غلين غيرستيل
TT

أميركا... أسباب تسريب الوثائق والأسرار!

لا يتم حماية أسرار أميركا بدرجة كافية؛ حيث تذكرنا عملية النشر، التي حدثت مؤخراً لوثائق حكومية سرية كما يبدو، في غرف الدردشة على الإنترنت، من جانب جاك تيكسيرا، وهو من الحرس الوطني الجوي، بحسب ما تم زعمه، بأن التقارير الاستخباراتية تواجه معضلة، فإما أن نصبح أكثر صرامة وشدة لمنع عمليات تسريب المعلومات، أو نتشارك المعلومات على نطاق واسع داخل الحكومة لمنع إلحاق أي ضرر بأمتنا وقواتنا.
هناك مخرج من هذا المأزق، لكن تترتب عليه تغييرات جوهرية ومكلّفة. سوف تتطلب الخطوة الأولى في هذا الاتجاه الاعتراف بأن الطريقة السليمة في منع التسريبات نستخدم. لا يمثل ذلك فشلاً من جانب أي مسؤول داخل الإدارة، فعندما يخصص الكونغرس أموالاً لأجهزة استخبارات، فمن المرجح أن تنفقها على طرق تجسس جديدة قد تثمر معلومات استخباراتية أكثر وأهم، لا على إجراءات وقائية تحدّ من خطر انكشاف أو انفضاح العمليات.
حتى في هذه الحالة، تنفق المليارات على الوقاية، لكنها موجّهة بدرجة كبيرة نحو منع التدخلات المدمرة المحتملة من جانب دولة أخرى، مثل الصين أو روسيا، وأقل توجهاً نحو الأطراف الداخلية. إن هذا هو الاختيار الصحيح. تصور العواقب إذا كان اختراق «سولار ويندز» عام 2019 لهيئات مدنية فيدرالية قد حدث للشبكات السرية الخاصة بالبنتاغون (وزارة الدفاع). في الوقت الذي حدثت فيه عمليات انكشاف محرجة لأجزاء من شبكة الجيش، يبدو أننا كنا ناجحين على الأقل في إبعاد أعداء أجانب عن أنظمة دفاع واستخبارات سرية للغاية.
مع ذلك لا تزال هناك مشكلة، وهي أن أخطر عمليات كشف للوثائق خلال العقد الماضي كانت بسبب موظفين لديهم تصريح ولوج مثل تشيلسي مانينغ، وإدوارد سنودن، وريالتي وينر، وكما يبدو جاك تيكسيرا. إن هذا نمط مزعج من التسريبات التي قام بها نحو 20 متعاقداً، أو فرداً في الجيش، وموظفون تم تعيينهم حديثاً في الاستخبارات المركزية الأميركية، أو وكالة الأمن القومي. ربما يكون الضعف أكبر في الجيش، الذي يكون فيه التجنيد أقل انتقائية عنه في أجهزة الاستخبارات، وربما تكون المشكلات أكثر انتشاراً بين أعضاء الجيل «زد» (مواليد الفترة من منتصف التسعينات حتى منتصف العقد الأول من الألفية الثانية)، والجيل الذي وُلد خلال فترة الثمانينات والتسعينات، خاصة أولئك المهووسين بألعاب الإنترنت؛ حيث قد يكونون أكثر سخطاً، وأقل ميلاً لالتزام القواعد، وأكثر اهتماماً بإحداث تأثير على مواقع التواصل الاجتماعي.
عندما تحدث عمليات تسريب للمعلومات من الداخل، يكون الرد المعتاد والمفهوم من جانب المسؤولين الاستخباراتيين والعسكريين هو الحد من ولوج النظام بطريقة ما، لكن ما أن يتم تنفيذ إجراءات أكثر صرامة، تبدأ حتماً في التآكل والتراجع، لأن الطبيعة المتغيرة للتهديدات والتكنولوجيا تتطلب معلومات استخباراتية جديدة وقدراً أكبر من المشاركة. كانت هناك استجابة أخرى من لجنة «موينيهان» عام 1997 لطريقة الفحص الحالية من جانب آفريل هاينز، مديرة جهاز الاستخبارات الوطنية. هي التعامل مع مشكلة المبالغة في تصنيف الوثائق على أنها سرية استناداً إلى نظرية مفادها أنه كلما ازداد عدد الوثائق السرية، ازدادت صعوبة إدارتها والتعامل معها. هناك قدر من الحقيقة في هذا الأمر، لكن المبالغة في السرية ليست هي التي تؤدي في حد ذاتها إلى حدوث عمليات تسريب المعلومات السرية. عوضاً عن ذلك، علينا التركيز على نشر المعلومات والحماية لمكافحة عمليات التسريب.
سوف يجد الأفراد، الذين يتمتعون بعزيمة قوية، حتماً طريقة للتحايل على أي إجراءات دفاعية وقائية، لكن بدلاً من تبني حلول يتم تنفيذها لمرة واحدة، أو حلول تقليدية قديمة تستهدف منع حدوث تسريب آخر، نحن بحاجة إلى اتباع نهج شامل متكامل لنشر وحماية المعلومات المتعلقة بالأمن القومي. لحسن الحظ، لدى كل من الحكومة والقطاع الخاص حلول ممكنة متاحة.
