من المقرر أن تُدشَّنَ حكومةٌ جديدة في بغداد في وقت يتَّسم بتقلبات حادة على الصعيدين الوطني والإقليمي. وسوف تتولى هذه الحكومة مهامها وهي في مفترق طرق حاسم، مواجهة اختباراً مصيرياً: إمَّا أن تسعى إلى القيام بإجراء إصلاحات هيكلية واسعة النطاق - بما في ذلك التعامل الملموس للجماعات المسلحة غير الحكومية المتداخلة في مؤسسات الدولة - أو أن تخاطرَ بالانزلاق إلى مواجهة محتدمة بين الولايات المتحدة والمجاميع المسلحة، الأمر الذي قد يترتب عليه عواقب عنيفة على الدولة نفسها.
لا شك أنَّ التوترات المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران وضعت العراق في موقع حرج. فعلى الرغم من أن العراق ليس طرفاً مباشراً في المواجهة، ولكنه ليس بمُتفرجٍ مُحصّن أيضاً، بل أصبح ساحة صراع تتلاقى فيها التنافسات الإقليمية والدولية. بالإضافة إلى ذلك، فإن اعتماد العراق على الدعم الأمني الأميركي، إلى جانب النفوذ الإيراني العميق سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، يخلق بيئة معقدة هيكلياً، ويمثل أحدَ أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة.
خلال الأسابیع الماضیة، تعرضت القواعد الأميركية في العراق لمئات الهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، نُفذت في الغالب من قبل مجموعات مسلحة موالية لإيران تعمل تحت اسم «المقاومة الإسلامية في العراق». وقد ألحقت هذه العمليات أضراراً بالغة بالبنية التحتية العسكرية والدبلوماسية الحيوية في العراق، وهذه تؤكد تنامي القدرات العملياتية للجهات الفاعلة غير الحكومية داخل العراق. ولم تستثنِ هذه الهجمات إقليم كردستان العراق، بل كان هدفاً رئيسياً لها، حيث تعرّض الإقليم لنحو 500 غارة جوية خلال الفترة نفسها. والمثير أنَّه انطلقت أكثر من 60 في المائة من هذه الغارات من فصائل موالية لإيران ضمن قوات «الحشد الشعبي» العراقي، بينما انطلقت البقية من الأراضي الإيرانية. وألحقت هذه الغارات أضراراً جسيمة بالبنية التحتية للطاقة، ومنشآت البيشمركة، والمناطق المدنية في كردستان العراق، مودياً بخمس وعشرين حالة وفاة على الأقل، من بينهم مدنيون، وعناصر من البيشمركة، وأعضاء في جماعات المعارضة الكردية الإيرانية.
يفتقر إقليم كردستان العراق إلى القدرة على تأمين مجاله الجوي بشكل مستقل أو نشر أنظمة دفاع جوي متطورة. ولا تزال الحماية الجوية (التي توفرها أمیركا ودول أوروبية) الفعّالة، محصورة إلى حد كبير في حدود مدینة أربيل، حيث تقع المنشآت العسكرية والدبلوماسية الأميركية. وخارج هذه المنطقة المحدودة، تبقى البنية التحتية الحيوية في جميع أنحاء الإقليم عرضة بشدة للهجمات المتكررة.
بالنسبة لإيران والفصائل المسلحة المتحالفة معها، يُمثّل إقليم كردستان العراق هدفاً سهلاً وذا أهمية رمزية في المشهد الأمني العراقي المُجزّأ؛ إذ إن هذه الهجمات تخدم أهدافاً متعددة، منها: ردع العمليات العدائية الحدودية المحتملة، وإظهار العزم الاستراتيجي للنظام الإيراني، والضغط على بغداد وأربيل للحد من التدخل الأميركي، وتعزيز دور الفصائل دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
في الوقت نفسه، لم تُدِن الحكومة العراقية والجهات الشيعية الفاعلة الرئيسية ضمن الإطار التنسيقي هذه الهجمات بشكل قاطع، ولم تتخذ أي إجراءات فعّالة لمنعها. وقد يُسهم هذا التقاعس في تأجيج التوترات الداخلية، ومن المرجح أن يُفضي إلى تداعيات سياسية وأمنية أكبر على المدى القريب.
قدرة بغداد المحدودة في التعامل على الجماعات المسلحة تعكس واقعاً بنيوياً أعمق. فبعض هذه الجماعات متغلغلة داخل الدولة نفسها ويمتد نفوذها عبر النظام السياسي العراقي، بما في ذلك السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وتؤثر هذه الديناميات تأثيراً عميقاً على علاقات الدولة بالفصائل المسلحة، وعلى علاقات بغداد وأربيل، وشراكات العراق الدولية. إن وجود جماعات مسلحة تعمل خارج نطاق سيطرة الدولة الفعلية يقوض الثقة في سلطة بغداد ويعقد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدستورية أو تنفيذ الاتفاقيات. والنتيجة هي دوامة من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية المتكررة.
وتأثرت منطقة كردستان تأثراً جسيماً بهذه الأحداث، حيث أدَّت الهجمات المستمرة إلى تعطيل الحياة المدنية وتآكل ثقة الجمهور بالدولة. وعلى الصعيد الاقتصادي، أدَّت الهجمات على البنية التحتية للطاقة إلى تقييد الإنتاج وتأخير الصادرات وتثبيط الاستثمار. وتفاقمت الضغوط المالية، مما أدَّى إلى تعقيد الحوكمة وتقديم الخدمات. وتزداد هذه التحديات تعقيداً بسبب الانقسام الداخلي داخل الهياكل السياسية والأمنية في إقليم كردستان.
