جاريد ديليان
TT

2018... بدء الحرب التجارية

كان الرئيس دونالد ترمب أقل حماساً بصورة نسبية خلال الأشهر القليلة الماضية عندما تتعلق الأمور بالتجارة، وهي الفترة التي تتداخل تقريباً مع الوقت الذي استغرقه تمرير الإصلاحات الضريبية. وكان خاضعا لبعض الضغوط بغية التزام الصمت بشأنها خلال فترة المفاوضات الضريبية، ولكن من الأرجح لعام 2018 أن يجلب لنا صورة مختلفة تماماً لشخصية الرئيس ترمب. فهذه «القومية الاقتصادية» لا تتعلق بالأحاديث المجردة المحضة. فالسيد ترمب من المؤمنين الحقيقيين بسياسة الحمائية، وأتوقع أن نشهد في المرحلة المقبلة المزيد من التغريدات بشأن التعريفات الجمركية.
دعونا نفترض أن أغلب المهتمين بعالم التمويل يتفقون على فوائد العولمة والتجارة الحرة، التي أدت إلى ازدهار الانكماش وزيادة في مستويات المعيشة للجميع إلى حد كبير، باستثناء العمالة في الصناعات التحويلية في البلدان المتقدمة، الذين يشكلون الجانب الأكبر من مجموع الخاسرين. وفي سوق العمالة العالمية، فإنهم لا يحظون بالميزة التنافسية المطلوبة. وهذا ليس خطأهم على أي حال. ولكن المأساة تكمن في أن بعض الناس قد شرعوا في معارضة التجارة الحرة في إطار مبدأ أنها «غير منصفة»، وهي الرؤية التي تعارضها بكل تأكيد دول الأسواق الناشئة.
ومع ذلك، بدأت الأسواق المالية عام 2018 بالطريقة نفسها التي انتهى بها عام 2017، مع قوة واسعة عبر مجموعة كبيرة من فئات الأصول. ولن أكون أول من يلاحظ أن عام 2018 قد يكون العام الذي نشهد فيه حرباً تجارية شديدة الصراحة في الوقت الذي تنسحب فيه البنوك المركزية من تدابير السياسات النقدية الطارئة. وما أعنيه هو أن التكهنات قد انتشرت بأن البنك المركزي الأوروبي سوف يبدأ في تقليص مشتريات الأصول بصورة هادفة. وهناك شكوك بسيطة في أن التزام المركزي الأوروبي بفعل كل ما يلزم فعله لأجل الحفاظ على الاتحاد النقدي الأوروبي كانت السياسة الوحيدة الأكثر تشويها في التاريخ الحديث للبنوك المركزية، الأمر الذي دفع بعائدات الأرباح على السندات المنخفضة وعديمة الجدوى إلى مستويات ضئيلة للغاية.
وإنني أصف خروج البنك المركزي الأوروبي من تدابير التيسير الكمي بأنه من الأمور المرجحة، ويمكنني القول أيضا إن الناس يقللون من احتمال تشديد السياسة النقدية في اليابان، التي تشهد ارتفاعاً في مخاطر وقوع حادثة مالية كبيرة. ويمتلك بنك اليابان نحو 70 في المائة من سوق البلاد للصناديق المتداولة في البورصة، التي تترجم إلى جزء كبير من سوق الأسهم. ولقد ابتاعوا كثيرا من الديون السيادية لدرجة أن سوق السندات الحكومية قد توقفت على نحو فعلي.
لذلك، وعلى الرغم من أنه ليس من الصعب توفير بيان هبوطي حول سوق الأسهم، فأولئك الذين قدموا مثل هذه البيانات خلال السنوات الأخيرة يبدون كمثل الحمقى بدرجة كبيرة. ولكن ذلك من الأمور البديهية في سوق الأسهم عندما ترغب في أن تكون صعودياً عندما توفر البنوك المركزية المزيد من السيولة، وتتجه نحو الهبوط عند سحب السيولة من الأسواق. ويشرع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في التراجع التدريجي منذ فترة طويلة للغاية عن أسعار الفائدة الحقيقية السلبية، وبدأ في تقليص الميزانية العمومية البالغة 4.5 تريليون دولار. وإذا سار كل شيء وفقا للخطة الموضوعة، فإن معدل الأموال الفيدرالية المستهدف سوف يفوق نقطتين مئويتين بحلول نهاية العام الحالي. وعند مرحلة ما، فإن المعدلات سوف تتقلص بصورة كبيرة.
أما بالنسبة للسيد ترمب، فإذا ما بدأ في فرض التعريفات الجمركية على الصين لمنتجات مثل الصلب والألمونيوم، وجاء رد فعل الصين انتقامياً، ثم ردت الولايات المتحدة بإجراءات انتقامية أخرى من جانبها، الأمر الذي سوف يؤدي إلى حرب تجارية كاملة، فينبغي أن تتوفر بعض الحجج الأكاديمية بأن ذلك سوف يسفر عن تقليل الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى حد كبير. وسوف تكون نتائج ذلك عسيرة على الولايات المتحدة، ولكنه سوف يشكل صعوبة خاصة على الأسواق الناشئة.
ولكن إذا تسببت العولمة في انكماش أسعار السلع المصنعة - مثالا بأجهزة التلفاز التي يبلغ سعرها 300 دولار في متاجر وال - مارت - فإن الحرب التجارية سوف تسبب التضخم، والمزيد من التضخم. ولقد أعرب خبراء الاقتصاد عن أسفهم على حالة الركود التي أصابت الدخول خلال العقدين الماضيين، ولكن الواقع يفيد بأن مستوى معيشة الشعب قد أصبح مرتفعا للغاية، وذلك لأن الدولار يواصل تقدمه وارتفاعه. والمنتجات رخيصة؛ أي المنتجات مثل الفضيات، والمصابيح، ولعب الأطفال، وقفازات البيسبول، وغسالات الصحون. ولقد مرت فترة طويلة منذ أن كانت المنتجات غالية الثمن. حتى إننا نسينا كيف كانت تمر بنا تلك الأيام.
هذا بصرف النظر تماماً عن مخاطر نشوب حرب نووية حقيقية، التي تجد سوق الأوراق المالية في ذكرها كنوع من الدعابة. إن بدء الحرب التجارية قد يكون من القرارات السيئة للغاية. ولكن نزع التسهيلات عن السياسة النقدية سوف يكون من القرارات الجيدة للغاية. وإذا ما حدث كلاهما في الوقت نفسه، فسوف يكون عام 2018 من الأعوام المثيرة للاهتمام بحق.
*بالاتفاق مع «بلومبيرغ»