يمكن للحكومة أن ترسخ الشعور بتبني رسالة وبتأدية الخدمة العامة، وتستطيع أن تدقق بطريقة قانونية ملائمة في سلوك الموظفين وتراقبه، حتى في ظل تطبيق أفضل السياسات والإجراءات للنظام الخاص بالتعامل مع الوثائق السرية، والاعتماد بالأساس على ثقافة الثقة والإذعان. يعلم أكثر الأفراد الحاصلين على تصريحات بالاطلاع على معلومات تتمتع بدرجة عالية من السرية أن حياة زملائهم في الجيش وأجهزة الاستخبارات والدوائر الدبلوماسية قد تكون معرّضة للخطر بسبب عمليات الإفصاح غير المصرح بها.
مع ذلك هناك بحاجة إلى جهود معززة لاستعادة الشعور بتبني رسالة عامة، وغرس تقدير حقيقة أن الأمن القومي على المحك. ربما يكون ذلك أساسياً بدرجة أكبر في حالة المجندين في الجيش وأجهزة الاستخبارات ممن ينتمون إلى الجيل «زد». الطريقة الأساسية، التي ندرب بها الموظفين الحاصلين على تصريحات ولوج حالياً، هي إشراكهم في دورة تدريبية على الإنترنت خاصة بالتعامل مع الوثائق السرية، ولن تنتج هذه الطريقة الآلية قوى عاملة تقدّر فعلياً الحاجة للأمن، خاصة بين الجيل الأصغر سناً. لن ينجح إلزام جميع المتقدمين للحصول على تصريح الاطلاع على معلومات سرية للغاية بالخضوع لاختبار نفسي، واختبار كشف الكذب، الذي يخضع له موظفون في أجهزة معينة فقط حالياً، في استبعاد المرشحين المشكوك فيهم فحسب، بل سوف ينشئ ترابطاً بين موظفين يشعرون أنهم جزء من مجموعة مختارة منتقاة. ينبغي أن يتم تنفيذ هذا النوع من التدقيق والفحص الأمني بشكل مستمر، لا عند وقت التعيين فقط؛ حيث قد تكون هذه مشكلة أكثر حدّة وخطورة على سبيل المثال بين مجندي الجيش مرهفي الحسّ البالغين من العمر 18 عاماً ممن قد تتغير آراؤهم بعد مرور بضع سنوات.
بطبيعة الحال، وجود قوى عاملة موثوق فيها ليس كافياً في حد ذاته؛ حيث ستكون هناك دائماً إغراءات، وسوف تنحرف نسبة محددة منهم. يجب أن تسدّ التكنولوجيا الثغرة، وفيما يتعلق بهذه النقطة، على الحكومة التعلم من ابتكار القطاع الخاص. من شركات الأدوية حتى المتعاقدين مع وزارة الدفاع، الذين يعملون على أحدث أشكال الثورة الرقمية. وتستخدم الشركات الخاصة التكنولوجيا في محاولة لمنع سرقة الأسرار الصناعية بحيث لا تخرج العيّنات والنماذج والمخططات الأولية من مكان العمل. يمكن للحكومة أن تحذو حذو القطاع الخاص وتقتدي به، وتختار الحلول الأكثر فاعلية، مثل وضع بطاقات ورقية رقيقة تتضمن تقنية تحديد الهوية بموجات الراديو على الوثائق والملفات (التي تحفّز رنين جرس إنذار عند الخروج من المكان، مثل النظام المستخدم في متاجر البيع بالتجزئة لحماية السلع من السرقة)، أو زيادة استخدام الذكاء الصناعي في رصد أي سلوك منحرف، مثل طباعة شخص لوثيقة غير معتاد طبعها. إذا كان من المتاح تثبيت كاميرا مراقبة بالقرب من كل ماكينة صرف آلي، لما لا يتم تثبيتها بالقرب من كل طابعة تتمتع بدرجة من السرية؟ قد تكون الحكومة بطيئة في تبني الطرق القوية، التي يستخدمها القطاع الخاص، لأنها مكلّفة كثيراً، ويتطلب تنفيذها وقتاً طويلاً، وكذلك لأن الكونغرس يطلب حلولاً سريعة.
ربما تكون هناك طرق أخرى وابتكارات يستخدمها القطاع الخاص، ويمكن للحكومة استثمارها واستخدامها، لكننا بحاجة إلى تبينها بطريقة متكاملة. على الكونغرس أو إدارة بايدن تعيين فرقة عمل صغيرة مكونة من مسؤولين حكوميين، إلى جانب الأفضل والأكثر ذكاءً من القطاع الخاص، لإصلاح أنظمتنا الخاصة بنشر المعلومات وحمايتها.
إن تنفيذ ذلك سوف يكون باهظاً، لكن البديل هو مواصلة اتخاذ خطوات منفصلة بشكل محدود، لكن قد يؤدي ذلك يوماً ما إلى خسائر استخباراتية أو عسكرية أعلى تكلفة.

* المستشار العام لوكالة الأمن القومي الأميركية من عام 2015 إلى عام 2020
* خدمة «نيويورك تايمز»