خليل رشاد
كاتب ومحلل سياسي مصري
TT

مزمور الفلسطينيين

يناقش عاموس عوز، روائي إسرائيلي شهير، سؤالا حاسما وحيويا. ما هو السؤال؟ ومن الذي يستطيع أن يجيب عنه، خصوصا في هذه الأيام التي بدأت فيها إسرائيل حربا جديدة ضد الفلسطينيين؟ فلسطين مثل الجرح الدائم والمتجدد الممتلئ بالدماء والدموع.
يتعلق سؤال عاموس عوز بهوية إسرائيل:
«لما يزيد على عشرين عاما أخبرهم قادتنا مرارا وتكرارا بأن مسألة السلام مقابل الأرض هي مسألة افتراضية، ليس هناك أحد يتحدث إليهم بشأنها، وليس هناك ما يمكن الحديث عنه. والآن (بنهاية عام 1989) هناك شخص يمكن التحدث إليه، وهناك شيء للحديث حوله، ويمكننا أن نبدأ الحديث عن السلام بعد أن كنا نهرب من هذه القضية لأننا خائفون من مواجهة السؤال الذي يتعلق بمن نحن حقا، وما هو الغرض من وجود إسرائيل، وما الشيء الذي من المفترض أننا نعيش من أجله؟ حان وقت الصدق، وما زلنا نتخبط في الأكاذيب» (عاموس عوز، كتاب «إسرائيل وفلسطين والسلام»، صفحة رقم 79).
أي الأكاذيب التي تتخبط فيها إسرائيل؟
1) في أيامنا هذه، بينما نركز على تاريخ إسرائيل، تركز إسرائيل على الفلسطينيين، وتدمر منازلهم، وتقصف المستشفيات والمدارس والمساجد. فمن الواضح أن إسرائيل لا تسعى للسلام، وإنما تريد إسرائيل زيادة هيمنتها على الفلسطينيين. تريد إسرائيل أن تكون أميركا جديدة في المنطقة. ولهذا تستخدم إسرائيل شعار السلام والديمقراطية، وتصر على المفاوضات، لكن هذه ليست سوى أقنعة ملونة تلبسها. وبعبارة أخرى، فإن إسرائيل لا يمكنها، بل إنها لن تقدر على أن تظهر نفسها كصانع سلام.
مادس غيلبرت، الطبيب النرويجي الذي يعمل في مستشفى الشفاء في غزة، أظهر لنا وجه إسرائيل الحقيقي من دون قناع. وفي شرحه للوضع في غزة، يقول «إن أبطال سيارات الإسعاف والمستشفيات في جميع أنحاء غزة يعملون بمناوبات 12 إلى 24 ساعة، حيث أصبحوا شاحبين من الإرهاق وأعباء العمل اللاإنسانية (من دون دفع الرواتب في مستشفى الشفاء منذ الأشهر الأربعة الماضية). إنهم يهتمون ويفرزون المرضى، ويحاولون فهم الفوضى غير المفهومة للأجساد البشرية التي تمشي والتي لا تمشي، والتي تتنفس، والتي لا تتنفس، والتي تنزف والتي لا تنزف».
بشر!
الآن، يعاملون مثل الحيوانات على يد «أكثر الجيوش أخلاقية في العالم».
لا ننسى أن السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يعتقد أن كل الجنود الإسرائيليين ينبغي أن يحصلوا على جائزة نوبل للسلام. إن هذا يكشف عن حقيقة نفاق إسرائيل في عصرنا هذا.
2) في واقع الأمر، لقد تغير العالم خاصة تلك المنطقة. إننا نعيش الآن في الشرق الأوسط الجديد. ولكن ليس هذا هو الشرق الأوسط الجديد الذي كانت تنتظره إسرائيل وتتوق إليه، الشرق الأوسط الجديد الذي خططت إسرائيل لبنائه. استنادا إلى رواية شيمعون بيريس في كتابه «الشرق الأوسط الجديد»، كانت إسرائيل تتوق إلى الهيمنة على المنطقة بسهولة. أرادت إسرائيل أن تبتلع كل موارد المنطقة، وتكون بمثابة قوة عظمى صغيرة في المنطقة. والآن وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع من القتال مع حماس في غزة، دعوني أقل إن هذه القوة العظمى الصغيرة ستحتاج إلى المزيد من القوات والمزيد من الوقت لقتال حماس. بالإضافة إلى ذلك، فقدت مصداقيتها الأخلاقية في جميع أنحاء العالم.
من يستطيع أن يتجاهل دموع ممثل للأمم المتحدة في فلسطين؟ عند شرحه لقتل الأطفال الأبرياء في مدرسة تابعة لـ«الأونروا» في غزة، انهار وبكى بصوت عال، مثل آباء جميع الضحايا. أعتقد أن دموعه هي رد واضح على سؤال عاموس عوز. تواجه إسرائيل أزمة الهوية. يمكن لإسرائيل أن تجد وجهها الحقيقي من خلال رؤية انعكاس لنفسها بعد النظر في عيون الأطفال الفلسطينيين. يمكنها أن تجد وجهها الحقيقي من خلال النظر في المرآة التي تعكس دموع ممثل الأمم المتحدة في غزة، وفي المرآة التي تقرأ الخطاب المفتوح الذي أرسله الطبيب النرويجي إلى الرئيس أوباما:
«السيد أوباما: هل لديك قلب؟ إنني أدعوك لقضاء ليلة واحدة.. ليلة واحدة فقط معنا في مستشفى الشفاء. ربما وأنت متنكر في زي عامل نظافة»، حسب قوله، مضيفا «إنني مقتنع 100 في المائة أن ذلك سيغير التاريخ».
للأسف، مهدت السياسة الطريق لقتل الأطفال الأبرياء. صدقوني، عندما يقوم إنسان بقتل إنسان آخر، ستتغير هويته إلى الأبد. لن يعود الرجل الذي كان عليه قبل ارتكاب جريمة القتل. عندما يكون في عزلة، كيف يمكنه أن ينسى أو يتجاهل العيون الدامية للضحايا على مر حياته؟
يقول سميح القاسم: «قتلوني مرة.. وانتحلوا وجهي مرارا».
ولكن في الواقع لا يمكننا إخفاء الأطفال الأبرياء. فهم يأتوننا في أحلامنا. لا يمكن لإسرائيل أن تطرد أمة عظيمة من فلسطين. جيلا بعد جيل، سوف يروون قصتهم بعضهم لبعض. وأي شخص له قلب سيتذكر غزة. أطفال غزة يسكنون قلوبنا وعقولنا؛ وسوف يأتون ويقومون بتلاوة مزامير جديدة لغزة:
«من هنا
من مظهر الأحزان
في الأرض الكليمة
أيها العالم
تدعوك العصافير اليتيمة
من هنا
من غزة الثكلى
ومن جنين
والقدس القديمة
هللّويا».
اسمحوا لي أن أقول، بالإضافة إلى جميع الإسرائيليين، نحن كمسلمين ينبغي لنا أن نرد على هذا السؤال: ما هي هويتنا؟ كيف نتعرف على وجوهنا من مرآة غزة؟