بحساب الأرقام قالت الأوراق الرسمية وعلى مدي تجاوز أربعين عاما إنه الأول، أما على مستوى الإبداع فإنه واحد من أروع من رشقت أنغامهم في قلوبنا، منذ نهاية الخمسينات في القرن الماضي وحتى الآن وكأنها نسيم الروح.
أتحدث عن الموسيقار بليغ حمدي الذي حلت ذكرى رحيله الثانية والعشرون قبل يومين، بينما لا تزال أنغامه تؤكد أنه حي يرزق.
يقولون «عدوك ابن كارك» ربما لديكم أكثر من واقعة تدلل على ذلك، ولكن ما رأيكم أنه من خلال خبرتي في الحياة الفنية والثقافية أستطيع أن ألمح وجها آخر وهى أن أصدق من يعرف قدر الفنان هو أيضا «ابن كاره»، وإليكم الموسيقار كمال الطويل عندما طلبت شهادته قال لي «إننا كموسيقيين كنا كثيرا ما نتوقف مشدوهين أمام ما يبدعه، نسأل كيف فكر في هذه الجملة اللحنية كيف جاءه هذا الخاطر المجنون، بليغ لديه دائما ومضاته الخاصة جدا التي تثير دهشتنا»، الشاعر مأمون الشناوي قال لي «كل من لحن لأم كلثوم بعد العمالقة القصبجي وزكريا والسنباطي لم يفعلوا أكثر من أنهم أعادوا فقط ترتيب قصر أم كلثوم، أما بليغ فلقد قام ببناء قصر جديد لصوتها».
بليغ لم يكن مجرد مبدع استثنائي، ولكن في شخصيته سرا وسحرا خاصا، ولهذا صارت حياته ملهمة لأكثر من عمل سينمائي وقُدم عنه حتى الآن ثلاثة أفلام تسجيلية ويتم إعداد مسلسل «مداح القمر»، كما سبق وأن استوحى المخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد حياة بليغ بعد رحيله بعام واحد في فيلم «نسيم الروح»، لم يكن يتناول سيرة حياته، ولكن قدم البطل الذي أدى دوره بسام كوسا عاشقا لبليغ وأمنيته أن يزور القاهرة ليراه فسار في جنازته، كل أعماق بليغ الوجدانية كثفها دراميا «نسيم الروح».
لقاؤه المبكر مع أم كلثوم اختصر سنوات في مشواره، قفزت باسمه خطوات للمقدمة، قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره كانت أم كلثوم تُغني من ألحانه «حُب إيه اللي أنت جاي تقول عليه»، وكما ترى فإن أم كلثوم التي كانت تغني بكلمات رامي «عزة جمالك فين من غير ذليل يهواك»، هي نفسها تتمرد على كل هذا الخضوع وتغني بكلمات عبد الوهاب محمد وبكل تحد «أنت عارف قبله معنى الحب إيه لما تتكلم عليه»، ومن بعدها لا يخلو كل موسم غنائي لـ«ثومة» من لحن لبليغ، تجاوز الرقم عشر أغنيات، ولكن حدث بينهما جفوة. كان بليغ بوهيميًا لا يرتبط بموعد واحد، أغضب مرة أم كلثوم عندما لم يأت أثناء بروفة أغنية «بعيد عنك»، وقررت أمام فرقتها الموسيقية، أنها لن تتعاون معه مجددا، ورغم ذلك سرعان ما سامحته، وكانت تدعوه لفيلتها وهي تداعبه «تعال يا واد وهات العود معاك»، وكان مكتبه على بعد خطوات من فيلتها، سجلت له بعدها «إنا فدائيون» و«الحب كله» و«حكم علينا الهوى»، والأغنية الأخيرة لم تستطع أم كلثوم بسبب سوء حالتها الصحية غناءها في حفل.
الواقعة التي هزمت بليغ هي انتحار المغربية الحسناء سميرة مليان وهي عارية من شرفة منزله بالدور الثالث، أسهبت الصحافة في تناول تلك القضية بل تحولت إلى فيلم سينمائي «موت سميرة»، وأدين وقتها بالسجن لمدة عام، واضطر للهروب خارج مصر عام 1986، ثم برأته محكمة النقض في مطلع التسعينات، واستقبله في المطار كل رموز ونجوم مصر، عاد جسدا فقط بعد أن انكسرت روحه.
ولا تزال ألحان بليغ هي النسيم الذي تنتظره أرواحنا في عز هجير الموسيقى الزاعقة التي تنهال علينا أينما ولينا أسماعنا.
12:4 دقيقه
TT
بليغ.. نسيم الروح وانكسارها
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
