د. حسن أبو طالب
كاتب مصري، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
TT

حوارات ميونيخ... مسار أحادي أم متعدد!

استمع إلى المقالة

بالرغم من ضغط الكثير من التطورات في منطقتنا العربية والشرق أوسطية وامتداداتها في القرن الأفريقي، تُعد متابعة الحوارات التي جرت في مؤتمر ميونيخ للأمن قبل ثلاثة أيام مسألة مهمة وضرورية لاستكشاف ما الذي يُحتمل أن يحدث في علاقات الأطلسي، وكيف تنظر أميركا في العهد الترمبي إلى العالم ومؤسساته الجماعية، وكيف تفكر أوروبا في أمنها «المستقل»، وعلاقات القوى الكبرى بعضها مع بعض ومع منطقتنا العربية. جانب كبير من الكلمات عبَّر عن المخاوف من تبدل النظام الدولي من نظام مؤسَّس على قواعد حتى لو كان بعضها غير عملي، إلى آخر بلا قواعد سوى القوة والضغط الاقتصادي. ما حولنا يتغير، لا شك في ذلك، ويظل عدم اليقين بشأن المستقبل القريب هو الأمر المؤكد.

الشاهد أن كلمة وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو كانت تصالحية في كلماتها بشأن أوروبا، ومع ذلك لم تَخْلُ من انتقادات هي نفسها التي عبَّر عنها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس في المؤتمر السابق قبل عام بكلمات وعبارات صادمة. رسالة روبيو الظاهرية ركَّزت على ما يجمع بلاده ودول أوروبا باعتبارهما شريكَيْن في الحفاظ على أمنهما المشترك وعلى حضارة تجمع بينهما، وعلى مخاطر الهجرة التي تقلقهما، وفي المقابل، جاءت كلمات المسؤولين الأوروبيين وتعليقاتهم ذات وجهين؛ ترحيب بالنزعة التصالحية، والتأكيد على ضرورة أن تكون لأوروبا قدرات أمنية مستقلة تتيح الدفاع عن نفسها حتى من دون مشاركة أميركية، ما يشير إلى أن الشكوك الأوروبية ما زالت عميقة. وزير خارجية ليتوانيا السابق غابريليوس لاندسبيرغيس، وصف كلمة روبيو بكونها «كمية كبيرة من الطلاء الأبيض لإخفاء الشقوق الناجمة عن الصدع الكبير»، مضيفاً: «لست متأكداً من أن الطلاء الأبيض سيصمد». وكأننا أمام «طلاء مغشوش».

العلاقة عبر الأطلسي مهمة ولا شك للعالم بأسره، والأهم منها هو كيف تنظر واشنطن إلى المؤسسات الدولية التي يُفترض أنها تنظم حركة كل الدول، وتوفِّر لكل منها قدراً من الحقوق والسيادة. موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرى المؤسسات الدولية مؤسسات عاجزة، وتقيد حركة أميركا. الوزير روبيو كان واضحاً حين انتقد الأمم المتحدة باعتبار أن لديها إمكانات كبيرة، ولكنها من وجهة نظره لم تفعل شيئاً في حل النزاعات ولخير العالم، بينما قام البيت الأبيض بإشاعة السلام في أماكن مختلفة، داعياً إلى إصلاح تلك المؤسسات الدولية من دون أن يحدد ماذا يعني بهذا الإصلاح المنشود.

مثل هذا الحديث يتجاهل مسؤولية واشنطن عن إضعاف أدوار الأمم المتحدة في العديد من الأزمات الدولية عبر استخدام حق النقض في غالبية القرارات التي قدمت في مجلس الأمن بشأن العدوان الإسرائيلي على غزة والعديد من الأزمات الدولية الأخرى، وتجاهُلها تماماً بعض مبادرات ومعاهدات الأمم المتحدة، وتقاعسها عن دفع التزاماتها المالية للمنظمة، والامتناع عن التعاون مع العديد من الوكالات الدولية في أمور حيوية للعالم بأسره في مجال الأمن الغذائي وأمن البيئة والصحة الدولية، وممارسة ضغوط غير مسبوقة على المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها. ومع ذلك يتحدث السيد روبيو عن فشل منظومة الأمم المتحدة.

دعوة إصلاح المؤسسات الدولية ليست جديدة، فهي مطروحة منذ ثلاثة عقود، وقوامها التخلص من سطوة القوى المالكة لحق النقض، وتوسيع عضوية مجلس الأمن ليكون أكثر تعبيراً عن الحقائق الدولية الراهنة وليست الحقائق الدولية التي مرَّ عليها أكثر من ثمانية عقود، ولم تَعُد تُعبِّر عن المصالح الجماعية للعالم بأسره. المشكلة الكبرى في طرح روبيو أنه بلا معايير موضوعية، ولا يقدم رؤية متكاملة يُدار حولها نقاش موضوعي بين دول العالم بأسره، تمهيداً لإعادة هيكلة المؤسسات الدولية لتصبح أكثر عدلاً وإنصافاً وتوازناً في مصالح العالم بأسره. بالقطع أن توقع مثل هذا الطرح في ظل مكونات الاستراتيجية الأميركية المعلنة والتي تعيد إنتاج سياسات فرض النفوذ، لكنه يمثل في الآن نفسه فرصة لدول العالم الحريصة على نظام يقوم على قواعد عادلة، أن تبادر بمناقشة إصلاح الأمم المتحدة، وإزالة العوائق والقيود التي تُحِدُّ من قدرتها على إفادة البشرية من دون تمييز، عبر تعديل بعض بنود ميثاق الأمم المتحدة وليس كله.

هناك مساعٍ ومحاولات دولية لترسيخ مفهوم عالم متعدد الأقطاب، عبر بناء مؤسسات وشراكات تجمع بين دول عدة تتخلص من خلالها ولو جزئياً من هيمنة الولايات المتحدة في مجالات التجارة وسلاسل الإمداد والتحويلات المالية والاستثمارات التنموية، لكنها تظل محاولات محدودة التأثير، وبحاجة إلى مدى زمني أطول لكي تعطي نتائجها المرجوة، في وقت لن تعدم فيه واشنطن الوسائل والضغوط لإفشال تلك المساعي الدولية. الأمر المؤكد، على الأقل في ظني المتواضع، أن تضامن العالم وراء خطة إصلاح حقيقية ومتوازنة لكل منظمات ووكالات الأمم المتحدة، هو المسار الأمثل، أياً كانت صعوباته.