فتح الله السجلماسي
* الأمين العام لـ«الاتحاد من أجل المتوسط»
TT

«الاتحاد من أجل المتوسط» في مواجهة التحديات المتزايدة

قبل أيام، كشف الاتحاد الأوروبي على لسان ممثلته العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية فيدريكا موغيريني، والمفوض الأوروبي المعني بشؤون التوسيع وسياسة الجوار الأوروبي يوهان هان، الخلاصات التي توصل إليها في موضوع مراجعة سياسة الجوار الأوروبية التي تدعو إلى توفير رد سريع ومرن ومناسب للتحديات الكثيرة التي يفرضها الوضع الراهن، مع طرح رؤية استراتيجية طموحة لتطوير العلاقات مع دول الجوار في إطار ثنائي وإقليمي. وفي هذا الصدد، فإنني أود إبراز أبعاد ما أقره الاتحاد الأوروبي بشأن الإعلان عن عزمه تعزيز دور «الاتحاد من أجل المتوسط»، باعتباره محفلاً أساسيًا للحوار السياسي والاقتصادي، بالإضافة إلى إسهامه الفاعل في تعزيز التعاون الإقليمي.
نحن نعتبر أن هذا التوجه يفتح آفاقًا جديدة لـ«الاتحاد من أجل المتوسط»، الذي ينخرط بقوة منذ إطلاقه - باعتباره امتدادًا مُتطورًا لإعلان برشلونة - نحو تعزيز التعاون الإقليمي وتنفيذ أجندة مشتركة بين شمال وجنوب المتوسط، وذلك بفضل دعم الاتحاد الأوروبي والأردن، الرئيسين المشتركين لـ«الاتحاد من أجل المتوسط»، وأيضًا المساهمة النشطة لجميع الدول الأعضاء الثلاث والأربعين.
لا يخفى على أحد أن المنطقة الأورومتوسطية تواجه اليوم تحديات كبيرة ومعقدة غير مسبوقة، لا سيما المآسي المترتبة على الهجرة غير الشرعية، وتدفقات اللاجئين، وكذلك تنامي ظاهرة التطرف الفكري وعدم التسامح وكراهية الأجانب، بالإضافة إلى تحديات خطيرة مرتبطة بالإرهاب، التي تذكيها البؤر المختلفة للصراعات والأزمات التي تشهدها المنطقة وجوارها المباشر.
ونود هنا أن ندين بأشد العبارات الأعمال الإرهابية الخسيسة وغير الإنسانية التي شهدتها بيروت وباريس، بل والكثير من دول المنطقة، والتي حصدت أرواح الكثير من الأبرياء. ولا شك أن كل ذلك يدفعنا أكثر من أي وقت مضى نحو تضافر الجهود وتعزيز التعاون من أجل التصدي المشترك للإرهاب.
إن حجم هذه التحديات يدعونا أيضًا إلى القيام بتحليل معمق من أجل تجنب التبسيط والإقرار باختلاف الأوضاع في المنطقة والأخذ بعين الاعتبار كافة أبعادها الاستراتيجية، إذ إن حجم هذه التحديات يستلزم التحلي بالإصرار والفاعلية لتقديم ردود ملموسة تتناسب مع الطموحات المشروعة للشعوب.
ولن ترقى تلك الردود إلى مستوى التحديات إلا إذا كانت جماعية ومبنية على التشاور والتنسيق. وينطبق المبدأ ذاته في مواجهة تحديات التطرف الفكري، وكذلك التحديات الاقتصادية والاجتماعية، حيث يتعين على الحكومات والمؤسسات الدولية وجميع الأطراف الفاعلة في مجال التعاون تعزيز التآزر والتكامل فيما بينها، إذ إنه لا يمكن مواجهة أي من التحديات على المستوى الوطني فحسب، بل يجب أيضًا أن تكون الردود ذات بعد إقليمي وجماعي.