وعلى الصعيد الوطني، تبدو العواقب أكثر حدة. فتواصل عمل الجماعات المسلحة خارج سيطرة الدولة يقوّض الشرعية المؤسسية ويكرس نظاماً أمنياً مجزأً، مما يزيد من احتمال أن يصبح العراق ساحة مستمرة للمواجهات بالوكالة. أما بالنسبة للعلاقات بين الولايات المتحدة والعراق، فإنَّ الهجمات المستمرة تضع ضغوطاً على التعاون الأمني بين الجانبين، وتهدد بتضييق نطاق العلاقة لتقتصر على الشواغل الأمنية قصيرة الأجل على حساب مشاركة أوسع نطاقاً.
والأخطر من ذلك أن مخاطر المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والجهات المسلحة العراقية آخذة في الازدياد. ورغم أن ردود الفعل الأميركية ظلَّت حتى الآن متزنة، فإنَّ احتمال تصعيد الموقف إلى حملة أوسع نطاقاً - تستهدف قيادات الميليشيات وبنيتها التحتية وقدراتها في مجال الطائرات المسيّرة - لا يزال كبيراً، بغض النظر عن نتائج المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. نظراً لتداخل الحدود بين المنشآت العسكرية الحكومية وغير الحكومية، قد تتعرض البنية التحتية الأمنية للدولة للاستهداف أيضاً. علاوة على ذلك، قد تلجأ واشنطن إلى ممارسة ضغوط مالية واقتصادية قاسية على البلاد.
ومن المرجح أيضاً أن تنظر واشنطن إلى الحكومة العراقية المقبلة على أنَّها استمرار للنظام السياسي الحالي، باعتبار أنَّ رئيس الوزراء القادم سيتم اختياره من خلال الإطار التنسيقي نفسه الذي تهيمن عليه الفصائل الموالية لإيران والمرتبطة بالحشد الشعبي. ونتيجة لذلك، قد تجد الحكومة الجديدة نفسها مقيدة على نحوٍ مماثل، وعاجزة عن منع الضربات الخارجية، رغم أنه يُتوقع منها أن تتحمل عواقبها السياسية والمالية. وتكشف هذه الديناميكية عن هشاشة عميقة في الحكم وتزيد من العبء المالي على العراق من خلال مطالب إعادة الإعمار والتعويضات.
وعلى الصعيد الإقليمي، فإنَّ التداعيات لا تقل أهمية؛ إذ أدَّت هجمات الطائرات المسيّرة التي تشنّها جماعات موالية لـ«الحشد الشعبي» ضد دول الجوار، ولا سيما دول الخليج والأردن وسوريا، إلى توسيع نطاق تأثير الانقسام الداخلي في العراق ليشمل مناطق خارج حدوده، مما يغيّر نظرة العالم العربي إلى العراق. وطالما احتفظت الجهات المسلحة بقدرتها على استخدام الأراضي العراقية لأغراض الإكراه أو الانتقام أو توجيه الرسائل، ولهذا ستواجه بغداد صعوبة في تقديم نفسها شريكاً ذا سيادة وجديراً بالثقة. إنَّ عدم معالجة هذا التحدي يُهدد بتعميق التوترات ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل أيضاً مع جيرانها المباشرين، مما يؤدي إلى تراجع الدعم السياسي، وتآكل الثقة، وشكل تدريجي من الانسحاب العربي. ولذلك، فإنَّ استعادة الثقة تتطلَّب أكثر من مجرد استقرار داخلي؛ بل تستلزم التزاماً جاداً بمنع استخدام الأراضي العراقية بطرق تُقوّض الأمن الإقليمي.
وبالنظر إلى المستقبل، يواجه العراق مزيجاً من المخاطر، منها: التصعيد، وتآكل المؤسسات، والركود الاقتصادي. وسيتوقف إحراز التقدم على التخفيف التدريجي للتوترات والإصلاح المؤسسي التدريجي، لا سيما في مجال توضيح هياكل القيادة والسيطرة. ومع ذلك، وبالنظر إلى الموقف الراسخ للجهات الفاعلة غير الحكومية التي تربطها صلات عابرة للحدود، فإن إجراء إصلاحات حقيقية سيكون أمراً معقداً ومرهقاً، هذا إن أمكن تحقيقه أصلاً.
يتعيَّن على الحكومة الاتحادية العراقية اتباع نهج ذي مسارين، يتمثل في تعزيز السيطرة تدريجياً على الجهات المسلحة من خلال الاتفاقات السياسية مع الاحتفاظ بوسائل ضغط قوية وموثوقة. أمَّا الشركاء الدوليون، على الرغم من تزايد شعورهم بالإحباط، فإنهم يحتفظون بقدرتهم على التأثير من خلال المشاركة المشروطة والدعم الموجه. وإذا لم يتم إجراء إصلاحات ملموسة، فإن الديناميات السياسية والأمنية في العراق قد تنحرف نحو مواجهة واسعة النطاق واضطراب مؤسسي.
