لا تحقرن صغيراً في مخاصمة إن البعوضة تدمي مقلة الأسد
تذكرت شعر أبي الطيب المتنبي (915 - 965م) عندما أغلق غاتويك، ثاني أكبر مطارات المملكة المتحدة، وأوقفت حركة الطيران فيه لقرابة أربع وعشرين ساعة، واستنفر بوليس مقاطعتين في جنوب إنجلترا ووكالة الأمن القومي، واستدعيت قوات من الحماية الإلكترونية والدفاع.
تعطلت 837 رحلة طيران في غاتويك وفي عشرات من مطارات العالم المقبلة إليه، 126 رحلة ألغيت تماماً وأفسدت رحلات 161 ألف مسافر، لا يزال بعضهم يفترش أرض المطار عند ذهابنا للطبع.
المسؤول؟
«درون» (drone) أو «دبور» (ترجمة العرب «طائرة دون طيار» لا تنطبق هنا على الجسم الطائر) في حجم صينية المشروبات المقدمة لركاب الطائرة، حلق فوق ممر الإقلاع والهبوط بعد ظهر الخميس حتى مساء الجمعة (إلى أن اتخذت إجراءات إشارات لاسلكية تحجب إشارات التحكم فيه).
تناسب حجم الدرون مع حجم الخسائر كأن البعوضة في مقلة الأسد.
بعد لعبة «الاستغماية» مع البوليس قبض على رجل وامرأة مساء الجمعة «بالاشتباه» (لم توجه التهمة بعد) بتعمد إرسال جسم طائر لغرض إجرامي.
«الدرون» - الدبور (الاسم العربي للحشرات الطائرة «واسب Vespula vulgaris» من فصيلة النحل وبدورة حياة مشابهة في خلايا، لكن لسعتها أشد إيلاماً وبعضها لسعته مميتة) ينسب اختراعه كطائرة يتحكم فيها باللاسلكي من الأرض في 1916 للبريطاني ريجينالد ديني الذي انتقل إلى الولايات المتحدة في 1919. أتقن التحكم فيها في ثلاثينات القرن الماضي في أميركا عبر شركتيه «طائرة الراديو لريجينالد ديني» و«الموديلات اللعبة الطائرة» لاستخدامها في أفلام هوليوود.
استخدمتها المؤسسات العسكرية للتجسس أثناء الحرب الباردة، والاستخدام الأكبر في الحرب على الإرهاب في السنوات الماضية.
في العشرين عاماً الأخيرة، زاد الاستخدام المدني كما يعرف القراء من استخدام أولادهم «الدرونات»، وأحد أولادي يستخدمه في تصوير الطرق ضمن مادة الجغرافيا في الدراسة الثانوية.
حالياً يوجد في بريطانيا 76 ألف درون تستخدم في أبحاث علمية وأغراض تجارية؛ كتوصيل الطرود لأماكن جبلية وتصوير المرور، وكلها أصبحت جزءاً من الحياة الاقتصادية المعاصرة.
حادثة درون غاتويك تثير قضايا أمنية وقانونية وأخلاقية عالمية.
فإذا كانت القوانين البريطانية مثلاً لا تزال تلهث وراء محاولة اللحاق بالتطور التكنولوجي واستخدامه في مجالات الحياة اليومية، فإن العلاقة بين التكنولوجيا من ناحية، والمجتمع والرأي العام والقانون من ناحية أخرى، أمر بالغ التعقيد في البلدان العربية حيث «التكنولوجيا» لا تزال كعب أخيل أكثريتها.
وقد يتساءل القراء: لماذا لم يطلق الرصاص أو مقذوفة الدفاع الجوي لإسقاط الدرون وتأمين الملاحة الجوية؟
الإجابة في كلمة: القانون.
في المقابلات الصحافية المبثوثة مع المسؤولين من البوليس أو إدارة المطار (بالمناسبة معظم مطارات البلد تديرها وتمتلكها شركات خاصة وليست الدولة، وإن كان التنظيم والإشراف العام يخضع للوائح وقوانين وزارة المواصلات) اتضح وجود ثغرات قانونية عمن يتحمل مسؤولية إصدار أمر إطلاق النار.
الجيش لا يتدخل في المسائل المدنية. مطار غاتويك، بعكس هيثرو، تحيط به مساكن وبعض المزارع. ما تأثير الطلقات الطائشة، أو الرصاصات التي ستطير؟ ستسقط بقوة بفعل الجاذبية الأرضية.
