تعيش جماعة «الإخوان المسلمين» اليوم بين حالة من التشظي الداخلي، وإعادة التموضع والبيات الشتوي لحماية نفسها في الظروف الاستثنائية. تحاول الجماعة التكيف مع الضغوط الأمنية والسياسية، وتحاول إعادة بناء قواعدها وحواضنها الاجتماعية، بعد فقدان الثقة الشعبية بها، وتصنيفها منظمة إرهابية في كثير من بلدان المنشأ، وبعد إضافتها أخيراً إلى قوائم الإرهاب الأميركية.
فجماعة «الإخوان» ترى أن الانتماء إليها انتماءٌ إلى الدين، وأن أي معارضة لها معارضةٌ للدين، وهو مفهوم خاطئ كانت ولا تزال هذه الجماعة الضالة تُصدّره للمجتمعات المسلمة، كأن الجماعة ركن من أركان الإسلام، بينما الحقيقة غير ذلك وتكذّب هذا السلوك. الجماعة مبتدعة دينياً، ومفلسة سياسياً؛ فليس لديها أي مشروع سياسي ثابت وملموس تتبناه، وتزعم أنها جماعة دعوية، في حين أنها ما مارست الدعوة ولا نجحت في ممارسة السياسة، بل في الحقيقة هي منفصلة عن الواقع، وتعاني تشظياً وشروخاً في صفوفها وصراعات داخلية.
الخلاف على كرسي مرشد «الإخوان» أصبح مكشوفاً ومعلناً بعد أن تفاقمت الأزمة داخل التنظيم المصنف دولياً إرهابياً. وبعد الانتكاسات المتكررة، والانهيار الكبير للتنظيم ودوره في المنطقة، وخسارته أغلب مناطق نفوذه في الشرق الأوسط، دأبت جماعة «الإخوان» على إثارة الفوضى ونشر الفتنة؛ في محاولة لإيجاد موطئ قدم على الساحة السياسية لتعزز موقفها التفاوضي، من خلال التعايش مع ظاهرة «الكمون التنظيمي»، وعبر محاولاتها «أخونة المجتمعات» باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، وخداع الشباب بأن الجماعة هي المصدر الحقيقي للإسلام المعتدل، وأن ما تتعرض له الجماعة من «مظلومية»؛ كما ترى، هو بسبب محاولات شيطنتها وتشديد الضغط عليها لأسباب سياسية بحتة. والحقيقة أن الجماعة كشفت حقيقتها نتيجة أفعالها وتصديرها الأعمال الإرهابية ونشر الفتن والفوضى في المجتمعات التي احتضنتها.
«جبهة أعضاء الجماعة داخل السجون» ترى نفسها الوصيَّ على الجماعة وتنظيمها، وأنها لا تزال صاحبةَ الولاية «الشرعية» التي انعقدت لها البيعة بالولاء والطاعة؛ لأنها تضم بين صفوها المرشد الأخير للجماعة محمد بديع، وأن الباقين مجرد انقلابيين. بينما هناك مجموعات من الشباب خارج السجون ترى أن المسنّين في الجماعة هم سبب فشل وانهيار التنظيم، وأنه لا بد من التجديد، كما أن لدى هذه الشريحة من الشباب تحفظاً على مواقف مسنّي الجماعة. وهناك مجموعات أخرى قررت الانشقاق وترك الجماعة والبراءة منها، ولو بالتقية والخداع كما فعلت قيادات بارزة منهم في مصر وتونس وليبيا، زاعمة ترك الجماعة وشق عصا الطاعة والتحلل من بيعة الولاء والطاعة للمرشد.
الخلافات والشروخ والتشظي داخل جماعة «الإخوان» لأول مرة في تاريخ التنظيم تخرج للعلن وتصبح بارزة، ففي الماضي كانت تتكتم الجماعة عليها وتحاول لملمتها داخل بيت الجماعة وفي السر، ولكن هذه المرة أصبحت كبيرة غير قابلة لأي ترقيع أو إصلاح، بعد أن طفت الصراعات بين القيادات على السطح وبات إخفاء الخلافات والانشقاقات صعب المنال، في ظل فشل كبير وغير مسبوق في تاريخها مُنيت به الجماعة.
التنافس على زعامة التنظيم تَفاقم بشكل كبير بعد سجن المرشد محمد بديع والقبض على رأس الأفعى محمود عزت، حيث بدأ الصراع بين ما يُعرف بجبهتَي إسطنبول ولندن. وبعد سقوط حكم «الإخوان» في مصر، دخلت الجماعة صراعات داخلية بين قيادات الخارج وقيادات الداخل؛ مما أدى إلى تشتت القرار وغياب التنسيق بين الأعضاء المنقسمين على جبهتين وفي الخارج، تضاف إلى ذلك «جبهة السجن» حيث يرقد المرشد محمد بديع ومحمود عزت، اللذان لا يزالان يلعبان دوراً بارزاً في القيادة الداخلية بشكل شرفي، حيث يُستخدم اسماهما في السيطرة على عناصر الجماعة من خلال وسطاء يزعمون التواصل مع قيادة الجماعة في السجون، رغم أن الواقع يقول غير ذلك، بل يؤكد أن المرشد بديع ومحمود عزت أصبحا خارج الخدمة منذ اعتقالهما.
