ريد بلاكمان
TT

تطبيق «سيغنال» وخطر الخصوصية

دعا المؤسس المشارك لمنصة التواصل «تويتر» جاك دورسي بحماس في مدونة نُشرت إلى الرأي القائل إنه لا يجب أن تمارس «تويتر»، ولا الحكومة، ولا أي شركة أخرى، السيطرة على ما ينشره المشاركون. وقال: «من الأهمية بمكان أن تكون لدى الناس أدوات لمقاومة ذلك، وهذه الأدوات ملك للناس في نهاية المطاف».
يقوم دورسي بالترويج لأحد أكثر المفاهيم فاعلية وعصرية في وادي السيليكون بالقول إن التكنولوجيا البعيدة عن سيطرة الشركات والحكومة تصبّ في صالح المجتمع. وتحقيقاً لهذه الغاية، أعلن أنه سيقدم مليون دولار سنوياً لتطبيق الرسائل النصية «سيغنال».
الرسائل على هاتفك شأن خاص، لذلك فإن تطبيقي «فيسبوك مسنجر» و«واتساب مسنجر» يستخدمان إشارة «التشفير التام بين طرفين»، ما يجعل من المستحيل على الشركة قراءة محتويات رسائل المستخدم. لكن على عكس تلك الشركات، لا يعمل تطبيق «سيغنال» على جمع البيانات الوصفية الخاصة بمستخدميه. ولذلك فإنَّ الشركة لا تعلم هوية المستخدمين الذين يتحدثون بعضهم مع بعض، حتى محتوى الرسائل الجماعية. كما يسمح التطبيق للمستخدمين بتعيين أجهزة ضبط الوقت التي تحذف الرسائل تلقائياً من حسابات المرسل والمستقبل.
تأسست الشركة (شركة ذات مسؤولية محدودة تحكمها منظمة غير ربحية) استناداً إلى إيمانها بأنها بحاجة إلى مناهضة ما تسميه «مراقبة الشركات الحكومية» لأنشطتنا عبر الإنترنت دفاعاً عن قيمة لا يمكن المساومة عليها هي الخصوصية الفردية.
يمكن أن يكون هذا المستوى من الخصوصية مفيداً على عدد من الجبهات. على سبيل المثال، يستخدم الصحافيون «سيغنال» للتواصل مع المصادر السرية. لكن ليس من قبيل المصادفة أن المجرمين استخدموا أيضاً هذه التكنولوجيا التي تتهرَّب من الحكومة الأميركية. فعندما ألقى «مكتب التحقيقات الفيدرالي» القبض على كثير من «حراس القَسَم» بتهمة إثارة الشغب في مبنى الكونغرس في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، كانت الأدلة الأساسية هي الرسائل التي جرى إرسالها عبر «سيغنال» (من غير الواضح كيف تمكن مكتب التحقيقات الفيدرالي من الوصول إلى الرسائل في هذه الحالة. فهناك لعبة قطة وفأر طويلة الأمد بين المشرعين والتكنولوجيا).
العالم الأخلاقي، بحسب «سيغنال»، بسيط؛ يجب احترام خصوصية الأفراد قبل كل شيء مهما حدث. إذا استخدم الإرهابيون أو المعتدون على الأطفال جنسياً أو غيرهم من المجرمين التطبيق، أو أي تطبيق مشابه له، لتنسيق الأنشطة أو مشاركة صور اعتداء جنسي على الأطفال خلف أبواب مغلقة لا يمكن اختراقها، فهذا عار بالفعل. لكن، رغم ذلك، الخصوصية هي كل ما يهم.
على المرء أن يقلق دائماً عندما يضع شخصاً أو منظمة قيمة معينة فوق كل اعتبار. فالنسيج الأخلاقي لعالمنا معقد والحساسية للفروق الدقيقة الأخلاقية أمر صعب، لكن الدعم الثابت لمبدأ واحد يحكم كل الاعتبارات هو أمر خطير أخلاقياً.
الطريقة التي يستخدم بها «سيغنال» كلمة «مراقبة» تعكس الفهم المعقد للأخلاق بالنسبة للشركة، فالمراقبة تغطي كل شيء، من خادم يحمل بيانات مشفرة لا ينظر إليها أحد، إلى وكيل إنفاذ القانون الذي يقرأ البيانات بعد الحصول على أمر قضائي. لا يمكن للمرء أن يفكر ملياً في قيمة الخصوصية، بما في ذلك أهميتها النسبية لقيم أخرى في سياقات معينة، بفكر فضفاض كهذا.
