لم يكن الفيلسوف اليوناني سقراط مخطئاً حين قال: «التعليم شجرة مُرّة الجذور وثمرها حلو المذاق». المخطئ، يقيناً، هو من يظن أن بإمكانه، مستعيناً بالغش والسرقة، والمال، جني الثمار من دون إجهاد نفسه في تجذير الشجرة، ورعايتها حتى تكبر وتثمر.
وأظنني غير مخطئ، إن قلت إن سقراط حين تحدث عن التعليم، لم يكن في باله، آنذاك، التلقين. التعليم شيء والتلقين مصيبة ندرك، نحن العرب، على وجه الدقة، نتائجها الوخيمة ونعيشها.
تدهور الأنظمة التعليمية في المنطقة العربية ليس جديداً، بل إن جذوره التاريخية تعود لقرون بعيدة في الماضي. وتكفي الإشارة إلى أن عالم الاجتماع العربي ابن خلدون فطن وتنبه إلى ذلك في «مقدمته»، لكن ملاحظاته ظلّت حبيسة سطور صفحات «المقدمة»، واستمرت عقول تلاميذنا وطلابنا لتكون أواني فارغة يضع فيها المعلمون والأساتذة والفقهاء ما يشاءون، من دون تفكير أو تمحيص، أو شك.
ربما نعود إلى هذه القضية في مقالة أخرى مستقبلاً، لكني حقيقة ارتأيت في هذه السطور التعرض إلى قضية لفتت انتباهي من خلال ما أتيح لي، مؤخراً، من اطلاع على تقارير إعلامية تتناول مشكلة ذات حساسية وخطورة، تحولت إلى ظاهرة في الجامعات البريطانية، أطلق عليها، باللغة الإنجليزية، اسم «Essays Mills»، وترجمتها «مصانع الورقات - الدراسات البحثية الأكاديمية». التفاصيل التي نقلتها تلك التقارير مزعجة بل مرعبة. وتهدد بالخطر، الغرضَ الذي تأسست لأجله الدراسات البحثية الجامعية.
سلخت من عمري ثلاث سنوات، بكلية التربية، بطرابلس، طالباً بقسم اللغة الإنجليزية، وما أعددته وكتبته من ورقات بحثية لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وهذا أمر ما كان ليثير في نفسي تساؤلاً، آخذين في الاعتبار، طبيعة العملية التعليمية التي تحدثنا عنها سلفاً، في بلادنا. التساؤل باغتني حين بدأت، بعد خروجي من السجن، دراستي الجامعية في بريطانيا، وأنا في عمر متقدم نسبياً، بعد سنوات طويلة من الانقطاع القسري. وأعترف أن ما كتبته، في تلك الورقات القليلة، لا يساوي ثمن الحبر الذي كتبت به، لأنها كلها تفتقر لأبسط مناهج طرق البحث العلمي. عذري في ذلك أن لا أحد علمني، أو أرشدني إلى متطلبات كتابة ورقة بحثية، ولا كيفية البحث، أو مناقشة ما أنا بصدده من مواضيع. علموني ذلك في جامعة «ريدينغ» أولاً، ثم، بعد ذلك، قصموا ظهري، ثانياً، بكتابة الورقات أسبوعياً، إلى جانب المحاضرات، وفي كل المواد التي كنت أدرسها.
لقد كانت تجربة متعبة، تجعل الطالب الذي كنته، منكبّاً على الكتب في المكتبة بالقراءة والتلخيص والتمحيص. عقب ذلك يأتي دور تقديم الورقات، خلال فصول صغيرة، أمام الأساتذة المشرفين والطلبة، والتعرض للأسئلة، والنقاش. عملية تعليمية مضنية، تأخذ بيد طالب غِرّ، وتحيله، من خلال الممارسة والتدريب والصقل، إلى كائن أكاديمي.
لكن ليس كل من يقرر مواصلة تعليمه العالي الجامعي، هو في الحقيقة على استعداد لتحمل هذه المشاق اليومية، خصوصاً إذا كان هناك آخر متمكناً ومؤهلاً أكاديمياً، وعلى استعداد لأداء المهمة، بشكل جيد، مقابل مال.
المصانع التي تتحدث حولها التقارير الإعلامية جاءت لتلبي حاجة الطرفين: من يريد شهادة جامعية من دون مشقة وجهد، مقابل تلبية حاجة من هو على استعداد لأداء المهمة مقابل مال. وبالتأكيد كأي «بزنس» آخر لا بدَّ من وجود وسطاء يكونون بمثابة جسور تربط الطرفين، وتلبي احتياجاتهم، وتوفر للجميع مناخاً مناسباً، ومحميّاً، لإنجاز وتحقيق الهدف المنشود، بعيداً عن أعين القانون. هؤلاء الوسطاء، استناداً إلى التقارير، ليسوا في حاجة إلى مكاتب وتراخيص، ويكفي الواحد منهم أن يعمل في مكان سكناه، ويتواصل عبر البريد الإلكتروني. وهم من يقرر الثمن المناسب. والثمن المناسب هذا ليس ما يستحقه الطرف الذي يقوم بالعمل، بل يستقطع منه الوسيط عمولته. تجارة مربحة جداً، وأسواقها تزداد انتشاراً. الخدمات المتوفرة تشمل حتى كتابة أطروحات رسائل الماجستير والدكتوراه، وفي كل التخصصات. والسعر المبدئي هو 30 جنيهاً إسترلينياً، يستلمها من قام بالعمل عن كل 100 كلمة يكتبها! وأعتقد أن هذا السعر غير ثابت، بل يتغير بتغير نوعية الدراسة، ومجالها.
سوق رائجة، مربحة، ليست قصراً على الجامعات البريطانية، روادها طلاب أثرياء، من كل أنحاء العالم، في حاجة لشهادات علمية لا يستحقونها، وأكاديميون، من كل أنحاء العالم، في حاجة إلى مال لا يملكونه. وسلعتها العلم، وتدمير مصداقية الشهادة العلمية، وجدارة البحث العلمي. ولك أن تتخيل حجم الكارثة، عالمياً، إذا علمت أن هناك 31 مليون طالب، موزعين في أنحاء العالم، ممن حصلوا على شهاداتهم الجامعية والعليا عبر هذه السوق!!
7:51 دقيقه
TT
خطر يهدد مصداقية الشهادة العلمية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
