مؤخراً، بعدما حَضَرَ موتُ المشروعات الصغيرة في حضرموتَ، أمكن للشرعية اليمنية بتعاون التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية أن تفتحَ بوابةَ أمل يمني جديدة، دخل من خلالها عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت الأستاذ سالم أحمد الخنبشي إلى محافظتِه يطبّع الأوضاع فيها، قبل عودته إلى الرياض لتيسير تحضيراتِ مؤتمر حوار المكونات اليمنية من المحافظات الجنوبية، والاجتماع مع رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي.
بالنظر إلى النشاط المُشِع والحضور الفاعل للخنبشي، وسط زخم كبير يجب استثماره جيداً، يجدر التجوال في تاريخ حضرموت ليتسنى تفهم خصوصية فريدة تميز أوسع قطاع جغرافي يمني، يمتد على مدى الشرق اليمني من الربع الخالي إلى البحر العربي.
قديماً في حضرموت حَضَرَ موتُ صراعات وثارات تاريخية، حسب كتاب «إحلال السلام في حضرموت 1933-1953» للسفير عبد العزيز بن علي القعيطي، يكشف عن تلك الخصائص بدءاً من:
- «جغرافيا» تَبسُطُ تفسيراً لطبيعة الشعب هناك، وتُهيئ مسارح صراع طويلة الذيول استوجبت بترها بقوة السلطة ولين الحوار.
- ثم «التراتب الاجتماعي» الذي يُميز المجتمع الحضرمي، وجعله يتغلَّب بحَمَل السلام على حمل السلاح.
- شيوع ظاهرة «الهجرة الحضرمية» وإسهام المهاجرين في إنهاء الصراعات، مصبوغين بدمائها نتيجة تأثير فكري.
- فضلاً عن خاصية حضرمية رابعة تمثلت في «قيادات مستنيرة» تصدت لتلك الصراعات الداخلية.
- كذلك أنه «لم يدخل الاستعمار البريطاني بحد السيف لاختلاف وضع حضرموت عن باقي مستعمرات جنوبي اليمن».
جرياً على ما درجت عليه بريطانيا من «إرسال مندوب لها إلى البلاد التي تريد الدخول فيها لينير لها السبل والمسالك»، انتدبت مستشارها في عدن هارولد انجرامس، الذي كتب تقريراً «عن الحالة 1934-1935» شكل أرضاً صلبة وقف عليها لاحقاً ليلعب دوراً حاسماً في إنهاء الصراع القبلي، الذي جعل حكام حضرموت يطلبون عوناً هولندياً لحسم صراعهم، لكن مندوب هولندا في السعودية فان دير ميولين عرض واقعَ أنه «لا يمكن دخول الهولنديين في تلك المسألة دون إذن البريطانيين»، وأخذ ينصح الحكام الحضارم باتباع «الحل الوحيد؛ وهو التعاون مع السلطات البريطانية في عدن».
بفهم واقعي لمجريات الأمور «وصولاً إلى حل حاسم لتنازع يكاد يؤدي إلى فشل المجتمع وذهاب ريحه»، حسب السفير القعيطي، أحدث دخول البريطانيين «من دون آلة عسكرية انسجاماً مع الحضارم» جعلهما «يلتقيان عند نقطة وجوب القضاء على الصراع». فكان دخول بريطانيا حضرموت من دون قوة «باتفاق مع حكامها»، فتلمسوا حاجة الناس إلى دولة مركزية تَحُد من هيمنة القبائل، كونها ضرورة تفرضها تطورات الحياة أمام صراع مستفحل يناطح حركة التاريخ الصاعدة على حد تعبير عبد العزيز القعيطي، ويحتاج إلى جهد جهيد متواصل، لا إلى عصا سحرية للقضاء على الصراع الدائر في حضرموت يومذاك.
مع التماس «عجز الناس عن العيش في بلادهم من دون اختصام، نتيجة صراعهم المزمن، وانعكاس ذلك على حالة الأمن» حسب المستشار البريطاني السيد هارولد انجرامس، بدأ يخوض معركة معقدة وطويلة النَّفَس، بفعل صعاب راسخة مع ما نسجته تقاليد الحياة الاجتماعية، لكنها تلازمت مع توافر مناخ مهيأ للتصدي لتلك الصراعات بوجود سلطة مركزية تستطيع -وإن لم تفعل كثيراً آنذاك- فرض قبضتها على مجريات الأمور. نظم انجرامس مؤتمراً في سيئون لعقد صلح لتحقيق السلام، وتنظيم البلاد، وتشكيل «لجنة أمان حضرموت»، وفق البيان الرسمي لما سمي «صلح انجرامس» المبرم يوم 29 رمضان 1355هـ، الموافق 14 ديسمبر (كانون الأول) 1936م، «مما مكن بريطانيا من المشاركة في تحقيق السلام خدمة لمصالحها البعيدة... كونها لا تدير جمعية خيرية» حسب السفير القعيطي؛ وتنفيذاً لـ«صلح انجرامس» استلزم توقيع القبائل 1400 معاهدة ترعاها سلطة مركزية قوية الدعائم «تستعرض القوة حتى لا يتعين استعمالها» إلا لردع الصراع بالعنف أحياناً، كي تنعم البلاد بدرجة من الاستقرار وتعزيز هيبة الدولة.
مما ليس فيه شك أن تفعيل سلطات الدولة لقوتها يجعل العناصر الجانحة إلى مواقيت وحلفاء غير مناسبين، تدرك أن الدولة لا تتوعد بتهديدات جوفاء يستحيل تنفيذها، مثلما تلتزم بتبديد الوحشة المتبادلة بين كل الأطراف بتفعيل مؤسساتها واحتوائهم فيها، دونما حاجة إلى اجتماعات ومؤتمرات تنتهي دون اتفاق.
«الصراع المعقد لا يُحل بالقوة وحدها، إنما بالسياسة المدعومة بسلطة الدولة»، تلك خلاصة حضرموت قديماً وحديثاً... لأن الصلح خير، والاتحاد قوة، والحوار علاج، وفي تفهم الواقع وإدراك حقائق التاريخ والتزام القانون تفادياً لشرور الفوضى والتوهم والجهل والخصام والتفرق. ومن يعي هذا لن تذهب ريحه.
