من المطرقة والمنجل إلى المطرقة والخنجر

من المطرقة والمنجل إلى المطرقة والخنجر

الثلاثاء - 26 شهر رمضان 1438 هـ - 20 يونيو 2017 مـ رقم العدد [14084]
غسان الإمام
صحافي وكاتب سوري
نشأ الإرهاب السياسي المعاصر مؤدباً! كان البلاشفة الحمر في روسيا يرفعون رمزهم الشهير (المطرقة والمنجل) دلالة القوة (المطرقة) وحصاد الإنتاج (المنجل). ويكتفون باغتيال رجال القيصر فرادى.

لم يلجأ البلاشفة إلى الإرهاب الجماعي، إلا بعد أن تذوقوا حلاوة الحكم. صادروا الأراضي الزراعية. فاصطدموا بملاكها القدامى (الغولاغ). فأفناهم ستالين بنفيهم الجماعي إلى صقيع سيبيريا.

مات لينين باكرا. ومات 26 مليون روسي من أجل أن يكسب ستالين الحرب العالمية الثانية. كانت تلك الحرب أكبر حماقة دموية إرهابية ارتكبتها القبائل الأوروبية في تاريخ البشرية. مات ستالين. فتحول تلامذته الثوار إلى موظفين وتجار في مكاتب الدولة.

لم تنتج الثورة الماركسية حضارة. أنتجت «ثقافة المقاومة»! اخترعت بندقية الكلاشنيكوف. فباعها تجار خروشوف. وبريجنيف. وكوسيغن إلى سماسرة السلاح. فغدت هذه البندقية الخفيفة سلاح العنف الجماعي لثورات تشي غيفارا ضد المستعمرين.

اغتالت بندقية «إم سكستين» الأميركية غيفارا في أدغال أميركا اللاتينية. فغدت هذه البندقية الثقيلة المعقدة سلاح أنظمة القهر، ضد بندقية الكلاشنيكوف في قبضة المطالبين بالحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.

استأجرت «إم سكستين» الكلاشنيكوف. خبأته تحت عباءة الخميني السوداء. فكشّ به الشاه. وسرّبته إلى قبضات الثوار السنة في أفغانستان. فكشوا به عسكر المخرب بريجنيف. تأسلم الكلاشنيكوف. بات سلاح أبو عمر. وأبو الحسن والحسين. فاقتتلا به في سوريا والعراق. خطفه أبو بكر البغدادي. فتح دكان «الخلافة» فأرهب به المؤمنين و«الكفار».

ابتذل المتزمتون العرب «ثقافة الكلاشنيكوف». ظنوا أنهم قادرون على أسلمة الحضارات وغزو القارات بامتهان الحياة الإنسانية. وممارسة الانتحار الجماعي داخل المجتمعات الغربية التي أوتهم. واستضافتهم. ومنحتهم جنسياتها. فظلوا غريبين. لا هم يندمجون في ثقافاتها. ويتقنون علمها. ولا هي تمنحهم حقهم في العمل. والكسب المشروع. والحياة الكريمة.

أخفقت البندقية في خدمة الأسلمة. باتت المواجهة بين التقنية المتفوقة وشجاعة الإدمان على الانتحار بالأحزمة الناسفة. تحول الحلم بالجنة والحور العين إلى ساحة وغي غير متكافئة. حاربت أميركا وأوروبا الفاشية العنصرية في الحرب العالمية. وها هما تعلنان حربا عالمية على الفاشية الدينية المختبئة بين أكوام المدنيين في المدن العتيقة المهترئة.

الحروب الطائفية شقاء للمدنيين المحاصرين بشيزوفرانيا الفصام بين ظلامية تزمت «داعش» و«القاعدة». ورغبة الجيوش والمرتزقة في الانتقام بالقصف الجوي. وبالـ«درون» النحلة العمياء التي لا تميز بين المتزمت البدائي والمدني الحالم بحياة أفضل لأطفاله.

ينتقل هذا العالم النازف دما من عصر القتل بـ«المطرقة والمنجل» إلى عصر القتل بـ«المطرقة والخنجر». فقد اكتشف الداعشي أبو محمد العدناني مسرح الإنترنت. صرخ في هذا الفضاء الافتراضي صرخته البدائية. فردد أصداءها الوحشية الشباب المفتونون بعنف الإرهاب: ابقوا حيث أنتم. حطموا رؤوس «الكفار» بـ«المطرقة». اذبحوهم بالسكين والخنجر. اسحقوهم بالسيارة والشاحنة. فقد انتهى عصر الكلاشنيكوف المهاجر إلى العراق وسوريا.

