حينما يتعثر أحدنا برباط حذائه، يظن أن كل من حوله كان يتابعه. وعندما يلمح بقعة صغيرة على قميصه، يتوتر، لاعتقاده بأن الجميع قد لاحظها. والأمر نفسه يحدث عندما نعتقد بأن كل طلاب الفصل ما زالوا يتذكرون إجابتنا الخاطئة ومشاعر الإحراج.
العلم الحديث يظهر أن هذه مبالغات نفسية نضخمها من دون أن نشعر. ذلك أن معظم الناس في الواقع مشغولون بأنفسهم أكثر من انشغالهم بنا.
هذا ما يسميه العلماء بـ«تأثير دائرة الضوء». فهو ذلك الشعاع الساطع الذي يتبع الممثل على خشبة مسرح مظلم، فيظن أن الجمهور لا يرى أحداً سواه. وقد حضرت مسرحيات عبد الحسين عبد الرضا، وكنت أجدني ألتفت إلى ما يجري خلف الكواليس المعتمة أكثر من انشغالي بدائرة الضوء.
وقد كشف الباحث توماس غيلوفيتش وزملاؤه ما يحدث في دائرة الضوء، عندما دفعوا مجموعة من الطلبة إلى ارتداء قمصان تحمل صوراً لافتة أو محرجة نسبياً. ثم سألوهم: كم شخصاً لاحظ ما وُضع على قمصانكم؟ فكانت تقديراتهم ضعف الواقع تقريباً. أي أن نصف الناس لم يلاحظوا شيئاً أصلاً! ونُشرت الدراسة في دورية «الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» عام 2000.
المفارقة أننا نعود إلى اتزاننا بعد مرور فترة زمنية. فقد لاحظ الباحثون أن من دخل الغرفة فوراً قُدِّر أن 51 في المائة منهم انتبهوا إلى القمصان، بينما من دخل بعد ربع ساعة قُدرت نسبة الملاحظة بـ37 في المائة فقط. بعبارة أخرى، كلما اعتدنا على الشيء خفَّ وهجه، أو تراجع شعورنا بأننا تحت دائرة الضوء. وربما كان ذلك من رحمة الخالق سبحانه، فمن تستجد له إعاقة مزمنة ستؤذيه نظرات الناس؛ لكنه سرعان ما سيألف الوضع، ثم لا يأبه لنظرات من حوله.
الأمر نفسه ينطبق على ما سمَّاه الباحثون مشاعر، أو «أوهام الشَّعر السيئ» والتي لا يلاحظها -على الأرجح- سوى صاحب الشَّعر الأشعث أو المتلبد، فالناس مشغولون في مكنوناتهم. ولذلك حينما نبالغ في تضخيم مشاعر اهتمام الآخرين بنا نسيء تقدير موازين الواقع، فنرى في الصمت إعجاباً أو انشغالاً بنا.
نجد ذلك على مستوى المنظمات والدول، ممن تغرها نجاحاتها الماضية فتظن أنها مركز الكون، أو أن بوسعها عمل ما يعجز عنه غيرها. فتورِّط نفسها في سلسلة رهانات خاسرة.
الضوء الذي نخشاه في عيون الناس، ليس سوى انعكاس لتفكيرنا.