ماذا لو أدت إلى إصابة شخص أو كائن حي أو أتلفت أجهزة المطار؟
الأمر الثاني: ما التصرف في إطار القانون؟ وتحت أي قانون سيطلق الرصاص؟ وعلى من؟
كيف تخرق وكالات مسؤولة عن حماية القانون وتنفيذه؛ كالبوليس، القانون؟
لا أحد في البلاد فوق القانون أو يستثنى من المسؤولية والمحاسبة عندما يهدأ الجو ويبدأ التحقيق الإداري، والأخطر تحقيق اللجنة البرلمانية التي ستستدعي كل المسؤولين.
كالعادة تصرف المسؤولون بأعصاب باردة.
لكن الأمر أثار تساؤلات كثيرة، خصوصاً أن الحادثة بينت كيف يمكن، لا قدر الله، أن يستخدم الأشرار والإرهابيون هذه الأجسام الطائرة في أغراض خبيثة كأعمال إرهابية أو إجرامية وسط المدن أو في أماكن مزدحمة بالسكان.
القانون الحالي في استخدام الدرون يخضع للقوانين السائدة مثل عدم استخدام أدوات تنتهك الخصوصية (كثيراً ما يحاول المصورون الصحافيون تصوير المشاهير ونجمات السينما في حمامات السباحة ومنازلهن)، أو تخضع للوائح وزارة العدل، حيث يستخدم البعض الدرونات لتهريب مخدرات وتليفونات موبايل ومحظورات لنزلاء السجون، أو القانون الجنائي لحماية الأشخاص والممتلكات إذا أدى استخدام الدرون إلى الإضرار بالممتلكات أو إلحاق أذى جسمي بالشخص.
ولم يبدأ العمل بقانون خاص باستخدام طائرات الدرون في المملكة المتحدة إلا منذ خمسة أشهر (30 يوليو/ تموز هذا العام) والجهة المسؤولة عن متابعة القانون وتقديم من ينتهكه للمحاكمة هي مصلحة الطيران المدني البريطانية.
القانون يحظر تحليق أي جسم طائر على مسافة كيلومتر من أي مطار وعلى ارتفاع لا يزيد على 400 قدم والعقوبة هي الغرامة التي تصل إلى عشرة آلاف جنيه أو الحبس خمس سنوات.
القانون اشتمل على كل لوائح تطيير الأجسام الطائرة التابعة للاتفاق العالمي للإلكترونيات، ومصلحة الاتصالات السلكية واللاسلكية البريطانية موقعة عليه، ومن ضمنها ما يعرف بالحائط الواقي الإلكتروني للأجسام الطائرة.
وهو جزء من برامج التشغيل في الكومبيوتر الصغير الذي يشغل الدرون. يتعرف البرنامج التحتي على الإشارات الإلكترونية المبثوثة حول سياجات المطارات. البرنامج فور تلقيه الإشارة، يتغلب على جهاز التحكم عن بعد (الريموت) ويعيد الدرون من حيث أتت.
لكن يستطيع صاحب الدرون أن يعطل أو يعيد برمجة هذا الجزء، وعلى المدعي العام، إذا ثبتت ملكية الدرون للمقبوض عليهما لدرون غاتويك، أن يقنع المحكمة بوجود دافع جنائي.
الاتحاد العام للطيارين وإدارات المطارات تطالب بتوسيع المسافة إلى خمسة كيلومترات بدلاً من كيلومتر لحماية الطائرات.
مصلحة السجون وهيئات مدنية أخرى تطالب بمنح القانون الصفة الجنائية.
القانون بالطبع سيصدر عن البرلمان وسيستغرق الأمر فترة طويلة. فعلى لجان الصياغة في البرلمان أن توازن بين مطالب إدخال القانون الحيز الجنائي وتعديله، والوضع الاقتصادي.
فتصنيع الدرونات وبرمجتها والتوسع المدني والتجاري في استخدام الدرونات خلق ذلك أكثر من 628 ألف وظيفة.
والدرونات تسهم بـ42 مليار جنيه إسترليني (53 مليار دولار) في اقتصاد البلاد، ما وفر للميزان التجاري للمملكة المتحدة 16 مليار جنيه إسترليني (21 مليار دولار) في العام الماضي.
كما يتوقع تضاعف استخدام الدرونات عدة مرات بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي لاستخدامها في حراسة الحدود وتصوير الشاحنات وتسجيل خروج ودخول البضائع منها لملء استمارات الجمارك الإلكترونية، بدلاً من الطوابير على الحدود.
8:15 دقيقه
TT
البعوضة في مقلة الاقتصاد
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
