الذكاء الاصطناعي وسرطان الفم: حين تلتقي الخوارزميات بالرحمة

ثورة رقمية صامتة لمواجهة مرض خبيث يتسلّل بهدوء في العالم العربي

الذكاء الاصطناعي وسرطان الفم: حين تلتقي الخوارزميات بالرحمة
TT

الذكاء الاصطناعي وسرطان الفم: حين تلتقي الخوارزميات بالرحمة

الذكاء الاصطناعي وسرطان الفم: حين تلتقي الخوارزميات بالرحمة

في كل عام، وتحديداً في شهر نوفمبر (تشرين الأول)، يوجِّه العالم أنظاره إلى «شهر التوعية بسرطان الفم (Oral Cancer Awareness Month)»، في محاولة لكسر صمت طويل يحيط بمرض خفيّ التأثير وعميق الأثر. فعلى عكس السرطانات التي تتصدّر عناوين الأخبار وتستحوذ على حملات الدعم والتمويل، يبقى سرطان الفم غالباً في الظل، يترصّد بصمت في زوايا الفم واللسان والبلعوم إلى أن يُكتَشف متأخراً، في مراحل يصعب فيها العلاج، لتبدأ رحلة طبية معقدة ومكلفة، تُثقل المريض نفسياً وجسدياً.

تأخر اكتشاف سرطان الفم

هذا التأخر في الاكتشاف لا يعود فقط إلى الطبيعة الصامتة للمرض، بل أيضاً إلى نقص برامج الفحص الدوري، وضعف الوعي الصحي العام، وغياب حملات الكشف المبكر المنظمة في كثير من الدول العربية. وتُفاقم المشكلة عوامل سلوكية وبيئية متجذّرة، مثل مضغ القات في بعض المناطق، واستخدام الشمة (Smokeless Tobacco)، والتدخين، وضعف نظافة الفم، إلى جانب العدوى المزمنة بفيروس الورم الحليمي البشري (HPV) التي تُعدّ من أبرز العوامل المسببة له عالمياً. وهذه التركيبة المعقّدة تجعل من سرطان الفم تحدياً مزدوجاً؛ طبياً وثقافياً.

وفي مواجهة هذا التحدي، يطلّ الذكاء الاصطناعي بوصفه أفقاً جديداً واعداً، لا ليحل محل الطبيب، بل ليمنحه عيناً إضافية ترى ما لا يُرى. فمن خلال قدراته على الرصد المبكر، والتشخيص الذكي، وتحليل الصور والبيانات السريرية بدقة وسرعة، يَعِد الذكاء الاصطناعي بإحداث تحوّل جذري في الطريقة التي نكشف بها المرض ونتعامل معه، خصوصاً في البيئات التي تعاني من محدودية الكوادر الطبية أو ضعف البنية التحتية للفحص المبكر.

سرطان الفم في العالم العربي: أرقام صامتة تكشف أزمة متصاعدة

يمثل سرطان الفم في العالم العربي تحدياً صحياً متنامياً لا يحظى بالاهتمام الكافي، رغم تصاعد معدلات الإصابة والوفيات خلال العقدين الأخيرين. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية (WHO) والاتحاد الدولي لمكافحة السرطان، إلى أن سرطان الفم والبلعوم يحتل المرتبة السادسة عالمياً من حيث الانتشار، لكن الصورة الإقليمية تكشف عن تفاوتات لافتة.

* في اليمن وبعض مناطق القرن الأفريقي، تصل معدلات الإصابة إلى ما يفوق 30 حالة لكل 100 ألف شخص في الفئات العمرية المتقدمة، وهي من أعلى المعدلات المسجلة عالمياً، ويُعزى ذلك بشكل رئيسي إلى الانتشار الواسع لعادة مضغ القات التي تحتوي أوراقها على مواد كيميائية مخرشة ومسرطنة عند الاستخدام المزمن، مما يجعلها من أهم العوامل المسببة لسرطان الفم في هذه المناطق.

* في السعودية، تُظهر بيانات السجل الوطني للأورام أن سرطان الفم يُصنَّف ضمن أكثر 5 سرطانات شيوعاً لدى الذكور في بعض المناطق الجنوبية، ويرتبط بشكل وثيق باستخدام الشمة.

