د. محمد النغيمش
كاتب كويتي متخصص في علوم الإدارة. حاصل على الدكتوراة في القيادة من كلية ساوثهامبتون للأعمال في المملكة المتحدة وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ماستريخت الهولندية. ألف عدداً من الكتب منها "عقلية الإسفنجة".
TT

أزمة مواليد أم جاهزية؟

استمع إلى المقالة

أنجب الشعب النيجيري في عام واحد نحو 7.5 مليون طفل، في حين لم يتجاوز عدد مواليد أوروبا بما فيها روسيا 6.3 مليون، في عام 2023، حسب بيانات «أور ورلد داتا» فقط. يعني عدد مواليد بلد أفريقي واحد يتجاوز عدد كل مواليد أوروبا! وإذا استمرت نيجيريا في كونها أكثر بلدان العالم «خصوبة»، فإنها بحلول منتصف القرن المقبل قد تصبح ثالث أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، بعد الصين والهند!

هذه الطفرة السكانية الهائلة تقلق بلداناً عدَّة، حتى إن إحداها وضعت شاشة رقمية عملاقة في طريق عام «لتذكير السكان» بلحظة إنجاب مولود جديد في كل ثانية، وكأنها تقول: أرجوكم «خففوا قليلاً»!

البلدان التي ترحب بالزيادة السكانية أو لا تكترث لها لديها فرصة لتعظيم الناتج المحلي، وتوسيع نطاق صناعاتها واستثماراتها وتقوية اقتصادها.

القارة العجوز (أوروبا) تشيخ بالفعل؛ حيث تواجه «أزمة ديموغرافية» صامتة، كما ذكر تقرير لـ«العربية»؛ إذ يبلغ معدل الإحلال السكاني نحو 1.38 طفل لكل امرأة، وهو أقل من المعدل الذي يجب أن تنجبه المرأة الواحدة في المتوسط، حتى يظل عدد السكان ثابتاً من جيل إلى آخر، من دون زيادة أو نقصان (أي 2.1). بعبارة أخرى: إذا كان معدل الإنجاب أقل من 2.1 فإن المجتمع يتجه نحو الشيخوخة، أي ينكمش، وإذا زاد عن المعدل فإنه ينمو سكانياً. ومع ذلك تنجب المرأة النيجيرية ما معدله 4.5، وهو نمو سريع.

هناك معسكران عندما يتعلق الأمر بالزيادة السكانية: الأول يرى أن ذلك مؤشر خطير؛ لأنه يهدد سوق العمل، وأنظمة التقاعد، والرعاية الصحية، والخدمات العامة، والمساكن، والبنية التحتية. في حين يرى معسكر آخر أن زيادة السكان فرصة لتعزيز الاقتصاد، وزيادة حجم السوق، والقوى العاملة، والطلب الاستهلاكي، وغيرها. ولذلك ينادي الاقتصاديون عادة بأن يصاحب النمو السكاني السريع نمو اقتصادي موازٍ يكون مستعداً للمرحلة المقبلة. هناك شعوب تنمو بطبيعتها لاعتبارات اجتماعية ودينية.

ليست المعضلة في عدد المواليد، بقدر ما هي في جاهزية الدول لاستيعابهم. فالسكان قد يكونون عبئاً حين تُهمَل جودة التعليم، وفرصة حين يُستثمَر في الإنسان مبكراً، وتُربط السياسات السكانية بالتخطيط الاقتصادي وسوق العمل، لا بالشعارات.

تبدو الصين مثالاً لافتاً في هذا السياق، فرغم أن الهند تجاوزتها كأكثر الدول سكاناً، فإن بكين نجحت في تحويل كتلتها البشرية إلى قوة تكنولوجية وإنتاجية مذهلة. والتفوق لم يكن في العدد؛ بل في الاستثمار المبكر في التعليم والتصنيع والتقنية.

بعض الدول -بنهاية قراءتك لهذا المقال- يكون قد وُلد فيها آلاف الأطفال، وهو أمر مقلق للبلدان غير المستعدة، ولكنه أمر سار لكل من يسعى بخطى حثيثة إلى الاستعداد لمرحلة جديدة من الازدهار.