استفتاء كردستان العراق المزمع إجراؤه في الأيام الأخيرة من الشهر الحالي قد يكون فرصة تاريخية لتأمل السياسيين، وغير السياسيين من أمثالي. ومهما كانت دوافع الساسة الأكراد المنقسمين أصلاً، المنغمسين في علاقات حميمة ومصلحية مع مجموعات فئوية داخل العراق ومع مختلف دول الجوار، ودول العالم الأخرى، في إجراء الاستفتاء، فإني أؤيده من جهة، وأتخوف من نتائجه من جهة أخرى.
أؤيد الاستفتاء لأنه فرصة ثمينة لكي يقول الشعب الكردي في العراق كلمته الحرة أخيرا. وبذلك فإنه سيفتح الطريق أمام تحرره من تسلط الحكومات المركزية المتعاقبة التي وصف مسعود بارزاني رئيس الإقليم آخرها، بأنها «حكومة دينية طائفية»، كما أن كردستان العراق ستصبح شعلة لأكراد الجوار لنيل حقوقهم المسلوبة. ويجرني هذا الحدث إلى أيام كان فيها بعض أبناء جيلي من الشباب في بداية الستينات من القرن الماضي يدعمون حركة الأكراد من أجل حكم ذاتي لهم، رغم تمتعهم محلياً في العراق الحديث بالكثير من المزايا أكثر من أقرانهم المضطهدين في تركيا وإيران.
وقد نقل عن أحمد بن بلّة أول رئيس للجزائر المستقلة صرح: «اعطوا الأكراد حقوقهم يصبحوا لكم حصناً في الشرق». وإني أتوقع أن يزهو حصن كردستان العراق بالانتصار المتوقع بالإدلاء بنعم لصالح الاستقلال. ولعل الاستفتاء سيدفع عقلاء العراق لإجراء استفتاء مماثل بإقامة دولة وطنية عصرية بعيدة عن الطائفية والجهوية.
أما تخوفي فهو من النتائج على الشعب الكردي في العراق الذي ستتقوى فيه النزعة التسلطية السائدة للمجموعات المتنفذة بحكم ريادتها في إجراء الاستفتاء، كما أنه قد يتعرض لمحاولات شق صفوفه مجدداً من قبل دول الجوار تركيا وإيران، إضافة إلى تعرضه لضغوطات بغداد. أما الأمر الثاني فهو لجوء القيادة الكردية إلى الدعم الأجنبي وربما استضافة وجود عسكري خارجي، الأمر الذي سيحول المنطقة كلها إلى قاعدة كبرى للدول الأجنبية، وهو عكس المراد به من الاستقلال، وعلى المدى البعيد سيكون ضاراً بمصالح الشعب الكردي.
والأمر الثالث احتمال تعرض القيادة الكردية بعد الاستقلال إلى ضغوطات خارجية قوية لتطوير العلاقة مع الكيان الصهيوني التي يعمل حتى الآن على إبادة الفلسطينيين ويعرقل تطور المجتمعات العربية، أي المجتمعات الشقيقة للأكراد.
ومهما يقال عن علاقات الأكراد بإسرائيل تاريخياً وفي الوقت الحالي، والتخويف من أن الاستفتاء هو مخطط إسرائيلي، فإن إسرائيل موجودة الآن في قلب العراق وفي قلب سوريا بصيغة أو أخرى، مباشرة أو عبر أعوانها، أو بواسطة أصدقائها من الدول التي احتلت العراق وأنشأت الوضع السياسي فيه، لذا فإني إذ أشجب علاقات الكرد مع إسرائيل فإني أشجب علاقات العرب معها أيضاً.
وبتصوري فإن غالبية العرب البسطاء مقتنعون أن ما يجري في العراق وسوريا هو سيناريو لا يخدم في النهاية إلا مصلحة إسرائيل في تفتيت العرب، وقد انخرطت فيه، شاءت أم أبت، كل من إيران وتركيا وأطراف أخرى، إضافة إلى دول العالم الكبرى.
لقد لعبت القوى السياسية في كردستان العراق دوراً محورياً في المشروع السياسي الذي وضعه الاحتلال الأميركي لحكم العراق، إذ انخرط الحزب الوطني الكردستاني في لعبة الطوائف والأقوام الجديدة في العراق، ما عزز إقامة نظام محاصصة قومية طائفية أدت إلى تدمير بنية الشعب العراقي الهشة أصلاً، نتيجة حكم صدام حسين الدموي والحصار الجائر على شعب العراق، بينما عززت قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني سلطتها في رئاسة الإقليم. وربما ستلوح في الأفق وبعد إعلان نتائج استفتاء كردستان، ملامح مشروع وطني لإنقاذ العرب داخل العراق الذين تعرضوا لحرب إبادة دموية تحت رايتين طائفيتين ظلاميتين دمويتين لا تمتان بصلة إلى العصر الحديث.
*كاتب عراقي
11:9 دقيقه
TT
رأي على هامش السياسة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