وكما يعلم الجميع فإن مستوى التكامل الإقليمي في منطقة المتوسط من أقل المعدلات على المستوى العالمي، رغم ما تتمتع به المنطقة من إمكانات ضخمة لتحقيق التقدم المنشود. وهنا يكمن الدور الأساسي لـ«الاتحاد من أجل المتوسط»، الهادف إلى تعزيز هذه المعدلات، وذلك من خلال البناء على القيم المُشتركة والطاقات الكامنة، خاصة لدى الشباب، والفرص المُتاحة التي تبعث على التفاؤل، ومنها الروابط التي يمكن تطويرها مع أفريقيا جنوب الصحراء.
وأخيرًا، فإن هذه الردود يجب أن تستند إلى مقاربة متوازنة بين البعدين الأمني والتنموي. ويكمن الحل على المدى البعيد في التنمية الشاملة التي تعزز تماسك مجتمعاتنا وفيما بين شعوب المنطقة. وتظل الأولوية هي توظيف الشباب ودعم الجهود الرامية إلى دفع مسيرة النمو والتشغيل، كما أن دعم مشاركة المرأة في ذات السياق يعد بمثابة مطلب أساسي وإضافة مهمة لكل المجتمعات. وينطبق ذلك أيضًا على دعم الحوار بين الثقافات والأديان، الذي هو أمر لا غنى عنه، إذ من شأنه الإسهام في توطيد أواصر العلاقة بين الشعوب. كما أن تضافر الجهود من أجل دحض خطاب التطرف الفكري وتعزيز التفاهم المُشترك والاحترام المُتبادل، ولا سيما بين الشباب، هو ضرورة ملحة.
إن تبني نهج شامل وجماعي واتخاذ خطوات عملية وإعطاء الأولوية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية تُعد ركائز عمل «الاتحاد من أجل المتوسط» اليوم. ولعل من بين الكثير من الإنجازات الواضحة والمشجّعة التي تحققت في إطار «الاتحاد من أجل المتوسط» في عدة قطاعات رئيسية، تتمثل في تنفيذ مشروعات ملموسة، ومُبادرات للحوار والتعاون الإقليمي، وكذلك من خلال برامج في مجال التدريب المهني، والتعليم والتنقل وخلق فرص عمل للشباب في إطار «المبادرة المتوسطية للتوظيف Med4Jobs»، والمحافل الإقليمية للحوار القطاعي حول الطاقة وتغير المناخ، بالإضافة إلى الكثير من المبادرات في مجال البنية التحتية والتنمية الحضرية المستدامة والطاقة المتجددة ومكافحة التلوث.. وهي من بين 33 مشروعًا تم اعتمادها بالفعل من قِبل «الاتحاد من أجل المتوسط» بقيمة إجمالية تقترب من خمسة مليارات يورو، ومن شأنها الإسهام في تحسين الظروف المعيشية ومستقبل سكان المتوسط.
ومن أجل مواجهة التحديات القائمة في منطقة المتوسط، لا سيما الهجرة والأمن بالإضافة إلى التحديات الاجتماعية والاقتصادية وتلك المرتبطة بتغير المناخ، يتعين قيامنا بتكثيف الجهود ومضاعفة أثرها.. فلا يمكننا إضاعة مزيد من الوقت. إن منطقة المتوسط، بما تمتلكه من إمكانات وطاقات بشرية، فضلاً عن امتدادها الأفريقي، يُمكنها الاضطلاع بدور إقليمي مُؤثر في إطار العولمة. ولا شك في أنه عشية الذكري العشرين لإعلان برشلونة، وفي ضوء سياسة الجوار الجديدة للاتحاد الأوروبي، تقع على عاتقنا جميعًا المسؤولية المشتركة للعمل بإصرار على تنفيذ الأهداف المُشتركة في إطار «الاتحاد من أجل المتوسط».

* الأمين العام لـ«الاتحاد
من أجل المتوسط»