قتل المثقف أوباما أسامة بن لادن. دفنه في عمق بحر العرب. بوتين يقول إنه قتل أبا بكر البغدادي في غارة على الرقة. فتبنت «الداعشية» و«القاعدة» لامركزية القيادة. رفض يهود شركات الإنترنت إلغاء مقاهي الوصل الاجتماعي. جمعوا أموال العالم من زبائن الثرثرة الفضائية. وأتاحوا باسم «حرية التعبير» الاتصال والتخطيط للذئاب المنفردة المتوكئة على «المطرقة» والمتزنرة بـ«الخنجر».

الطرافة في بريطانيا التي كانت «عظمى» أنها فقدت عبقرية التحليل السياسي عندما تخلت عن مستعمراتها! راهن قارئ الفنجان ديفيد كاميرون على ذكاء الإنجليز. فاستفتاهم في البقاء الرابح داخل الدكانة الأوروبية. فطعنوا أنفسهم بخنجر الاستقالة من أوروبا. وأنهوا حياته السياسية بالمطرقة. فبات الجنيه الإسترليني الذي أقبض به مرتبي «عزيز قوم ذل». فقد فقدَ وجاهته المالية أمام يورو أوروبا. ودولار أميركا.

لم يكن كاميرون في حاجة إلى الاستفتاء. فقلدته وريثته تيريزا ماي. حلمت بسيف سابقتها مارغريت ثاتشر. راهنت على تجديد شباب أغلبيتها النيابية بانتخابات جديدة. فطعنها ناخبوها المحافظون. خذلوها. أنزلوا رتبتها من رئيسة حكومة أغلبية إلى رئيسة حكومة أقلية.

سخرت الصحافة البريطانية من الخالة تيريزا. فلاحقتها بمطرقة الكاريكاتير. وطعنت الذئاب الداعشية المنفردة بالخنجر الناخبين الكسالى على جسر لندن والمطاعم المجاورة. فخففت الحكومة من عدد رجال الأمن لأسباب «تقشفية»! فبات المخابراتي العتيق شرلوك هولمز عاجزاً عن مراقبة ثلاثة آلاف داعشي متوكئين على «المطرقة» ومزنرين بـ«الخنجر».

خافت بريطانيا من انتخاب زعيم حزب العمال جيرمي كوربين بديلا لتيريزا. فقد اتهمته الصحافة برثاء كاسترو. والإعجاب بخنجر «حزب الله». ومديح مطرقة «حماس» الإخوانية. وتركت تيريزا تحاول ترقيع حكومة حزب المحافظين العريق، بتوزير أعضاء حزب عنصري مارس الإرهاب في آيرلندا بالمطرقة والخنجر.

يستعيد الجيش العراقي مدينة الموصل من نير «داعش» مستجيرا ببركة خميني وخامنئي. وبمطارق وخناجر الميليشيات الشيعية والكردية المقاتلة جنباً إلى جنب مع قوات النخبة الأميركية. مات عرب الموصل بالقصف الجوي. وتسمم الناجون بطبيخ المخيمات القذرة التي أعدتها بغداد لإيوائهم.

انتقم «الدواعش». قتلوا المدنيين الأبرياء في طهران. فحمل قاسم سليماني معه ميليشيا «الفاطميون» إلى الحرب في بادية الشام السورية. هنا سباق إقليمي / دولي بين ما هب ودب من أميركان. وإيرانيين. وعلويين. وأكراد. وشيشان. وأفغان. ومرتزقة «حزب الله». ومعارضات سنية تتحرك بالريموت كونترول من تركيا.

تحوم جوارح الفضاء فوق جثة البقرة «الداعشية». فإذا التهمتها، أشعلت من الرقة. والطبقة. ودير الزور حربا إقليمية / دولية جديدة، لتمزيق والتهام ما تبقى من سوريا. رفع شهود العيان من معارضات سورية دينية علم «المطرقة والخنجر» الأسود. ونكسوا علم العروبة.

التعليقات

صلاح الشمري
البلد: 
تركيا
20/06/2017 - 15:26

مقال رائع ، وضعت النقاط على الحروف لما آلت إليه حال الدول العرابية والإسلامية
عسى ولعل أن تفيق من غفلتها لتلتحق بقطار التقدم الذي تركها تترنح بمئات الأميال
إلى الوراء ، بدلا من التشرذم وهل أن النقاب والحجاب شرعي أم لا ، وهل لبس السروال الأفغاني إلزامي ، وهل ترك اللحية وحلق الشارب قرض ديني ، وإلى اخره
من الخزعبلات المضحكة المبكية، وهل تفجير النفس وقتل الأبرياء يدخل الجنة
المزعومة ؟أفيقوا يا عرب فقد اصبحتم مصخرة .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر