زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

تجاعيد نفرتيتي وحماتها

من الصعب تخيل وجه امرأة جميل وبه تجاعيد تحصي سنوات العمر وتعلن عن مقدم الشيخوخة! ومعروف أن المرأة تحب أن تحتفظ بشبابها وحيويتها ويصيبها القلق بمجرد ظهور التجاعيد على بشرتها. لكن الشيء المحير فعلا أن نفرتيتي - الملكة الفرعونية الجميلة - قد كسرت كل القواعد والنظريات. لقد كشف العلماء مؤخرا وباستخدام تقنيات متقدمة عن وجود التجاعيد على وجه الملكة ورأسها الشهير المنحوت من الحجر الجيري والمعروض بالمتحف الجديد ببرلين. والأغرب أن هذه التجاعيد الدقيقة هي أحد أسرار جمال نفرتيتي. أما عن مكان وجودها؟ فقد تمت ملاحظتها ورصدها في المنطقة حول العينين، وذلك باستخدام جهاز الأشعة المقطعية، والتي أجريت على رأس نفرتيتي بمستشفى (Charite) القريب من برلين العاصمة. واكتشف العلماء أيضا أن رأس الملكة نفرتيتي عبارة عن قطعة واحدة من الحجر الجيري الأبيض النقي، وبعد نحته أضيف إليه أربع طبقات من الجص الرقيق.
وبالطبع، يبقى السؤال الصعب؛ هل سمحت الملكة نفرتيتي للفنان الملكي تحتمس بأن يضع هذه التجاعيد على وجهها؟ أم أن الفنان نحت الرأس الجميل كما تخيل هو وجه ملكته؟ بل يمكن أن نتساءل أيضا: هل رأت نفرتيتي هذا الرأس في يوم ما من حياتها؟ أم أنها عاشت وماتت دون أن تعرف شيئا عن وجود هذا الرأس؟
المؤكد أن رأس نفرتيتي نحتت في وجود الملكة بنفسها أمام الفنان لكي تكون الرأس بمثابة البورتريه أو الصورة المعتمدة من الملكة التي بموجبها يتم نحت صورها على الجدران في المقابر والمعابد والقصور، وكذلك لكي يتم الاسترشاد بها في نحت التماثيل الملكية. أي أن الملكة نفرتيتي لم تجد غضاضة من وجود بعض التجاعيد والهالات حول عينيها دلالة التقدم في العمر؛ بل على العكس كانت هذه التجاعيد هي شارة الحكمة والوقار.. الوقار إلى جانب الجمال الهادئ لوجه نفرتيتي.. هذا هو الوصف المعتاد من معظم من يزور متحف برلين ويقف مذهولا أمام رأس نفرتيتي.
والحقيقة المهمة أيضا أن رأس نفرتيتي ليست هي الوحيدة التي تظهر تقدم السن عند ملكة فرعونية، فهناك في متحف برلين رأس من الأبنوس للملكة العظيمة تي – زوجة الملك أمنحتب الثالث، وأم الملك أخناتون - والرأس تظهرها في أواخر سنوات حياتها وقد تهدل جفناها وانتشرت التجاعيد حول العينين والخدين، ومع ذلك فما نراه في الرأس هو ملكة قوية الشكيمة.. عركت الحياة وخبرتها.. ملكة كان ملوك وأمراء الشرق الأدنى القديم يبعثون لها الخطابات باسمها لأخذ رأيها واستشارتها في أمور العالم القديم ومشكلاته. وقد نحتت كل من رأس الملكة نفرتيتي ورأس حماتها الملكة تي في فترة متقاربة زمنيا، وبالتحديد في أوج فترة العمارنة عندما كان إخناتون يحكم مصر من عاصمته الجديدة (أخت أتون) أو تل العمارنة حاليا بمصر الوسطى.
نكتب عن كل هذه الكنوز المصرية ويحزننا أنها ليست ببلدها وموطنها مصر! إن زيارة لمتاحف العالم كفيلة بأن تثبت حجم التجريف الهائل الذي تعرضت له الآثار المصرية، وفي نفس الوقت حجم الثراء الهائل وعظمة هذه الحضارة القديمة التي استطاعت أن تملأ متاحف العالم بالكنوز ولا يزال بأرضها أكثر مما كشف عنه.