وائل فؤاد أبو منصور
صحافي ومخرج سينمائي من السعودية
TT

التدين الاستهلاكي!

من أصعب الأشياء على المرء تعثره في فهم البديهيات. تفعل بنا ذلك بعض الدراسات الميدانية، التي تنكأ من الأسئلة أكثر ما تقدم من الأجوبة!
في دراسة ميدانية أجراها مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام بعنوان "مشكلات تواجه المجتمع السعودي من وجهة نظر الشباب"، على عينة من 3150 مشاركا ومشاركة تتراوح أعمارهم ما بين 15 إلى 29 عاما، انتهت في جزئية منها إلى أن 76.9% من الذكور مقابل 74.9% من الإناث، يرون أن "مواجهة المخالفات الدينية" مسألة "مهمة جداً"، فيما أشار 17.8% مقابل 16.6% الى أنها "متوسطة الأهمية"، وأشار 3.9% مقابل 3.7% أنها "قليلة الأهمية".
سؤال الأسئلة الحائرة هنا ... ما المقصود بالمخالفات الدينية؟
بحثت في متن الدراسة فلم أجد أية محاولة لتقديم تعريف واضح "للمخالفة" الدينية، فافترضت أن المقصود بها المحرمات المتفق على حرمتها. لكن كلمة "مخالفات" أعادتني للحيرة من جديد وجعلتني غير مطمئن لفهمي الظاهر، فقائمة "المخالفات الدينية"، أو "الشرعية" على وجه أدق، في خطابنا الوعظي أكثر من أن تحصى. فهناك "المخالفات" المختلف عليها فقهيا، وأخرى ذات نزعة آيديولوجية جدلية، مثل تلك التي تنتشر مع انطلاق كل نسخة من معرض الكتاب الدولي، أو التي "تُفضي" إليها قيادة المرأة للسيارة، أو المتعلقة بنقد السينما والفنون إجمالا.
وبعيدا عن دقة النتيجة التي توصلت إليها الدراسة، فإن المتأمل لواقع الشباب اليوم يجد أمامه صيغا متعددة للتدين ما كانت متصورة في أجيال سابقة؛ أي قبل تمدد مواقع الشبكات الاجتماعية في الحيز العام. لذلك فإن أي حديث عن صيغة واحدة للتدين لن يقدم في الغالب إلا قراءة مبتسرة ومغلوطة عن واقع الشباب السعودي.
والبداية، بناء على معطيات الحاضر، يجب أن تنطلق من إعادة قراءة التدين عند الشباب وفق رؤية جديدة، عبرت عنه خير تعبير دراسة لهاني عواد صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات "التدين الشبابي: نمط منفلت من المؤسسة الآيديولوجية!"
فأثمن ما فقدته "المؤسسة الآيديولوجية" اليوم احتكارها لقنوات التوجيه والتعبئة، ما أفرز ذواتا وجدت في واقعها الافتراضي المساحة التي تحتاجها لترسيخ فردانيتها، ثم اختارت في براغماتية تثير الإعجاب أحيانا، مهادنة ومناورة السائد العام رغبة في النجاة. فظهر فرد يتعامل مع الدين بطريقة "استهلاكية"، وفق تسمية الفيلسوف الفرنسي باتريك ميشيل، بمعنى أنه "يختار من الدين المساحة أو الفضاء والحيز المريح ... بعيدا عن أي نظام قيمي يحمل في طياته الإجبار" بحسب ما ينقل عواد في دراسته المذكورة آنفا. ما يزيد المشهد تعقيدا أن هذه الصورة الاستهلاكية للتدين هي بحد ذاتها "مخالفة" ضمن قائمة مخالفات خطابنا الوعظي!
المشكلة أننا لم نعد نطرح على أنفسنا أسئلة صعبة تساعدنا في فهم توجهات وأساليب حياة الشباب على الأرض، لا كما نرجو. حتى أنك لو زرت الموقع الإلكتروني لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، المؤسسة التي استهلت مشوارها بحرارة وحيوية قبل أن تتحصن اليوم في المناطق الدافئة، لوجدت أن إصداراته ودراساته المنشورة تدور في فلك "المرجو" دون أن تلامس ما يمور في حياة الشباب من تغيرات بنيوية. وإذا ما أردت أن تكوّن رأيا وموقفا عن أكبر شريحة مؤثرة في المجتمع ستعثر على مجموعة من الدراسات البسيطة من ضمنها دراسة استطلاعية من إعداد المركز بعنوان "قضايا الشباب .. الواقع والتطلعات" نشرت عام 1425هـ تقول احدى نتائجها ... "يتجه معظم الشباب في قضاء وقت الفراغ في المنزل وهذا يعد مؤشرا جيدا على ارتباطهم بأسرهم في تفضيل قضاء وقت الفراغ معهم".