في فبراير (شباط) 2026، تصاعدت التوترات وأدّت إلى مواجهات عبر الحدود (خط دورند) وقصف متبادل بين الجارتين باكستان وأفغانستان (غارات باكستانية ومسيّرات أفغانية)، وتسبّبت في مقتل 12 جندياً باكستانياً ومدنيين أفغان، كما وضعت العلاقات بينهما في أعمق وضع متأزم منذ عودة «طالبان» إلى السلطة في عام 2021.
في عام 2022 شرعت باكستان ببناء سياج حدودي لمنع تسلّل المسلحين، وهو ما اعترضت عليه «طالبان»، وأدّى إلى ارتفاع حدة المواجهات بينهما. وتدهورت العلاقات بين البلدين بشكل حادّ مع وقوع اشتباكات حدودية دموية في الأشهر الأخيرة.
تعود المشكلة إلى جذور العلاقة التاريخية بين باكستان وأفغانستان عام 1893 حين فرضت بريطانيا «خط دورند» الذي قسّم البشتون، وهو ما رفضته كابُل. فتحوّلت العلاقات إلى نزاعات حدودية ودعماً متبادلاً للجماعات المسلحة («طالبان» بفرعيها الباكستاني والأفغاني) لا سيما بعد استقلال باكستان عام 1947.
الخلاف الرئيسي والتاريخي بين البلدين هو النزاع حول شرعية «خط دورند» الحدودي الذي يفصل بينهما ويبلغ طوله 2640 كيلومتراً (1640 ميلاً) ويتمثّل باتفاق تمّ توقيعه في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1893 بين السير هنري بورتيمر دورند، ممثّل الحكومة البريطانية في الهند آنذاك، وأمير أفغانستان الحاكم عبد الرحمن خان. هذا الخط الذي يُعدّ شرياناً حيوياً للاقتصادين الباكستاني والأفغاني ومنفذاً برّياً رئيسياً لتبادل تجاري وصل إلى نحو ملياري دولار سنوياً 2024، كما يوفّر معبراً لأفغانستان التي لا تمتلك أي منفذ بحري مباشر أو مياه إقليمية، ويضمن لباكستان بوابة تجارية نحو آسيا الوسطى، مما يجعله مركزاً للتعاون الإقليمي وممراً لمشاريع الطاقة.
لكن أفغانستان تعتبر أن هذا الخط استعماري فرضته بريطانيا قسراً، مقسّماً مناطق البشتون والإثنيات الأخرى بين البلدين، وبنظرها فإن هذه اتفاقية باطلة تمزّق وحدتها الاجتماعية. كما تطالب بضم هذه المناطق أو منحها حق تقرير المصير. لذا يشكّل هذا الخط مصدراً دائماً للنزاع والتوترات الحدودية.
صراع قائم بين باكستان وحكومة «طالبان» في أفغانستان في ظلّ توترات طويلة الأمد بسبب اتهامات باكستان لأفغانستان بإيواء متمرّدي حركة «طالبان باكستان»، وغيرها من الجماعات المسلّحة الانفصالية البلوشية المحظورة لشنّ هجمات داخل باكستان، مما أدّى إلى تدهور العلاقات بين كابُل وإسلام آباد.
في أواخر 2025، أعلنت الحكومة الأفغانية وقف التبادل التجاري مع باكستان، ما أدّى إلى إقفال معبر «دورند» الحدودي وقلب المعادلة؛ إذ جمّد فعلياً سوقاً تصديرية تقترب من ملياري دولار سنوياً، مهدّداً الاقتصاد الباكستاني بخسائر فورية في قطاعات الغذاء والأدوية ومواد البناء، ومؤثراً في الوقت نفسه على إمدادات أساسية للسوق الأفغانية التي تعتمد على باكستان في أكثر من 40 في المائة من وارداتها الحيوية، وخسارة صادراتها من الزراعة والفحم الحجري والمعادن (الليثيوم، والذهب، والنحاس، والأحجار الكريمة، وغيرها). وشكّل القرار تحوّلاً اقتصادياً استراتيجياً قد يعيد رسم خريطة التجارة في جنوب آسيا مع سعي كابل إلى فتح مسارات بديلة.
في مقارنة اقتصادية بين باكستان وأفغانستان، يُعتبر الاقتصاد الباكستاني أكبر وأكثر تنوعاً من الاقتصاد الأفغاني؛ إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي لباكستان نحو 338 مليار دولار عام 2023 و357 إلى حد 410 مليار دولار عام 2025، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، وحقق نمواً اقتصادياً بنسبة تقارب 3.7 في المائة، بينما بلغ الإنتاج المحلي الإجمالي لأفغانستان نحو 184 مليار دولار عام 2025 مع توقعات بنمو اقتصادي طفيف في قطاعات مثل الزراعة والتعدين ونمو متوقّع بـ3.5 في المائة إلى 4.3 في المائة.
الترابط الاقتصادي والتجاري وثيق جداً بين كابل وإسلام آباد التي تُعد الشريك التجاري الأول لأفغانستان؛ إذ تمرّ أكثر من 40 في المائة من واردات كابل عبر باكستان. كما تعتمد أفغانستان على باكستان في المناطق البحرية، ولكن بعد التوترات الحدودية وإغلاق المعابر الحدودية تراجعت الصادرات الباكستانية وأدّت إلى تراجع التبادل التجاري بينهما بنسبة كبيرة عام 2025 وصلت إلى أكثر من 70 في المائة، ما تسبّب في خسارة مئات ملايين الدولارات وتكدّس آلاف الشاحنات على الحدود.
كذلك تضرّرت أفغانستان بشكل أكبر نظراً لاعتمادها على موانئ باكستان. لذلك حوّلت أنظارها للسعي إلى بدائل وأسواق جديدة، معزّزة تجارتها مع إيران ودول آسيا الوسطى والصين والهند وتركيا وغيرها، سعياً لتحقيق رغبتها بالانضمام إلى مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
وهكذا يحول النزاع دون استغلال الإمكانات الاقتصادية بين الجارتين، ويدفع نحو إعادة رسم التوازنات التجارية في المنطقة.