* في السودان، أظهرت دراسات وبائية محلية أن أكثر من 70 في المائة من المصابين بسرطان الفم لديهم تاريخ طويل في استخدام الشمة التقليدية، وغالباً ما يصلون إلى مراكز العلاج في مراحل متقدمة من المرض.

* في دول شمال أفريقيا مثل مصر والمغرب، ما زال معدل الكشف المبكر منخفضاً، مما يؤدي إلى نسب مرتفعة من الحالات المتأخرة وصعوبات في العلاج وإعادة التأهيل.

وتبرز هذه الأرقام وجود فجوة واضحة بين الحاجة الملحّة للتدخلات الصحية والوعي المجتمعي وبرامج الفحص المبكر، وهي فجوة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تضييقها عبر الكشف السريع، وتحسين فرص التشخيص المبكر، ودعم الكوادر الصحية في المناطق ذات الموارد المحدودة.

من الصورة إلى الخلية: ثورة التشخيص بالذكاء الاصطناعي

في هذا المشهد القاتم الذي يتأخر فيه التشخيص وتفوت فيه فرص العلاج المبكر، يطلّ الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) بوصفه أداةً قادرةً على تغيير قواعد اللعبة جذرياً. لم يعد تشخيص سرطان الفم اليوم يعتمد فقط على عين الطبيب أو عدسة المجهر التقليدي، بل أصبح يستند إلى خوارزميات متطورة قادرة على قراءة التفاصيل الدقيقة التي لا تراها العين البشرية، والتنبؤ بالتغيرات الخبيثة في مراحلها الأولى، حين يكون التدخل العلاجي أكثر فاعلية وفرص النجاة أعلى.

تعتمد هذه الثورة التشخيصية على تقنيات متقدمة مثل الشرائح النسيجية الرقمية (Whole Slide Imaging)، التي تحوِّل العينات النسيجية إلى صور عالية الدقة تُحلَّل بواسطة خوارزميات التعلم العميق.

وتتعلم هذه الخوارزميات، التي تمَّ تدريبها على ملايين الصور السريرية والنسيجية من مختلف أنحاء العالم، تمييزَ الأنماط الدقيقة في الأنسجة، بدءاً من التغيُّرات الطفيفة في بنية الخلايا وصولاً إلى توزيع الأوعية الدموية والملامح المجهرية التي قد تشير إلى بداية تحوّل خبيث.

ولا يقتصر الأمر على الشرائح النسيجية؛ فخوارزميات الذكاء الاصطناعي باتت قادرةً أيضاً على تحليل الصور السريرية وصور الأشعة بدقة غير مسبوقة، مسلّطةً الضوء على مواضع الخطر التي قد تمر دون ملاحظة في الفحص التقليدي.

دقة تشخيص عالية

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن دقة بعض هذه النماذج وصلت إلى مستويات تتجاوز 90 في المائة في التفريق بين الآفات الحميدة والخبيثة، وهو مستوى يضاهي أداء متخصصي علم الأمراض ذوي الخبرة العالية، بل ويتفوق عليهم في سرعة التحليل وقدرته على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات دون تعب أو تشتت.

ويكمن البعد الثوري الحقيقي في أن هذه التقنيات لا تقتصر على المختبرات المتقدمة أو المراكز العالمية، بل يمكن دمجها في عيادات الأسنان والمراكز الصحية الأولية وحتى الهواتف الذكية، ما يفتح الباب أمام نموذج جديد للرعاية التشخيصية المبكرة في المناطق النائية أو التي تعاني من نقص الكوادر المتخصصة. بهذه الطريقة، يصبح بإمكان الطبيب العام أو طبيب الأسنان غير المتخصص الحصول على دعم ذكي لحظي في أثناء الفحص، يرشد إلى مواضع الخطر ويقترح الخطوات التالية، بما يسهم في رفع نسب الاكتشاف المبكر وتقليص الفجوة في الرعاية الصحية.

إنها باختصار ثورة تبدأ من الصورة وتنتهي إلى الخلية، تفتح أمامنا أفقاً غير مسبوق في معركة الكشف المبكر عن سرطان الفم، وتعيد رسم العلاقة بين الطبيب والخوارزمية لتصبح شراكة ذكية هدفها الأسمى إنقاذ الأرواح.

