بالنسبة للتجارة، من الواضح أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحكومة الصينية يتبعان سياسات حمائية لا معنى لها تؤتي نتائج عكس المرجوة. ومع هذا، فإن هذا الوضع ربما يحمل في طياته فرصة ثمينة.
في الوقت الذي يعكف فيه ترمب على مراجعة السياسات التجارية إزاء الصين، فإنه وضع نصب عينيه «إغراقها» المزعوم للسوق الأميركية بصادراتها من الحديد الصلب والمنتجات المرتبطة به. ويحدث الإغراق عندما يجري تصدير منتج ما بأقل من سعر التكلفة، الأمر الذي قد يتسبب بتشويه الأسواق، وربما يتعارض مع القواعد التي أقرتها منظمة التجارة العالمية.
بيد أن ثمة مشكلات كثيرة ترتبط بالسعي وراء إثارة دعوى إغراق، لا سيما أنه فيما يخص السلع التي يجري الاتجار فيها بمعدل كبير - مثل الحديد الصلب - فإن الإغراق اليوم ربما يعني البيع بصورة مربحة غداً. وعلى نحو متكرر، يبدي المنتجون الحريصون على عدم خسارة نصيبهم في السوق استعدادهم للبيع بخسارة بصورة مؤقتة، الأمر الذي يبدو منطقياً تماماً.
ويعتبر هذا تحديداً ما يحدث في الصين، فعلى امتداد الجزء الأكبر من العقد الماضي، شكل الحديد الصلب سلعة متعادلة بالنسبة للبلاد لا تحرز من ورائها مكاسب ولا تجني خسائر، فمنذ عام 2010 حتى 2015، خسر صانعو الحديد الصلب في الصين المدرجون في سوق الأسهم إجمالي 902 مليار يوان من عائدات تبلغ 7.2 تريليون يوان. إلا أنه منذ ديسمبر (كانون الأول) 2015 ارتفعت الأسعار بدرجة بالغة، ووصل الارتفاع في سعر الفولاذ المدلفن الذي لا يصدأ إلى 97 في المائة، بينما وصل الارتفاع في أسعار القضبان الفولاذية المستخدمة في تقوية الإسمنت إلى 115 في المائة.
وكان من شأن ذلك إحداث تغيير محوري في ديناميكيات الصناعة. واليوم، يحصد صانعو الفولاذ الصينيون أرباحاً ضخمة، بلغت 48 مليار يوان بحلول نهاية الربع الثالث من 2017، وبالتالي فإن السعي وراء رفع دعاوى إغراق فيما يخص مثل هذه الأسواق المتقلبة لا يبدو منطقياً.
علاوة على ذلك، فإن الصين ليست من الدول الكبرى المصدرة للصلب إلى الولايات المتحدة؛ إذ على مدار العقد الماضي، احتفظت بكين بنصيب لها في سوق الصلب الأميركية تراوح بين 4 في المائة و5 في المائة، وتراجعت الحصة إلى 3.3 في المائة عام 2016. وقد تراجعت الواردات ذلك العام على وجه التحديد بسبب ارتفاع الأسعار، ما يجعل من الصعب النظر إلى الصلب الصيني كمصدر تهديد للولايات المتحدة، بل والأصعب من ذلك استيعاب كيف يمكن للأميركيين جني فوائد كبيرة من وراء خطة ترمب فرض تعريفات جديدة على الواردات الصينية.
بطبيعة الحال، لا تتحلى الصين بالبراءة الكاملة فيما يخص هذه الأمور، ذلك أنها لم تلتزم بالوعود التي قطعتها منذ أمد بعيد بتقليص قدراتها الإنتاجية بمجال صناعة الصلب، في وقت لا تزال فيه الاستثمارات في الأصول الثابتة مستمرة في إضافة قدرات أكبر عن تلك التي يجري الاستغناء عنها. وتجري إضافة قدرة صافية أسرع عن النمو في الإنتاج، الأمر الذي يقلل معدلات التشغيل (انخفضت معدلات تشغيل القضبان الفولاذية المستخدمة في تقوية الإسمنت من 79 في المائة عام 2015 إلى 72 في المائة عام 2017 على سبيل المثال).
إضافة لذلك، من المعروف أن الشركات المملوكة للدولة لا تزال مهيمنة على قطاع الصلب الصيني. وقد حدد المسؤولون حصصاً صعبة، ويشجعون على تعزيز أسهم الشركات المنتجة للصلب، ويفرضون إجراءات خفض للإنتاج من أجل تقليص استخدام الفحم، الأمر الذي يدفع الأسعار نحو الارتفاع. ومن المشروع تماماً التقدم بشكاوى إزاء مثل هذه السياسات تبعاً لقواعد التجارة الدولية.
بيد أن الغريب في الأمر أن كل هذا ينطوي على فرصة ثمينة، ذلك أنه لأن كلاً من إدارة ترمب والصين يتبعان سياسات معيبة على نحو جوهري، فإن أمام كليهما فرصة لتقديم التنازلات الضرورية التي ربما لا يكون لديهم استعداد للتفكير فيها في ظل غياب ضغوط من طرف مقابل.
من جانبه، يتعين على ترمب استغلال النفوذ الذي خلقه من وراء الانتقادات التي وجهها إلى سياسات الإغراق الصينية في استخلاص تنازلات على صعيد أسواق محورية أخرى مقابل عدم فرض تعريفات. ويمكنه عرض التخلي عن القائمة الأميركية الطويلة الموجودة بالفعل برسوم مكافحة إغراق ضد منتجات صينية لا تشكل تهديداً لصناعات جوهرية أو الأمن الوطني. في المقابل، يمكنه الضغط على الصين للارتقاء إلى مستوى الاتفاق التجاري القائم بين البلدين الذي جرى إقراره الربيع الماضي - على سبيل المثال، من خلال السماح أخيراً لكل من «فيزا إنك» و«ماستركارد إنك» بالدخول إلى أسواقها.
في تلك الأثناء، بمقدور الصين النظر إلى هذه الفرصة باعتبارها الثمن الذي ستدفعه مقابل الاحتفاظ بقدرة منتجي الصلب لديها على دخول أسواق أجنبية. ولن يحمل هذا مخاطرة تذكر بالنسبة للصين بالنظر إلى هيمنة المؤسسات المملوكة على صناعة الصلب الصينية، لكنها ستكسب نفوذاً جديداً في المفاوضات التجارية العالمية.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»
