ما من شك في أن الكشف عن وادي المومياوات الذهبية بالواحات البحرية هو أهم كشف أثري في القرن العشرين، وقد أطلق عليه الأثريون اسم «توت عنخ آمون العصر اليوناني الروماني». وقد دخل هذا الكشف قلوب كل الناس في العالم، وكتبت الصحف العالمية عنه، وسجلت عدسات التلفزيون كل مراحل صور المومياوات الذهبية. وبعد الكشف، أرسلنا تقريرا مفصلا عن الكشف الأثري للصحافة المصرية، ولكن ما حدث لم أتخيله! حيث لم يحضر صحافي مصري واحد إلى الواحات البحرية!!
عندما ذهبت لأول مرة إلى الواحات البحرية، التي تبعد نحو 370 كيلومترا إلى الجنوب الغربي من القاهرة؛ وجلست ومعي أعضاء البعثة المصرية على مقهى بسيط يقدم القهوة والشاي والشيشة لرواده.. هناك قال لي صاحب المقهى: «أرجو عندما تتحدث في القنوات التلفزيونية أن تذكر الواحات وآثار الواحات؛ لأننا لا تأتينا سياحة ولا أحد يسمع عنا!!». وبعد شهر واحد من هذا الحديث، قمت بالإعلان عن كشف وادي المومياوات الذهبية، وأصبحت الواحات ووادي المومياوات الذهبية على كل لسان، وبدأت الحياة تتغير في الواحات، وبدلا من وجود ثلاثة فنادق، بني رابع وخامس؛ بل وتم تجديد وتوسعة المنشآت السياحية، ورصفت الطرق المؤدية إلى الواحات، والمؤدية إلى المناطق الأثرية.
أما الكشف فقد جاء مصادفة عن طريق حارس معبد الإسكندر الأكبر، الشيخ عبد الموجود، الذي تعثر حماره في حفرة بالقرب من المعبد؛ لنكتشف بعدها أول مقبرة في هذه الجبانة الضخمة، وبها مومياوات رجال ونساء وأطفال، مغطاة بالذهب. وتصادف أن قرأ الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد تحقيقا بالصور عن المومياوات الذهبية بمجلة «باري ماتش» الفرنسية، وتعجب؛ لماذا لم تهتم الصحافة المصرية بالكشف؟! وعندما تحدث معي تليفونيا، قلت له: «خبر الكشف نشر بالصحافة العالمية، وجاء إلى الواحات مراسلون من كل أنحاء العالم، ليس من بينهم مصريون، والحجة كانت بُعد الواحات البحرية!». وهنا أرسل مكرم محمد أحمد الصحافي الراحل أحمد أبو كاشف الذي سجل تحقيقا مطولا عن المومياوات.
قمت بزيارة الواحات هذا الأسبوع لأسجل برنامجا للتلفزيون البولندي لتشجيع السياحة المصرية، وهناك وجدت الأثري محمد عيادي، مدير الواحات البحرية، وهو يقوم بدور رائع للحفاظ على المومياوات، سواء داخل الموقع أو في المتحف الصغير بمدينة الباويطي، وقد سعدت بأن المشروع الذي بدأته قد تم تنفيذه بالكامل، وعرضت المومياوات داخل فتارين تحافظ على درجة الحرارة والرطوبة، بالإضافة إلى أن القاعة مكيفة، ووجدت أن كل المومياوات المعروضة بحالة جيدة جدا، وأتمنى أن يعمل كل أثري في أي موقع بالحب والعشق نفسه الذي لدى محمد عيادي وزملائه. أما ضريبة شهرة الواحات بصفتها مقصدا سياحيا، فكانت كثرة الفنادق السياحية بعد أن كانت تعد على الأصابع؛ وهي الآن تكاد تقاوم الإغلاق بسبب الركود السياحي. كذلك تكاد الآن تختفي المباني الحجرية الجميلة بعد أن حلت محلها مبان خرسانية قبيحة. نتمنى أن نحافظ على الشكل القديم الجميل للواحات لكي تصلح موطنا للمومياوات الذهبية.
8:27 دقيقه
TT
الواحات البحرية.. جنة المومياوات
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