دعم القرار العلاجي: الطب الشخصي يبدأ من الفم

لا يقف دور الذكاء الاصطناعي عند حدود التشخيص، بل يمتد إلى مرحلة أكثر عمقاً وتأثيراً: دعم القرار العلاجي. فالنماذج التنبؤية المتقدمة أصبحت قادرةً على تحليل الكم الهائل من البيانات السريرية والجينية لكل مريض، لبناء ما يشبه «الخريطة الرقمية لمستقبل الورم». هذه الخريطة تساعد الفريق الطبي على استشراف سلوك الورم واحتمالات انتشاره أو استجابته للعلاج، ما يتيح تصميم خطط علاج شخصية دقيقة بدلاً من اتباع بروتوكولات موحَّدة للجميع.

على سبيل المثال، يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تحدِّد للمريض الأنسب:

ما إذا كان التدخل الجراحي المبكر هو الخيار الأفضل، أو أن العلاج الإشعاعي الموجّه سيكون أكثر فاعلية، أو أن المزيج بين الأدوية الموجهة (Targeted Therapy) والعلاج المناعي سيحقق أفضل النتائج.

هذه القدرة على المواءمة بين خصائص الورم الفريدة وبيانات المريض الفردية تمثل جوهر ما يُعرف بـ«الطب الشخصي»، وهي نقلة نوعية في علاج سرطان الفم تحديداً، حيث تختلف الاستجابات بشكل كبير بين المرضى.

بهذه الطريقة، يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تقنية إلى عنصر أساسي في رسم ملامح العلاج المستقبلي لسرطان الفم.

العدالة الصحية... خوارزمياً

في العالم العربي، حيث لا تزال الفجوة بين المدن والمناطق الريفية واضحة في توفر خدمات الرعاية الصحية المتخصصة، تمثل تقنيات الذكاء الاصطناعي فرصةً حقيقيةً لإعادة رسم خريطة العدالة الصحية. ففي مناطق عدة من القرى والأرياف، ما زال الوصول إلى متخصصي الفم والوجه والفكين أمراً صعباً، سواء بسبب ندرة الكوادر أو محدودية الإمكانات اللوجيستية. وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه جسراً رقمياً قادراً على إيصال الخبرة الطبية المتقدمة إلى أبعد نقطة على الخريطة.

بفضل تطبيقات الهواتف الذكية المزوَّدة بقدرات تصوير وتشخيص ذكي، والمنصات السحابية التي تتيح مشاركة البيانات وتحليلها فوراً، وأجهزة الفحص المحمولة منخفضة التكلفة، أصبح من الممكن تمكين الكوادر الصحية الأولية - حتى غير المتخصصة - من التقاط صور للفم والأنسجة، وإرسالها فوراً إلى خوارزميات متقدمة تقوم بتحليلها بدقة، وتحديد الحالات المشتبه بها، وتقديم توصيات مبدئية لإحالتها إلى المراكز المتخصصة في الوقت المناسب.

بهذا الشكل، لم تعد المسافة أو ضعف البنية التحتية عائقاً أمام الكشف المبكر، بل أصبحت الخوارزميات وسيلةً لتحقيق العدالة الصحية المكانية، بحيث يحصل المريض في الريف على مستوى قريب من التشخيص الذي قد يناله في المستشفى الجامعي داخل المدينة. إنها نقلة نوعية تعزِّز من مفهوم الصحة للجميع، وتحوِّل الذكاء الاصطناعي من ترف تقني إلى أداة تمكين اجتماعي تخدم الفئات الأكثر احتياجاً.

بين التقنية والإنسان: شراكة لا منافسة

رغم هذا التقدم الهائل، فإن الحقيقة الأساسية تبقى واضحةً: الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً للطبيب، بل يعد شريكاً له.

إن نجاح الذكاء الاصطناعي في ميدان سرطان الفم، كما في سائر المجالات الطبية، لا يُقاس فقط بعدد الحالات التي يكتشفها، بل بمدى تكامله مع خبرة الأطباء، واستناده إلى بيانات موثوقة وتمثيلية تعكس تنوع السكان جغرافياً وثقافياً. فالنماذج التي تُدرَّب على بيانات من بيئات مختلفة قد تعجز عن فهم الإشارات الدقيقة في مجتمعاتنا المحلية، ما يجعل التنوع الجغرافي وجودة البيانات عاملَين حاسمَين في نجاح هذه التقنيات.

