على المقترع أن يعرِّف عن هويته مكشوف الوجه».

ثالثاً: «لا يُخفي تايلر إمكان أن تخرج مطالب التكيُّف عن مسارها القانوني الصحيح. وسبب ذلك (اندثار التمييز بين حرية الضمير والدين، من جهة، والتصور الذاتي للحرية الدينية الذي اعتمدته المحاكم، من جهة أخرى، ما يسهل لبعضهم الادعاء على نحو خاطئ واحتيالي أنه يعتنق معتقدات عميقة. وربما يؤثّر ذلك أيضاً في دفع الشخص الصادق في إيمانه إلى التطرف). وانطلاقاً من التصور الذاتي والقانوني للحرية الدينية، ربما يدّعي بعضهم هذا الأمر كي تُقبل تفسيراتهم الذاتية لمعتقداتهم الدينية، وإن كان ذلك يخالف تصور المؤسسة الدينية الرسمية وتوجُّه الجماعة الدينية الأكثرية التي ينتمون إليها. فعدم قبول مثل هذه التفسيرات الفردية يُعدّ، بالنسبة إليهم، ضرباً من ضروب الانتهاك لحريتهم الدينية الذاتية».

رابعاً: «إذا كانت المحاكم لا تنظر في تفصيلات العقائد والممارسات الدينية، فإنها لا تكتفي بأن يؤكد المؤمنُ بصدق الدور المركزي الذي يؤديه إيمانه في حياته. إذ يجب على المؤمن، بحسب تايلر، أن يشرح شرحاً كافياً ومقنعاً لماذا ترتبط القيمة أو المعتقد الديني بعمق بكيانه ارتباطاً عميقاً، وكيف أنه يسعى جاهداً كي يحترمها وأن يكون على قدر عالٍ من الاستعداد حتى توجه هذه القيمة سلوكه وحياته».

وأخلص من تحليل تايلر إلى أن الأفكار الدينية في المجتمعات الغربية لها أنماطها المختلفة. إن ما يمكن تطبيقه في بلداننا الإسلامية يستحيل استنساخه في المجتمع الأوروبي. القوانين الصارمة والاحتدام السياسي حول العلمنة والمجال العام والدين لا بد من فهمها من قبل المسلمين في الغرب، وهذا لا يعني التبرير وإنما أطرحه بغية التفسير. وعليه فإن الهلع من قبل البعض من أن هذه الدولة الغربية أو تلك تستهدف الدين لا تبرير له، فالقانون والسياسات العامة هي التي تقنن الشعارات ومستوى حضورها في الواقع، وعليه فإن المسلم العاقل عليه أن يفهم وأن يتفهّم هذا المستوى من التبويب لحضور الدين في المجال العام بالدول الغربية.

الخلاصة أن المسلمين القدامى في الغرب يعرفون هذا النمط من التحديد لحضور الشعارات الدينية في المجال العام وهذا جزءٌ منه يعود إلى التفكير العقلاني والتموضع العملي مع الحالةِ المُعيشة على المستويين المؤسسي والقانوني، لكن العبء الأكبر الآن على المرشدين المسلمين لتهيئة المهاجرين الجدد لتعليمهم أن هذه قوانين عمومية لا تستهدفهم ولا تُميّزهم وإنما لهذه السيطرة على الشعارات أسسها التاريخية القانونية والسياسية التي تبلورت على النحو الذي شرحه الفيلسوف تايلر، فالوعي أساسيّ لتجاوز الوسواس من الدولة الغربية التي يعيش فيها المسلم بمواسم الدين المباركة.