أمير طاهري
صحافي إيراني ومؤلف لـ13 كتاباً. عمل رئيساً لتحرير صحيفة «كيهان» اليومية في إيران بين أعوام 1972-1979. كتب للعديد من الصحف والمجلات الرائدة في أوروبا والولايات المتحدة، ويكتب مقالاً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» منذ عام 1987.
TT

إيران... السوق غاضبة

استمع إلى المقالة

على مدار عقود، نظر معظم «خبراء الشؤون الإيرانية» إلى نظرية واحدة باعتبارها «مؤكدة» على صعيد السياسة الإيرانية: ثمة ثلاث فئات من المجتمع لن تثور أبداً على النظام، الذي أسسه الخميني عام 1979: تجار البازار، ورجال الدين، وطلاب الجامعات، الذين انجذبوا إلى الأفكار اليسارية، التي راجت على الساحة العالمية آنذاك.

ولعبت الفئات الثلاث دوراً مركزياً في الثورة الإسلامية عام 1979، مع تعمد تجار البازار إصابة جزء كبير من الاقتصاد بالشلل، وأشعل العلماء الدينيون نار الحمية الدينية بين الجماهير الحضرية الجديدة، في حين قدم الطلبة العقل اللازم لتكميل العضلات الجاري استعراضها في الشوارع.

وعلى مدى عقود، خرق علماء دينيون وطلاب جامعيون هذه القاعدة بعض الأحيان، لكن لطالما ظلت أفعالهم بمثابة استثناء يثبت القاعدة.

أما تجار البازار، فقد واصلوا دورهم باعتبارهم العمود الفقري للنظام، الذي ساعدهم على تجاوز الكثير من الأزمات الصعبة.

ومع ذلك، شهدنا الأسبوع الماضي تحطم هذا التقليد، عندما أغلقت قطاعات كبيرة من سوق طهران أبوابها، وخرج عشرات الآلاف من عمالتها إلى الشوارع، في مظاهرات غاضبة وهتافات تتحدى شرعية النظام.

من الضروري تحديد الوزن الحقيقي للسوق في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، لفهم أهمية الاحتجاجات التي كانت لا تزال مستمرة في طهران وأكثر من 50 مدينة أخرى وقت كتابة هذا المقال.

تكشف الأرقام أن سوق طهران وشركاءها داخل أسواق أكثر من 300 مدينة صغيرة ومتوسطة وكبيرة، يسيطرون على توزيع نحو 40 في المائة من السلع الاستهلاكية في البلاد. وحتى المراكز التجارية الفاخرة الحديثة في طهران والمدن الكبرى الأخرى، تعتمد في نهاية المطاف على «السوق الأم» في طهران للحصول على الإمدادات الرئيسة. كما تتولى السوق تمويل العديد من المدارس الابتدائية والثانوية، بما في ذلك مدارس دينية، علاوة على مساجد وجمعيات خيرية ودور أيتام وجمعيات للمقيمين في العاصمة من الوافدين من خارجها. ويتقاضى المئات من علماء الدين، بمن فيهم بعض الكبار، رواتبهم من السوق.

إذن، لماذا قررت السوق اليوم تغيير موقفها، وإعلان التمرد على النظام، الذي ساعدت في تشييده؟

يدور التفسير الرسمي الذي قدمته السيدة فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الرئيس مسعود بزشكيان، حول أن السوق تشعر بتأثيرات الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك معدل تضخم جامح يجعل تسعير السلع أمراً شديد المخاطرة.

واللافت أن صحيفة «كيهان» اليومية، التي يُفترض أنها تعكس آراء المرشد، أعلنت اتفاقها مع هذا الطرح. وأعلنت في افتتاحيتها، الثلاثاء، أن «الحقيقة أن الارتفاع المستمر في قيمة العملات الأجنبية، وارتفاع تكلفة الواردات، وزيادة الإيجارات، وارتفاع تكلفة الاقتراض ورأس المال المغامر... قد دفعت بالكثير من رجال الأعمال إلى وضع متأزم. في الوقت نفسه، فإن التراجع المستمر للقوة الشرائية للناس، والعجز عن التنبؤ بالأسعار بشكل صحيح، يجعلان استمرار العمليات التجارية صعباً للكثيرين».

