محمد الرميحي
أستاذ الاجتماع السياسي في جامعة الكويت. مؤلف عدد من الكتب حول مجتمعات الخليج والثقافة العربية. رئيس تحرير مجلة «العربي» سابقاً، ومستشار كتب «سلسلة عالم المعرفة». شغل منصب الأمين العام لـ«المجلس الوطني للثقافة» في الكويت، وعضو عدد من اللجان الاستشارية في دولة الكويت. مساهم بنشر مقالات ودراسات في عدد من الصحف والمجلات المختصة والمحكمة.
TT

«طالبان» اليوم التالي...!

من الطبيعي أن تتكاثر التحليلات حول ما حدث في أفغانستان، أريد أن أتوقف أمام نقطتين قبل أن أصل إلى سرد الخلفية ومن ثم السيناريوهات المحتملة، الأولى حالة الاستبشار للقوى «المتشددة» في منطقتنا على أن النموذج يمكن أن يتكرر في أماكن أخرى، وذلك وهم، الأفضل أن يُدرك خلله؛ فالبلاد لها خصوصية في الكثير من العناصر قادت إلى النتيجة، ولا تتوفر تلك العناصر في أماكن أخرى، لا بد أن يتوقف هؤلاء عن شراء الوهم، والأخرى أننا لم نرَ بعد نهاية الحدث، فله صيرورة قد تطول.
أفغانستان بيئة جغرافية واجتماعية صعبة وخطرة تاريخياً ولا تزال، وشهدت صراعاً دامياً على السلطة في التاريخ المعاصر، لقد تم أولاً تغيير النظام الملكي الأفغاني من قبل أشخاص داخل الأسرة الملكية عام 1973 وأطيح محمد ظاهر شاه وتسلم الحكم محمد داود خان، وحاول أن يقوم بإصلاحات أخذته للتعاون مع الأقرب والأقوى الاتحاد السوفياتي وقتها، ولكن السوفيات طمحوا لأن تنضم أفغانستان إلى المنظومة السوفياتية، فأطيح حكم داود خان في انقلاب دموي من قبل الشيوعيين في أبريل (نيسان) 1978، وبعد أقل من عام في ديسمبر (كانون الأول) 1979 دخل الجيش السوفياتي أفغانستان لمعاونة «الحكومة الصديقة» لمواجهة المعارضة المسلحة المتصاعدة، وبقية القصة معروفة، حيث قررت دول وجماعات في العالم مناصرة ما عرف بعد ذلك «بأمراء الحرب» نكاية في الوجود السوفياتي إبان صعود الحرب الباردة، وكان المحاربون جماعات عرقية وقبلية مختلفة ومتناحرة تصارعت بعد الانسحاب السوفياتي حتى اضطرب الأمر، فنشأت وتوسعت حركة «طالبان» على قاعدة ضبط الأمن من خلال ما يعرفه الأفغانيون ويقبلونه (الشريعة)، ونجحت جزئياً في ذلك، قبلت شريحة واسعة من الأفغان حكم «طالبان».
التحق بـ«طالبان» جماعات عربية وغير عربية ليس لإقامة مشروع «إمارة إسلامية»، ولكن إمبراطورية عابرة للأوطان، فأصبحت البلاد بؤرة جاذبة ومفتوحة لكل القوى والعناصر المتشددة في الشرق الأوسط، بما فيهم «القاعدة» مع عدد من القوى الرافضة من أبناء الشرق الأوسط والمعارضين. تُركت أفغانستان من المجتمع الدولي لمصيرها. التنظيمات المتشددة نفذت اعتداءات سبتمبر (أيلول) 2001 والتي فجّرت بعد وقت الحرب ضد «طالبان» وأدت إلى احتلال دولي بقيادة الولايات المتحدة. وبعد عشرين عاماً أكملت قوات التحالف انسحابها. صعوبة التطور السياسي في أفغانستان ظهرت جلية في عدم القدرة على بناء نظام سياسي حديث، فالبلاد قائمة على عشائرية اجتماعية مفرطة، ومن جهة أخرى على أفكار دينية متجذرة في النسيج الاجتماعي يصعب أن تتقبل السير مع العصر وعداء لأي قوة خارجية. لذلك؛ فإن القوى السياسية التي التحقت بالمشروع الأميركي، إن صح التعبير، وجدت نفسها في صراع فيما بينها، صعب حله وتعذر وفاقه، فضعف الإيمان بالدولة حتى من المؤسسات الأمنية التي بنيت في العهدة الأميركية والتي لم تجد العزم حتى بعدتها الحديثة أن تقاوم تقدم «طالبان».
وأمامنا على الأقل أربع سيناريوهات محتملة لليوم التالي:
السيناريو الأول هو أن تستحوذ «طالبان» على معظم الأراضي الأفغانية وتدخل القوى الأخرى، بعد حين، وخاصة العرقيات الثلاث غير البشتون 42 في المائة، وهي الطاجيك 27 في المائة والهزارة 9 في المائة (الأرقام تقديرية) وبقية أقليات صغيرة (وجميعهم أقليات) تشتبك في صراع قد يستدعي تدخلات إقليمية أو دولية من نوع ما، خاصة أن وصول «طالبان» إلى السلطة والتفرد بها ليس نهائياً حتى الآن، وقد يقطع المعونات التنموية التي تقدم من الدول المانحة، ويبقى الصراع طاحناً تستهلك فيه طاقة الشعب الأفغاني لفترة قد تطول ويتوسع ثقب الفقر الذي يتيح التجنيد بالمال لأي قوة ترغب في التدخل لاستمرار واستثمار الصراع.
ثانياً: أن يصبح وصول «طالبان» إلى السلطة «نموذجاً» للقوى المتشددة ينعش آمالهم في تكرار السيناريو.
ثالثاً: أن يَصدق ما قدم من تعهدات من قبل «طالبان» للولايات المتحدة، كما نشر، أي أنها سوف تحكم بطريقة منسجمة مع القوانين الدولية، وتحترم بشكل عام حقوق الإنسان وكرامة المرأة والأقليات، وتتعاون على عدم وجود أي قوى مصنفة إرهابية عالمياً على أراضيها (الجهادية العالمية)، وتمنع زراعة أو تصدير أي أنواع من الزراعات الممنوعة عالمياً، إلا أن المؤشرات حتى الآن ما زالت غامضة.
رابعاً: في مرحلة حكم «طالبان» السابقة، أو قل تفوقها النسبي الكبير بين 1969 و2001، كان هناك عدد محدود من الدول التي اعترفت بها، إلا أن معظم دول العالم امتنعت عن ذلك بسبب سياساتها الاجتماعية، وسوف نرى في المستقبل كيف يستجيب العالم للتطورات الحادثة هناك من الاعتراف أو عدم الاعتراف، وهل يستخدم الاعتراف حافزاً لضبط سلوك الإمارة الجديدة؟
ما نشاهد أن هناك إحساساً عاماً بالترقب، ومن الخطأ النظر إلى التطورات في أفغانستان بخفة أو تجاهل، فالتحوط وتقييم الاحتمالات هي أولوية للأمن في منطقتنا.
آخر الكلام:
تكاثرت التحليلات حول دوافع الولايات المتحدة للخروج من أفغانستان، كل يقرأ من زاويته، إلا أن عنصراً مهماً يتوجب النظر إليه، وهو بشكل عام فعل «آليات الديمقراطية» في المجتمع الغربي، والتي تتغير وقد تكون لها تأثيرات عميقة على أحداث العالم.