لا يمكن للسؤال الذي يطرحه عنوان هذا المقال أن يجد إجابة محددة، فالعالم اليوم يتابع بقلق عدة مواقف دولية كبيرة وحاسمة ومنها موقف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من إتمام صفقة صواريخ روسية (إس - 400) تتعارض تماماً مع طبيعة تسليح الجيش التركي بأسلحة أميركية خصوصاً سلاح الجو، بالإضافة لكونها دولة عضواً في حلف الناتو الذي لا يمكن أن يقبل بتسلح دولة عضو فيه بأسلحة من دولة تعد إلى حد كبير معادية للحلف وهي روسيا.
يظهر لنا هذا المربع الذي وضع الرئيس التركي نفسه فيه بين القوتين العظميين وهذه السياسات التي تعد مصيدة وفخاً له ولبلاده إذا لم يحسن هذه المرة استخدام أسلوب مناسب فهو اعتمد على شراء الوقت دائماً ولعب دور شبيه برئيس رومانيا السابق تشاوشيسكو الذي كان يراوغ بين حلفي وارسو والناتو لكنه انتهى به المطاف لأن يُخلع ويُعدم. إذ لا يمكن في السياسة أن تكون استراتيجيتك هي التكتيك واللعب بين الأطراف المتصارعة من القوى العظمى، فتركيا اليوم بسبب هذه السياسة مهددة بعقوبات أميركية واحتمال الطرد من حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ومما لا شك فيه أن الخيارات أمام إردوغان بدأت تتقلص، فالموقف صعب للغاية؛ فإما أن يذهب للمعسكر الروسي أو يعود ليتماشى مع ما تريده أميركا منه.
ذلك بالضبط ما يحصل، وفي هذا الشأن نقلت وكالة أنباء الأناضول الرسمية قول الرئيس إردوغان إصرار بلاده على إتمام صفقة منظومة صواريخ إس - 400 المبرمة مع روسيا، رغم الضغوط الأميركية الممارسة على بلاده للانسحاب من الاتفاق وهو ما يمثل تصعيداً اعتاد العالم عليه من الرئيس التركي لكنه في نهاية المطاف يتراجع عن قراراته ولذلك صدرت بعض الآراء شبه الرسمية من روسيا تتوقع أن يلغي الأتراك صفقة الصواريخ الروسية.
ما يعزز هذه الاستنتاجات رغبة أنقرة في شراء منظومة «إس - 400» الروسية التي باتت مصدر خلاف أساسي بين تركيا والولايات المتحدة (المنضويتين في حلف شمال الأطلسي) ودفعت واشنطن للتهديد بفرض عقوبات لن تكون أميركية فحسب بل من دول حلف الناتو أيضاً، وعلى أثر هذا الخلاف، قالت مسؤولة رفيعة في وزارة الدفاع الأميركية إن إصرار تركيا على شراء منظومة الدفاع الجوي الصاروخي الروسية ستكون له نتائج «كارثية» على برنامج مقاتلات «إف - 35» المشترك بين واشنطن وأنقرة، وكذلك على تعاون تركيا مع حلف شمال الأطلسي.
كما يعلم الجميع، فإن مخطط تركيا لشراء منظومة «إس - 400» سيضر بقدرة تركيا على العمل مع التحالف الغربي ويجبر واشنطن على فرض عقوبات على أنقرة وهذا ما قالته أيضاً مساعدة وزير الدفاع الأميركي لشؤون الأمن الدولي بالوكالة كاثرين ويلبارغر.
وأزمة الصواريخ الروسية تعد أكبر اختبار لمستقبل السياسة التركية الخارجية لنتحول إلى سؤال آخر: أين سيكون اصطفافها القادم؟ فذلك بالضبط ما يدور في فلك البلدين حيث تقف تركيا على مفترق طرق بين إتمام صفقة شراء الصواريخ إس - 400 الروسية، وبين تبعات الاعتراض الأميركي الأطلسي على هذه الصفقة، فلم تعد أساليب المراوغة السياسية وأسلوب الرقص على رؤوس الأفاعي ذات جدوى اليوم بالنسبة إلى تركيا التي اعتادت على أسلوب اللعب على المتناقضات بالسياسة، فهذه المرة إما أن يكون بحلف أميركا أو بحلف روسيا.
وفي كلتا الحالتين سيواجه الرئيس التركي ضغوطاً هو من وضع نفسه فيها وسيترتب عليها تبعات ليست بالسهلة، فهي ستطال أمنه القومي ووجوده الخارجي خصوصاً في شمال سوريا وما سيستجد بالملف الكردي بالإضافة لاحتمال انهيار الثقة فيه من أحد القوتين العظميين في حال اختار أياً منهما.. ولا يبدو أن حل مشكلة تركيا بسياستها الخارجية سيكون من حكومة إردوغان فهي من صنعت لتركيا هذه الأزمة والخروج منها سيكون ثمنه مكلفاً وفاتورته باهظة على المديين المتوسط والبعيد.
8:48 دقيقه
TT
هل يصمد إردوغان أمام أميركا؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