ثم هناك البعد الأخلاقي، الذي لا يقل أهميةً عن الجانب التقني. فالتعامل مع الصور النسيجية والبيانات السريرية للمريض يتطلب أطراً صارمةً لحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية، ومنع أي إساءة استخدام، أو اختراق قد يزعزع ثقة المرضى في هذه المنظومات. ولهذا، فإن بناء بيئة أخلاقية وتشريعية واضحة شرط أساسي لاستخدام الذكاء الاصطناعي بأمان ومسؤولية.

خاتمة: أفواهنا لا تنطق فقط... بل تخبرنا قصصاً صامتة

في شهر التوعية بسرطان الفم، لا ينبغي أن يقتصر اهتمامنا على الأرقام والإحصاءات، بل علينا أن نصغى إلى الرسائل الصامتة التي تحملها أفواه الناس. فكل فحص مبكر يمكن أن ينقذ حياة، وكل صورة تُحلَّل في وقتها قد تُغيِّر مصير مريض، وكل خوارزمية طُوِّرت برؤية إنسانية يمكن أن تفتح باباً جديداً للرحمة والنجاة.

إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أدوات رقمية أو تقنيات مبهِرة؛ بل يمكن أن يصبح وسيطاً للرحمة، إذا وُجّه بالنية الصادقة والضوابط الأخلاقية الواضحة. وكما قال جبران خليل جبران: «الرحمة نصف العدالة». فالرحمة هنا ليست عاطفة مجردة، بل فعل علمي وإنساني مشترك بين الطبيب، والمجتمع، والتقنية.

فلنجعل من الذكاء الاصطناعي رفيقاً لهذه الرحمة وليس بديلاً عنها، ولنمنح لأفواه الناس في عالمنا العربي فرصة أن تنطق بالحياة بدلاً من الصمت المؤلم. إن المستقبل لا يُكتَب فقط في المختبرات، بل يُرسَم في كل عيادة، وكل مدرسة، وكل بيت يعي قيمة الكشف المبكر، ويؤمن بأن التكنولوجيا حين تتلاقى مع الرحمة، تصنع فارقاً حقيقياً في حياة البشر.


مقالات ذات صلة

دراسة حديثة: قدرات الذكاء الاصطناعي لا تعني امتلاكه وعياً

تكنولوجيا الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)

دراسة حديثة: قدرات الذكاء الاصطناعي لا تعني امتلاكه وعياً

تدعو الدراسة إلى معايير علمية أكثر صرامة قبل الحكم على وعي الذكاء الاصطناعي أو الخلط بين الوعي ومعالجة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد إيلون ماسك مغادراً بعد حفل استقبال مع الرئيس دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ في «قاعة الشعب الكبرى» ببكين (أرشيفية - أ.ب)

إيلون ماسك: عقد «سبيس إكس» مع «أنثروبيك» مدته 6 أشهر فقط

كشف إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس»، أن شركة الفضاء والتكنولوجيا وافقت على تأجير مجمعات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لـ«أنثروبيك» 6 أشهر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم حين تعلم البشرية الخوارزمية كيف تقتل

حين تقرر الخوارزمية من يموت ومن يعيش... في الحروب الذكية

تطويراته العسكرية باتت أسرع من قدرة القوانين الدولية على مواكبته وتنظيمه

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
العالم البابا ليو الرابع عشر يلقي كلمة في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان 27 مايو 2027 (د.ب.أ)

الأمم المتحدة: نداء البابا ليو لضبط الذكاء الاصطناعي «جاء في توقيت مناسب»

أشاد مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الأربعاء، بنداء «جاء في توقيت مناسب» وجّهه البابا ليو الرابع عشر للتحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا آن كيست باتلر رئيسة جهاز الاستخبارات السيبرانية البريطاني (GCHQ)، تلقي محاضرتها السنوية الافتتاحية في بليتشلي بارك في بريطانيا 27 مايو 2026 (د.ب.أ)

رئيسة استخبارات بريطانية: الغرب بين السلم والحرب مع تسارع الذكاء الاصطناعي

حذّرت رئيسة جهاز الاستخبارات السيبرانية البريطاني، الأربعاء، من أن الذكاء الاصطناعي أصبح «قوة لا يمكن إيقافها».