ويلقي بعض المدافعين عن النظام باللوم على العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أن وزير الخارجية عباس عراقجي لا يتفق مع هذه الفكرة؛ فبعد نقاش دام خمس ساعات مع مجموعة من رجال الأعمال في أصفهان، كتب عراقجي: «لم يطلب مني أي من رجال الأعمال وغيرهم من النشطاء المعنيين بالاقتصاد، رفع العقوبات. وأكدوا جميعاً أن مشكلاتهم تنبع من البنك المركزي، ومكتب الجمارك، ونظام الضرائب، ووزارة الجهاد الإسلامي، ووزارات الزراعة والتجارة والصناعات. إذا جرى حل هذه المشكلات، ستتفجر قدرات جديدة».

والآن، كيف نحل هذه المشكلات؟ لم يطرح عراقجي إجابة؛ ربما لأن ذلك خارج اختصاصه.

وجدير بالذكر أن استطلاعاً حكومياً كشف أن 73 في المائة من الإيرانيين يتفقون مع رجال الأعمال الذين تحدثوا إلى عراقجي، معتبرين أن العقوبات ليست السبب الرئيس للانهيار الاقتصادي الذي تعانيه البلاد.

من جهتها، أكدت صحيفة طهران «هم-مهان» أن «الحل لأزمتنا الاقتصادية يكمن في إجراء تغييرات في الحكم». ومع ذلك، لم يحدد الكاتب أي تغييرات يقصد.

وفي رسالة مفتوحة وقّعها 180 اقتصادياً بارزاً داخل إيران، أكد الموقعون أن جميع المشكلات الحالية لها حلول اقتصادية، لكنهم شددوا على أنه من المتعذر تطبيقها من دون تغيير سياسي.

ومن ناحيته، قال علي أكبر ولايتي، المستشار الأول للمرشد: «نحن جاهزون هنا في طهران لأكل العشب، من أجل مواصلة تمويل المقاومة في لبنان والعراق واليمن، وأي مكان آخر يقاتل فيه الناس ضد الغطرسة وحلفائها».

ولضمان بقائه، اختار النظام استراتيجية المحسوبية في التعامل مع فئات المجتمع؛ فمقابل الولاء يقدم الإعانات و«سلال المساعدات» لأكثر من 5 ملايين شخص، لا يلعبون دوراً يُذكر في العملية الإنتاجية. كما يجري بيع الكثير من السلع والخدمات الاستهلاكية الجماهيرية، بخاصة الماء والكهرباء والغاز والبنزين، بأسعار أقل من تكلفة الإنتاج.

والنتيجة أن بعض هذه السلع، بخاصة البنزين المكرر، يجري تهريبه إلى الدول المجاورة، بما فيها العراق وتركيا، حيث الأسعار أعلى بكثير. وبعد ذلك، تُودع العوائد بعملات أجنبية في بنوك خارجية. ويسبب ذلك نقصاً في البنزين داخل إيران، ما يجبر السلطات على استيراد المنتجات البترولية المكررة من الهند.

ومكافأةً للولاء، تسيطر على نحو 40 في المائة من الاقتصاد حفنة من الشركات العامة - الخاصة، التي تستحوذ على 50 في المائة من الإعفاءات الضريبية. ويعمل الاقتصاد الموازي، الذي تسيطر على الجزء الأكبر منه مجموعات شبه عسكرية بالشراكة مع علماء دين، كدولة داخل الدولة. كما تبتلع المشاريع التي لا ترمي إلا للاستعراض، مثل البرنامج النووي، مبالغ فلكية يمكن استثمارها في القطاعات الإنتاجية. وبعد أكثر من 30 عاماً، لم ينتج البرنامج النووي كيلوواط واحداً من الكهرباء، أو رأساً نووياً واحداً.

كما أن استضافة أكثر من 40.000 طالب أجنبي في مجال العلوم الدينية، لا تعدو كونها مشروع استعراض مكلفاً آخر، وكذلك تمويل أكثر من 1000 مجموعة «بحثية» من المفترض أنها تتولى تدريب قراء النصوص المقدسة المعروفين بـ«المداحين»، واكتشاف أعمق المعاني لفلسفة الخميني.

وجدير بالذكر أن بيل كلينتون قال ذات مرة: «إنه الاقتصاد يا غبي!». حسناً، لقد كان مخطئاً ـ إنها دائماً السياسة يا ذكي!