أمل عبد العزيز الهزاني
أستاذة في جامعة الملك سعود في السعودية. باحثة في علوم الوراثة الجزيئية. خبيرة في الإدارة الأكاديمية. كاتبة سياسية منذ عام 2009. كاتبة مقال أسبوعي في «الشرق الأوسط».
TT

سينجح الوزير.. سيفشل الوزير

«سينجح الوزير»، عنوان هاشتاق ابتكره مغرد سعودي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» استقطب آراء الناس حول ما يظنون أنها معايير نجاح عمل الوزير. الهاشتاق حصد نسبة مشاهدة ومشاركة عالية، حيث كان بمثابة مايكروفون يتداول بين أيدي المغردين للبوح والنصح والتنفيس.
مثل هذه الفرص التي يتيحها الإعلام الاجتماعي تختصر على الوزارة الكثير من الوقت والجهد في عمل استطلاعات رأي واستبانات تقييم لأنها مباشرة وشفافة، لذلك ندعو كل وزير أن يتفرغ هذا المساء لقراءة الهاشتاق بقلب مفتوح، فأكثر ما تردد فيه هو المطالبة بأن يكون الوزير قريبا من الناس ليبلغ حاجاتهم، لأن عامة الناس غالبا تعلّق وتلوم أو تمتدح الوزراء الذين يقومون على ما يمس احتياجاتهم اليومية، أي الوزارات الخدمية، على رأسها الصحة والتعليم، وكذلك الإسكان والخدمة المدنية والعمل والشؤون الاجتماعية والتجارة. هؤلاء الوزراء تحت مجهر الجمهور، ولأن الجمهور اليوم لا يسكت ولا يتردد في إبداء رأيه، بسبب مساحات التعبير الإلكترونية الواسعة فإن على المسؤول أن يولي اهتماما بمستوى رضاه، وموضوعية نقده. والوزير الحصيف عليه أن يبقي على مجساته حول مساحات التعبير هذه، فالمطلع على آراء وتمنيات ونصائح المغردين حول الهاشتاق يلحظ أنها في مجملها واقعية، قابلة للتطبيق، ويدللون عليها بقصص نجاح سابقة أو قائمة من وزراء حققوا نجاحات نالت رضا القيادة السياسية والناس. صحيح أن بعض المطالبات تكون خيالية أو مستحيلة، إنما من الضرورة إيلاء رأي المواطن، وهو العميل الرئيسي للوزير، الاهتمام والمتابعة.
المؤشرات التي يطرحها المواطنون حول أداء الوزير هي عموميات، بعضها من الناحية العلمية والإدارية صحيح، وبعضها فرضته الأعراف الاجتماعية، ولكن تظل هذه المؤشرات واقعية ومحل نقاش، مثل تكرار عرض الحالات الصحية التي لا تجد سريرا في مستشفى حكومي بسبب عزوف المستشفيات عن قبولها واضطرار المريض أو أحد أقاربه إلى استجداء السلطة العليا للتدخل، أو حالات العنف الجسدي التي يتعرض لها الأطفال في المدارس والتي تعكس عدم أهلية بعض المعلمين الذين يصعب كشفهم إلا بأدوات تقييم ومتابعة مستمرة، أو اضطرار الأسرة السعودية للسفر إلى دول مجاورة لعلاج وتعليم ابنها المعاق أو ذي الاحتياجات الخاصة، أو ضعف مخرجات التعليم العالي التي تلمح إلى أن ما يكتب في مجلدات جودة التعليم الجامعي ويرفع لهيئات التقييم ليس إلا حبرا على ورق، في حين أن الواقع داخل الكليات والأقسام الأكاديمية أمر مختلف، وقلة مجالات عمل المرأة، ومشكلة العمالة المنزلية الهاربة التي تبتز جيب رب الأسرة بلا نظام يحمي الطرفين، وكثير من القضايا التي يستمر عرضها كمشكلات يومية.
في ظني أن الكثير من المشاركين في هذا الهاشتاق كانوا على درجة كبيرة من الموضوعية لأن صوتهم بات مسموعا من القيادة العليا، حيث لاحظوا جدية المحاسبة من المسؤولين في إدارة الدولة لعمل الوزراء، وحزمها في إقالة أي وزير إن أظهر نقصا في كفاءة الأداء أو فشلا في الإدارة، وظهر ذلك جليا في إقالة وزير لم يمض على تكليفه سوى شهرين بسبب سوء تعامله مع أحد المواطنين في تسجيل فيديو ظهر على «تويتر». الدولة أرادت أن تقول للمواطن إن الوزير يعمل لخدمتك، وإن مستوى أدائه، لا العلاقات الشخصية ولا حتى ماضيه الإداري الناجح، هو ما يحدد بقاءه.
الموضوعية ظهرت كذلك في ذكر محاسن بعض الوزراء الجدد والإتيان على إنجازاتهم، كوزير التعليم المجتهد الدكتور عزام الدخيل الذي يعمل في قطاع مليء بالتحديات مع ربع ميزانية الدولة، أو وزير الصحة الجديد، المهندس خالد الفالح، ابن «أرامكو»، الذي يتوقع منه إنعاش القطاع بمعونة خُمس ميزانية الدولة، أو وزير التجارة الدكتور توفيق الربيعة الذي احتفظ بحقيبة التجارة في التغيير الوزاري الأخير ويعتبره كثير من المغردين نموذجا يحتذى به، فهو يملك حسابا في موقع «تويتر» وبالتالي هو قريب منهم، يتابع بلاغات المواطنين وشكواهم حول ارتفاع أسعار بعض السلع ويتجاوب معها، يغرد بما تحققه وزارته من كشف لتلاعب بمواصفات بعض البضائع وغير ذلك مما يوضح جهود الوزير وبالتالي يعزز ارتياح الناس لعمله ورضاهم عنه. والأكيد أن الوزير لا يمكن أن يكون موجودا في كل مكان في الوقت نفسه؛ في «تويتر» والمكتب والميدان وورش العمل، لكنه يستعيض عن وجوده الشخصي بحسن اختيار فريق عمل يملك رؤيته ويقوم مقامه في بعض المهام، ويكون عينه في غيابه، واعتماد التواصل الإلكتروني لتيسير الوصول، وفق آلية عمل تتيح السلاسة وتقلل من البيروقراطية.
لم يعد التوزير محتفظا بجاذبيته، الوزير الذي كان محسودا على كرسي الوزارة أصبح يمر بامتحان أداء يومي، إن لم ينجح سيغادر، وكرسي المسؤولية الذي كنا نقول إنه كرسي هزاز لا يدوم لأحد، أصبح اليوم أكثر اضطرابا وأقل استقرارا، ثقل النجاح وحده هو الذي سيضمن ثباته.
[email protected]