«الشرق الأوسط» (لندن)

اللياقة البدنية العالية في الثلاثينيات مفيدة للقلب بمرحلة الشيخوخة

الأفراد ذوو اللياقة البدنية الأعلى في عمر 34 و52 كانت لديهم شرايين أكثر مرونة في عمر 63 عاماً (انسبيلاش)
الأفراد ذوو اللياقة البدنية الأعلى في عمر 34 و52 كانت لديهم شرايين أكثر مرونة في عمر 63 عاماً (انسبيلاش)
TT

اللياقة البدنية العالية في الثلاثينيات مفيدة للقلب بمرحلة الشيخوخة

الأفراد ذوو اللياقة البدنية الأعلى في عمر 34 و52 كانت لديهم شرايين أكثر مرونة في عمر 63 عاماً (انسبيلاش)
الأفراد ذوو اللياقة البدنية الأعلى في عمر 34 و52 كانت لديهم شرايين أكثر مرونة في عمر 63 عاماً (انسبيلاش)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من معهد كارولينسكا في السويد أن اللياقة البدنية الجيدة في بداية العمر مرتبطة بصحة الأوعية الدموية في مراحل لاحقة من العمر، بغض النظر عن عوامل الخطر التقليدية.

وأفادت الدراسة المنشورة في دورية «ساينتيفيك ريبورتس»، بأن الأشخاص الذين يتمتعون بلياقة بدنية جيدة في الثلاثينيات والخمسينيات من العمر يتمتعون بشرايين أكثر مرونة في مراحل لاحقة من حياتهم. ويبقى هذا الارتباط قائماً بغض النظر عن مستويات الكوليسترول وعوامل الخطر الأخرى.

وتُظهر النتائج أن الأفراد ذوي اللياقة البدنية الأعلى في عمر 34 و52 كانت لديهم شرايين أكثر مرونة في عمر 63 عاماً. وظلت هذه العلاقة قائمة حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل مثل ضغط الدم، ووزن الجسم، والتدخين، ومستويات الكوليسترول.

وأُجريت الدراسة بالتعاون مع قسم علم وظائف الأعضاء السريرية وقسم الكيمياء السريرية في قسم طب المختبرات، بالإضافة إلى مستشفى كارولينسكا الجامعي في هودينج.

وتقول أندريا تريفونوس، باحثة ما بعد الدكتوراه في قسم طب المختبرات بمعهد كارولينسكا: «تُظهر نتائجنا أن اللياقة البدنية الجيدة في بداية العمر مرتبطة بصحة الأوعية الدموية في مراحل لاحقة من العمر، بغض النظر عن عوامل الخطر التقليدية». وبحسب الباحثين، تشير النتائج إلى أن النشاط البدني المنتظم قد يكون له آثار طويلة الأمد على صحة القلب والأوعية الدموية، لا يمكن رصدها من خلال مستويات الدهون في الدم وغيرها من مؤشرات الخطر الشائعة وحدها.

وتقول تريفونوس: «يُبرز هذا أهمية الحفاظ على لياقة بدنية جيدة منذ بداية مرحلة البلوغ للحد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية». وتُعد أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الرئيسي للوفاة في جميع أنحاء العالم. ومن العلامات المبكرة لزيادة خطر الإصابة بها تصلب الشرايين، الذي قد يُسهم في الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية. في هذه الدراسة، درس الباحثون فيما إذا كانت اللياقة البدنية في مراحل مبكرة من العمر تُنبئ بمدى مرونة الأوعية الدموية في سن الشيخوخة.

وتستند الدراسة إلى بيانات من الدراسة السويدية الطولية SPAF-1958، بقيادة ماريا ويسترستال، المحاضرة الأولى في قسم طب المختبرات، حيث تمت متابعة 425 فرداً طوال فترة البلوغ. خضع المشاركون للفحص في الأعمار 34 و52 و63.

وقام الباحثون بتقييم اللياقة البدنية باستخدام اختبار جهاز قياس الجهد البدني، وحللوا عينات الدم لدراسة الدهون، وقاسوا صلابة الشرايين في عمر 63 باستخدام طريقة غير جراحية.

ويخطط الباحثون حالياً لمتابعة المشاركين عند بلوغهم سن 68 عاماً، لدراسة كيفية تأثير التغيرات في اللياقة البدنية مع مرور الوقت على صحة الأوعية الدموية في مراحل لاحقة من العمر.


