جاريد ديليان
TT

عندما تشير تحركات السوق إلى حتمية الركود

من واقع مراقبتي القديمة للأسواق، وما أجده أكثر إثارة للاهتمام بشأن التصحيح الأخير في الأسهم هو الشعور السائد بحتمية أن يتحول إلى شيء أسوأ بكثير. ولم تكن الأمور كذلك في أواخر يناير (كانون الثاني) عندما أراد الجميع حدوث هذا التراجع. ولم يكن كذلك بكل تأكيد في عام 2007 عندما قُدر حجم الركود بدرجة هائلة من الاستهانة والاستخفاف.
حتى «الاحتياطي الفيدرالي الأميركي» بات يدلو بدلوه في حالة التشاؤم الراهنة؛ إذ أشار رئيس البنك جيروم باول مؤخراً إلى قرب حدوث «وقفة» وشيكة في رفع أسعار الفائدة. والأمر المثير للاهتمام في هذا الأمر أن باول كان يعلم بكل تأكيد أن هذه الإشارة سوف تُفسر على أنها انحناءة لضغوط الرئيس دونالد ترمب، غير أنه فعل ذلك على أي حال. وفي جوهر الأمر، فقد خاطر بمفهوم استقلالية بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على الأرجح لعلمه اليقيني أن البيانات الاقتصادية تزداد سوءاً.
ويعترف كل من تحدثت معه في أسواق رأس المال، بما في ذلك أصحاب الأرباح الصاعدة السابقون، بأن الأمور في حالة من التباطؤ المشهود. أجل، كان مؤشر التصنيع الشهري لإدارة العرض قوياً في وقت سابق من هذا الأسبوع، غير أن مطالبات العاطلين عن العمل في ارتفاع مستمر، وتراني أستمع لتقارير إخبارية عن تباطؤ واضح في قطاع عريض من الشركات. حتى أعمالي الخاصة باتت في تباطؤ ملحوظ. ومع تجنب التقارير الإخبارية، فقد تهاوت أسعار النفط، وهوت أسهم بناء المنازل، وتراجعت أكبر الأسهم التكنولوجية على مستوى العالم. فإن وقع الركود في ظل هذه الظروف، فسوف يكون ركوداً ذائع الصيت في كل مكان بكل تأكيد. الجميع يعلم بقدومه منذ الآن.
بيد أن الركود لا يدعو إلى الخوف. فلقد فقدنا الانتباه إلى حقيقة أن للركود سماته التطهيرية على أي حال، إذ يساعد في تصحيح الأخطاء لمليارات الدولارات المخصصة للشركات المتعثرة، في حين يدفع الناس إلى التركيز على الاستثمار في الشركات الربحية. وتعد شركات الأداء الضعيف في سوق الأسهم غير محببة بدرجة ما لرغبتها الواضحة في وقوع الركود، ولإلحاق الأضرار بالناس من الناحية المالية. وبطريقة ما، فإنها تجنح إلى الركود لعلمها أن الجانب السلبي من الدورة لا محيد عنه بحال.
وهناك علامات بأن رأس المال مخصص بصورة غير سليمة. وفي غضون عام واحد فقط، كانت هناك ثلاث فقاعات منفصلة؛ واحدة في «بيتكوين»، والثانية في القنب، والثالثة في مجموعة أسهم «فانغ»: «فيسبوك»، و«آبل»، و«أمازون»، و«نيتفليكس»، وشركة «ألفا بيت» الأم لشركة «غوغل» العملاقة. وليس هذا من الأمور الشائعة بحال. ولقد توسلت لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، في مقال سابق، لتخفيض التحفيز المالي، وقد فعل ذلك في خاتمة المطاف، وأصبحت العائدات البالغة نحو 2.5 في المائة على الأموال الخالية من المخاطر كافية لجعل الناس يعيدون التفكير في المخصصات مع اعتبار المخاطر.
مع ذلك، أتساءل عما إذا كان من الممكن حدوث الركود مع توقع الكثير من الناس له. إن أسوأ حالات الركود تلك التي تقع على نحو مفاجئ. وفي عام 2011، خلال أزمة الديون الأوروبية، كان أغلب الناس يتوقعون فورة ارتفاع هائلة في الأسواق المالية. وانتهى الأمر بها لتكون تراجعاً ضئيلاً للغاية مع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» عند مستوى 21 نقطة مئوية على أساس يومي بين شهري يوليو (تموز) وأكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام. ولقد أشاع حالة من الأسواق التصاعدية الضخمة في فئة الأصول ذاتها التي كانت تشغل بال الكثير من الناس: أي الديون السيادية الأوروبية. ولربما نضطر في يوم من الأيام إلى تكرار هذه الأزمة، ولكن إن استسلمنا للذعر في مثل ذلك الوقت، فسوف تكون فرصة مفقودة.
لكن قبل أيام قليلة، انعكس منحنى الواجهة الأمامية لعائدات سندات الخزانة الأميركية، مع ارتفاع عوائد السندات للعامين والثلاثة أعوام على عوائد السندات ذات الخمسة أعوام. ويعلم الجميع أن منحنيات العائدات المعكوسة هي من مؤشرات الركود الأكثر موثوقية. وبطبيعة الحال، منحنى العائد الأوسع الذي جرى قياسه بالفارق بين عوائد السندات ذات العامين والعشر سنوات، أو حتى الفجوة بين سعر الفائدة الفيدرالية والسندات ذات العشر سنوات، لم يخضع للانعكاس، ولكن كما قلت من قبل، هناك شعور من الحتمية بشأن الأمر. واستقامة منحنيات العوائد دائماً ما تسبق ضعف الأداء الاقتصادي. وهي ليست جيدة في تحديد سوق الأسهم بدقة، ولكن يمكن الدخول إلى مضمار المنافسات.
وإنني أرى أن كل حالات الركود تحمل قدراً من المفاجأة على حد ما. فإن كنت مستثمراً في مبيعات التجزئة، وتحصل على الأخبار من المواقع المعروفة أو القنوات التلفزيونية، فربما لا تحصل على الصورة كاملة فعلاً. ففي المحيط الاحترافي، يكون من الصعب تجاهل الإشارات التحذيرية الواضحة للغاية بشأن التباطؤ الذي يلوح في الأفق. وفي الأسواق الصاعدة، كل شيء يعمل. أما في الأسواق الهابطة، فإن الشيء الوحيد الذي يعمل هو السندات الحكومية والبلدية القصيرة الأجل، والأموال النقدية السائلة. وتُمنح الفرص الكبيرة للحد من التعرض للمخاطر، ومن الواضح أن قلة من الناس يستغلون هذه الفرص، إذ إنهم لا يفعلون ذلك أبداً.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»