علاوة على ذلك، فإن افتراض الشركة أنه إذا كان لدى أي شخص حق الاطلاع على البيانات، فأن يتمكن كثير من الأشخاص غير المصرح بالوصول إلى تلك البيانات هو افتراض غير صحيح. يعكس هذا الموقف عدم الثقة في الحكم الرشيد، وهو أمر ضروري لأي منظمة أو مجتمع يعمل بشكل جيد ويسعى إلى إبقاء أعضائه والمجتمع كله في مأمن من الجهات الفاعلة السيئة. فهناك بعض الأشخاص الذين يملكون إمكانية الوصول إلى رموز الإطلاق النووي. وبغضّ النظر عن حلقات «Mission Impossible»، فنحن لسنا قلقين من منحدر زلق قد يؤدي إلى وصول كثير من الأشخاص غير المصرح لهم إلى تلك الرموز.
أنا هنا بصدد لفت الانتباه إلى «سيغنال»، لكن ثمة قضية كبرى، أن هناك مجموعات صغيرة من التقنيين تعكف على تطوير ونشر تطبيقات تكنولوجياتها لأسباب آيديولوجية صريحة، مع وضع تلك الآيديولوجيات وسط التقنيات. فاستخدام هذه التقنيات يعني استخدام أداة ذات نزعة أخلاقية أو سياسية.
يعتبر تطبيق «سيغنال» دفعة ضد شركات مثل «ميتا» التي تحول مستخدمي منصات الوسائط الاجتماعية الخاصة بها إلى منتج عن طريق بيع بيانات المستخدم. لكن «سيغنال» في حد ذاتها تضمن مفهوماً متطرفاً للخصوصية، وتوسيع نطاق تقنيتها هو توسيع لنطاق آيديولوجيتها. قد لا يكون مستخدمو «سيغنال» هم المنتَج، لكنهم المدافعون الأذكياء أو غير الأذكياء عن الآراء الأخلاقية لنحو 40 شخصاً يقومون بتشغيل «سيغنال».
ثمة شيء مستتر إلى حد ما في كل هذا (على الرغم من أنني لا أعتقد أن أصحاب «سيغنال» يعتزمون التستر). عادة ما يدرك المدافعون أنهم يدافعون. فهم ينخرطون في مستوى معين من المداولات ويصلون إلى استنتاج مفاده أن هناك مجموعة من المعتقدات تخصهم وحدهم.
لكن مستخدمي تطبيقات مثل «سيغنال» ليسوا في حاجة إلى مثل هذه المعتقدات. فهم قد يقولون لأنفسهم فقط (بالخطأ): «إليك الطريقة التي يستخدمها أصدقائي لإرسال رسائل». فتأثير «سيغنال» لا يمسنا بالضرورة فيما يخص مسألة المعتقد، بقدر ما تهمنا طريقة أدائنا، وكيف نعمل يوماً بعد يوم. فباستخدام هذه التكنولوجيا، نحن نتعامل بدافع الالتزامات الأخلاقية والسياسية للتقنيين.
ربما يكون التقنيون على حق في أن شركات التكنولوجيا الكبيرة والحكومة الكبيرة لا يمكن الوثوق بها، ولا يمكن إصلاحها. ومع ذلك، لن نصل إلى قرار ما إذا كانت هذه الحلول التكنولوجية والأشخاص الذين ينشئونها وينشرونها أفضل حالاً. إذا كانت إحدى الشكاوى من التكنولوجيا الكبيرة والحكومة الكبيرة هي أنها غير مسؤولة بشكل كافٍ عن أفعالها السيئة، ألا يمكننا توجيه نفس النقد للتقنيين؟
إن جمهور المتعاملين مع «سيغنال» ليسوا مسؤولين حكوميين، ولا هم ضمن أكبر 500 شركة، التي تنشر أسماءها مجلة «فورتشيون»، بل هم مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين يحكمون هذه الأدوات القوية، ومسؤوليتهم ليست كمسؤولية حكومة منتخبة ديمقراطياً.
وإلى أن يتقرر ما إذا كان لا يحق لجهات إنفاذ القانون التصنت على هواتفنا من دون إذن قضائي، وما إذا كان هذا الأمر يستحق المناقشة العامة، فقد اتخذت «سيغنال» القرار من جانب واحد نيابة عنا جميعاً.
لذلك، لست مقتنعاً أننا حقاً بصدد الحصول على مزيد من الحرية «للشعب ومن الشعب» من خلال أرباب التكنولوجيا في بلادنا. بدلاً من ذلك، أرى أن تحولاً في السلطة، مدعوماً من التكنولوجيا، تجاه أفراد ومنظمات آيديولوجية معينة قد يعرضنا افتقادها لتقدير الفروق الأخلاقية الدقيقة والحكم الرشيد إلى خطر حقيقي.
* مستشار للحكومة والشركات الأميركية في الأخلاقيات الرقمية
* خدمة «نيويورك تايمز»