ماذا يحدث لدماغك عند تناول القهوة مساءً؟

نتناول القهوة دائماً من أجل الشعور باليقظة وتقليل الشعور بالتعب (بكساباي)
نتناول القهوة دائماً من أجل الشعور باليقظة وتقليل الشعور بالتعب (بكساباي)
TT

ماذا يحدث لدماغك عند تناول القهوة مساءً؟

نتناول القهوة دائماً من أجل الشعور باليقظة وتقليل الشعور بالتعب (بكساباي)
نتناول القهوة دائماً من أجل الشعور باليقظة وتقليل الشعور بالتعب (بكساباي)

كشفت دراسة جديدة أن تأثيرات تناول القهوة مساءً لا تظهر دائماً في شكل قلة عدد ساعات النوم أو حتى صعوبة الخلود إليه، وإنما تتعلق، في أغلب الأحيان، بجودة النوم والراحة الليلية. وهو الموضوع الذي أثار جدلاً واسعاً لسنوات: ما آثار تناول القهوة مساءً على الدماغ، وبالتالي على جودة النوم؟ فبعض الناس ينامون بسهولة، بينما يتقلب آخرون في الفراش حتى منتصف الليل.

وتشير نتائج مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أنه يجري تبسيط مسألة ما إذا كانت القهوة تُصعّب النوم للغاية. فالأهم، وفق نتائج هذه الدراسات، هو ما يحدث في الدماغ أثناء النوم.

لهذه الأسباب، اتجه العلماء الذين يدرسون تأثير الكافيين على النوم بشكل متزايد إلى تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، وهي طريقة عملية تُستخدم لتسجيل نشاط الدماغ. وبفضل هذه التقنية، أصبح من الممكن مراقبة ليس فقط مدة النوم أو لحظات الاستيقاظ، بل أيضاً جودة عملية النوم البيولوجية نفسها.

تقول البروفسورة دوناتا كورباس، من جامعة فروتسواف الطبية، في بيان الأربعاء: «يُمكّن تخطيط كهربية الدماغ العلماء من معرفة كيف ينام دماغ شخص ما»، موضحة أن التقييم التقليدي للنوم يقيس مدة النوم ومراحله فقط، بينما يكشف التحليل الكمي لتخطيط كهربية الدماغ عن تغييرات أدق، مثل انخفاض نشاط الموجات البطيئة، وهو مؤشر مهم على عمق النوم وخصائصه المُجددة للنشاط.

وتُعدّ الموجات البطيئة أحد المكونات الرئيسية للنوم العميق، وهو المرحلة المسؤولة عن تجديد الجسم، واستعادة موارد الطاقة، ووظائف الدماغ السليمة.

تأثيرات الكافيين

وتُظهر الأبحاث المنشورة في دورية Nutrients أن تأثيرات الكافيين لا تظهر دائماً على شكل تقصير مدة النوم أو صعوبة الخلود إليه فقط، وإنما بمستوى جودته. ووفق النتائج فإن هذا يعني أن الجسم قد يقضي ثماني ساعات في السرير، ومع ذلك لا يتجدد نشاط الدماغ بالشكل الكامل.

تقول كورباس: «لا يتطابق الشعور الذاتي بالنوم الجيد دائماً مع ما يلاحظه الباحثون من خلال التسجيلات العصبية الفيزيولوجية. فقد ينام الشخص دون صعوبات كبيرة، بينما قد يُظهر الدماغ دلائل أقل على الوصول إلى مرحلة النوم العميق».

ووفق الدراسة تلعب العوامل الوراثية، ومعدل الأيض، والعمر، ومستويات التوتر، والإرهاق المزمن دوراً مؤثراً في التباين الكبير بين الأفراد في مدى استجابتهم للكافيين.

وتُعد هذه المعلومات بالغة الأهمية للأشخاص الذين يعملون في وظائف فكرية، والرياضيين، وكل من يستخدم الكافيين بانتظام لتحسين الأداء والتركيز.

ويحسّن الكافيين اليقظة ويقلل الشعور بالتعب، لكن الخبراء يشيرون إلى أن تأثيراته قد تُشبه أحياناً الحصول على الطاقة في أوقات معينة على حساب عملية تجديد الطاقة ليلاً.

تقول كورباس: «إذا ساعد الكافيين الشخص على أداء مهامه خلال النهار، بينما يُؤدي في الوقت نفسه إلى تدهور جودة التعافي ليلاً، فقد تنشأ حلقة مفرغة: إرهاق أكبر، وحاجة أكبر للمنبهات، ونوم أقل جودة».

