مع تسبب وباء «كورونا» في تدمير الأرواح وسبل العيش، توقع الخبراء بأسى تراجع التبرعات الخيرية. وتوقع البنك الدولي انخفاضاً مقلقاً بنسبة 20 في المائة في تحويلات المهاجرين العالمية نتيجة للأزمة الاقتصادية.
فقد أدت أزمة الركود عام 2008 إلى انخفاض عدد المتبرعين للأعمال الخيرية فضلاً على انحدار التحويلات التي يرسلها المهاجرون إلى ذويهم. ومع ذلك، فشل التنبؤان على نحو لافت للنظر، مع ارتفاع التبرعات النقدية خلال الأيام الأولى للوباء وإثبات قدرة تدفق تحويلات المهاجرين على الصمود.
لكن لماذا ارتفعت التبرعات النقدية المباشرة وظلت التحويلات المالية مستقرة في وقت يتسم بمثل هذه الهشاشة الاقتصادية وهشاشة فرص العمل؟ التفسير الأفضل هو أن المال اتخذ معاني اجتماعية جديدة خلال الوباء. وفي وقت يتسم بالتباعد الاجتماعي المبرح، أصبح المال موصلاً اجتماعياً ملموساً، فعزز الفجوة المادية بالسماح لنا بالتعبير عن قلقنا على الأقرباء والغرباء. لاحظوا المفارقة: النقد البارد تحول إلى عملة اجتماعية دافئة.
في عام 2020، سجلت التبرعات في الولايات المتحدة من قبل الأفراد، والمؤسسات والشركات رقماً قياسياً بلغ 471.44 مليار دولار، وفقاً لدراسة أجرتها كلية الأعمال الخيرية في جامعة إنديانا. وعلاوة على الهدايا التي قدمت إلى المنظمات التقليدية غير الربحية، كان هناك ارتفاع ملحوظ في التحويلات المالية المباشرة.
كما قدم العديد المال بطريقة غير مباشرة، حيث طلبوا بعض الوجبات السريعة من مطاعم الأحياء، أو شراء بطاقات الهدايا من المتاجر المحلية، أو الاستمرار في دفع أجور العمال مقابل الخدمات التي لم يعودوا قادرين على توفيرها. كما انتشرت حملات التمويل الجماعي لدعم العاملين الصحيين أو مساعدة الأسر على دفع نفقات المعيشة.
قفزت بعض شخصيات تويتر إلى ميدان المعركة، فقدموا عرض دفع الفواتير الأكثر إلحاحاً لمتابعيهم على شبكة الإنترنت. وفي كثير من الأحيان، تنطوي هذه التبرعات للجائحة على مبالغ صغيرة. وعلى نحو مماثل، تضاعفت جماعات المساعدة المتبادلة غير الرسمية التي تم تنشيطها حديثاً.
أدت عمليات التحقق من الحوافز في الولايات المتحدة إلى نشوء اقتصاد عطائي جديد، فقد تبرع ما بين 11 و13 مليون أميركي عام 2020 ببعض أو كل قيمة شيكات التحفيز الخاصة بهم.
في الواقع، تشير الأبحاث إلى أن معظم الناس على طرفي تيارات الهجرة يعلقون أهمية أخلاقية على التحويلات المالية ويلومون على أولئك الذين يفشلون في دفع ما هو متوقع. ولم يترنح الالتزام المالي مع اشتداد الأزمة الاقتصادية في عام 2020.
وكما أوضح إلياس برونو، عامل بناء في باناما سيتي، فلوريدا، الذي يدعم خمسة أقرباء في المكسيك، لمراسل «تايمز»: «نحن نصارع هنا، ولكن الأمر أسوأ في المكسيك. عليك أن تقدم كل تضحية ممكنة لإطعام عائلتك».
كيف ينبغي لنا أن نفهم هذه الألغاز المالية المرتبطة بالوباء؟ ولماذا نجحت أموال الأوبئة في كسر المشكلة السابقة التي أسستها أزمة الركود في جمع التبرعات والتحويلات المالية؟
أبلغني جوناثان مير، أستاذ الاقتصاد في جامعة تكساس، الذي يركز على العطاء الخيري، أن هذه المرة كانت مختلفة لأن «العديد من الأسر وجدت نفسها في موقف مالي أفضل كثيراً أثناء الجائحة بين التحويلات الحكومية وخفض الإنفاق التقديري».
ونتيجة لهذا أصبح العديد من الناس أكثر قدرة على التبرع. وبالتأكيد، أنظمة الدفع الافتراضية مثل «أبل باي»، و«باي بال»، ومواقع مثل «جو فاند مي - مولني من فضلك»، تسمح بتحويلات مالية أرخص وأسرع وأكثر تخصيصاً.
في عالم الوباء الغريب، قام المال مقام الجسر الاجتماعي غير المتوقع. فرغم الفوارق العميقة في الطبقات والأعراق والأجناس التي نجمت عن الوباء، أصبح الجميع معرضين للإصابة البدنية. وأدى هذا إلى خلق صدمة جماعية لم تكن موجودة في الأزمة المالية لعام 2008، وربما أسفر ذلك عن قدر أعظم من التضامن.
وفي حالة مرونة التحويلات المالية، لم تستمر هذه التحويلات النقدية الدولية كمعابر نجاة مالية للأسر في الخارج فحسب، وإنما أيضاً كأشكال نقدية قوية لأقارب غير قابلة للتفاوض وللتضامن العرقي.
لقد نجح المال في وظيفة الموصل الاجتماعي للمرونة العالية التي يتمتع بها. ويمكن لأموال الأوبئة أن تكون بمثابة عمل خيري عادي، أو نوع من المساعدة المتبادلة المسيسة، أو هدية شخصية، أو مجرد إكرامية كبيرة، وذلك اعتماداً على الروابط الاجتماعية بين المتلقي والمتبرع.
* خدمة «نيويورك تايمز»
TT
عندما كنا بعيدين اجتماعياً
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