لهذا السبب، تتجه أبحاث النوم الحديثة بشكل متزايد نحو التركيز على كيفية عمل الدماغ أثناء الراحة الليلية، بدلاً من الاكتفاء بالأسئلة البسيطة حول مدة النوم.

وأوضحت: «الكافيين ليس جيداً ولا سيئاً في حد ذاته. ولكنه مادة منشطة للجسم، وتعتمد آثاره على وقت تناوله، والعمر، وجودة النوم، ومستوى التوتر».


ماذا يحدث لسكر الدم عند شرب شاي الأعشاب قبل النوم؟

بعض الأعشاب قد يكون لها تأثير خفيف في خفض السكر (أرشيفية - رويترز)
بعض الأعشاب قد يكون لها تأثير خفيف في خفض السكر (أرشيفية - رويترز)
TT

ماذا يحدث لسكر الدم عند شرب شاي الأعشاب قبل النوم؟

بعض الأعشاب قد يكون لها تأثير خفيف في خفض السكر (أرشيفية - رويترز)
بعض الأعشاب قد يكون لها تأثير خفيف في خفض السكر (أرشيفية - رويترز)

قد يكون لشاي الأعشاب تأثيرات متفاوتة على مستويات السكر في الدم، ويعتمد ذلك على المكونات المستخدمة. فمعظم أنواع شاي الأعشاب تحتوي على كميات قليلة جداً أو معدومة من الكربوهيدرات، بالتالي لا يُرجح أن ترفع مستويات السكر في الدم بمفردها. إلا أن بعض الأعشاب قد يكون لها تأثير خفيف في خفض السكر، فيما تلعب الإضافات التي توضع في الشاي دوراً أكبر في التأثير على مستويات الغلوكوز. فما أنواع شاي الأعشاب التي قد تؤثر في سكر الدم؟

البابونغ

يُعرف شاي البابونغ بخصائصه المهدئة والمساعدة على الاسترخاء، ويُستخدم غالباً للتخفيف من القلق وتحسين النوم وبعض مشكلات المعدة، لذلك يفضّل كثيرون تناوله قبل النوم.

وتشير بعض الدراسات إلى أن البابونغ قد يساعد في خفض مستويات السكر في الدم والهيموغلوبين السكري (HbA1c)، وهو مؤشر لمتوسط مستويات السكر خلال ثلاثة أشهر، كما أن زيادة استهلاكه قد ترتبط بانخفاض أكبر في هذه المؤشرات.

كما أظهرت أبحاث أن شرب شاي البابونغ قد يساهم في تحسين مقاومة الإنسولين لدى المصابين بالسكري من النوع الثاني.

الكركديه

الكركديه نبات دُرس لمعرفة فوائده المحتملة المتعلقة بمستويات السكر في الدم وضغط الدم والكوليسترول، إلا أن الأدلة العلمية على تأثيره في خفض السكر لا تزال محدودة.

المليسة (بلسم الليمون)

تُعرف المليسة بأنها عشبة مهدئة تساعد على الاسترخاء، ويستخدمها البعض للتخفيف من القلق وتحسين النوم.

وأظهرت دراسة صغيرة أنها قد تساعد في تحسين التحكم بمستويات السكر والكوليسترول وتقليل الالتهابات، كما أشارت دراسة أقدم أجريت على الحيوانات إلى احتمال امتلاكها تأثيراً خافضاً للسكر، إلا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الأبحاث.

القرفة والزنجبيل والكركم

تدخل هذه المكونات أيضاً في كثير من أنواع شاي الأعشاب. وقد وجدت بعض الدراسات أنها قد تساعد في تحسين التحكم بسكر الدم، لكن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتأكيد هذه النتائج.

المحلّيات أهم من الشاي نفسه

يمكن بسهولة أن يتحول كوب شاي الأعشاب إلى مشروب غني بالسكر إذا أضيفت إليه المحليات مثل السكر أو الشرابات المنكهة أو العسل أو شراب الأغاف. فهذه الإضافات تحتوي على كربوهيدرات وقد تؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم.

ولذلك، إذا كان ضبط سكر الدم يمثل أولوية، فقد يكون من الأفضل الحد من استخدام المحليات أو تجنبها، والاعتماد بدلاً من ذلك على نكهات طبيعية غير محلاة مثل الليمون أو القرفة أو النعناع الطازج.