أوكار الإرهاب... «المسورة» والمسؤولية الوطنية!

أوكار الإرهاب... «المسورة» والمسؤولية الوطنية!

الثلاثاء - 19 شعبان 1438 هـ - 16 مايو 2017 مـ رقم العدد [14049]
يوسف الديني
كاتب سعودي

ما زالت القنوات الناطقة بالعربية ذات الهوى الإيراني، وما أكثرها هذه الأيام، تمارس الكذب والفجور في حملة التنمية التي تمارسها الدولة في حي المسورة بالقطيف، فتارة تسميه حصارا، وتارة تحاول النفاذ إلى الفتنة من زاوية الأقليات، لكنها لا تفلح في ذلك، بسبب أن طرفي القضية يدرك حساسية هذا الملف، ويتعامل معه وفق أقصى درجات اليقظة والمسؤولية الوطنية، وتجلى ذلك في لغة بيان وزارة الداخلية الذي أشاد بموقف الغالبية من أهالي بلدة العوامية، ووصفتهم بالشرفاء، وهو وصف مستحق ومهم جدا في خضم التجاذبات الطائفية التي تعجّ بها مواقع التواصل الاجتماعي والتي تعكس إشكالية معالجة مثل هذه الملفات وفق السياق الإقليمي المشتعل دون الانتباه إلى ضرورة التمسك بالمسؤولية الوطنية تجاه شركاء في الوطن على قدم المساواة تماما. بيان الداخلية أشاد بالشرفاء من أهالي بلدة العوامية لتعاونهم كما جاء في نصه مع رجال الأمن والجهات المنفذة للمشروع، واعتبرت هذا التعاون بأنه يعبر عن «مواقف وطنية غير مستغربة عليهم»، كما أنها طالبت في الوقت ذاته المطلوبين بإعمال العقل والمبادرة بتسليم أنفسهم وعدم التمادي في غيهم وإجرامهم وعدم الالتفات إلى استغلال الإرهاب ومروجي المخدرات الذين لا يريدون بحسب بيان الداخلية «تطوير المنطقة وازدهارها».
نحن اليوم نقف أمام إرهاب جديد يضاف إلى قائمة وأنواع الإرهاب التي تواجهها السعودية بقوة وثبات من إرهاب «داعش» الفوضوي إلى إرهاب الخارجين على منطق الدولة وسيادتها إلى الإرهاب المشدود نحو طهران، وصولا إلى الإرهاب المعيق للتنمية والتطوير واستغلال المناطق العشوائية ككنتونات أقلوية تحاول تحويل هذه المناطق غير المؤهلة للسكنى إلى أوكار للإرهاب ومعسكرات خلفية لبث الفوضى.
بيان الداخلية الواضح والصريح كان مهما في هذا التوقيت، لقطع الطريق على تلك الأبواق المأجورة التي تحاول تصوير الوضع على غير ما هو عليه، وهو ما تلقاه «الشرفاء» من أهالي العوامية بالمسؤولية الوطنية، سواء على مستوى المؤسسات الرسمية والشخصيات الاعتبارية في منطقة القطيف أو على مستوى ردات الفعل العفوية من عموم الأهالي التي تجلت في موقف أم محمد التي تم الاتصال عليها من إحدى تلك القنوات المأجورة، وكان الرد مفاجئا بأن ما تتفوه به القناة من الحصار على الأهالي من الكذب الرخيص، وأن ما يحدث هو تمرد فئة صغيرة متطرفة تريد إعاقة التنمية. كما طالبت القناة بلغتها العامية العفوية بالتوقف عن ممارسة الكذب، لأن الشيعة التي تنتسب إليهم كما قالت بخير في ظل وكنف الدولة.
ما يحدث في حي المسورة هو تدخل الدولة ضد معيقي التنمية وإعادة البناء من الإرهابيين ومروجي المخدرات وتجار الأسلحة داخل الأحواش غير المأهولة للسكنى التي تضم عناصر تستهدف المارة، وتقوم بإطلاق الذخائر الحيّة بشكل عشوائي من حين لآخر، وقبل أيام قليلة من المواجهة مع رجال الأمن قتل طفل لم يتجاوز العامين بعد إطلاق نار كثيف تجاه الآليات المستخدمة في مشروع التنمية وضد العمال العزل الذين تفاجأوا بالرصاص الحي والعبوات الناسفة.
ما يحدث في القطيف اليوم هو ما عبّر عنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف قبل سنوات عند سؤاله من قبل أحد المواطنين الشيعة، بأن «الدولة ستبقى دولة» في كل الأحوال، ولن تسمح بالمساس بأمن المواطنين من قبل كائن من كان، سواء كانت الجهة «داعش» أو الإرهاب الموالي لإيران، فكلاهما وجهان لعملة واحدة وهدف واحد، وهو المحاولة في استهداف أمن السعودية عبر إثارة الخلايا النائمة، وتجنيد الشبّان الصغار للقيام بأعمال فوضوية بعد أن استنفدوا طاقاتهم، وفشلوا في القيام بأعمال إرهابية نوعية بسبب اليقظة الأمنية والمجتمعية التي تجلت في خطاب الداخلية وردود الأفعال.
هل سيتوقف هدير الإرهاب؟ الأكيد لا، سواء في شكله «الداعشي» المنتسب إلى السنة أو الإيراني المنسوب إلى الشيعة، فدورات العنف الجديدة ليست انعكاسا للحالة السياسية أو الاقتصادية، بقدر أنها استهداف متواصل لسيادة الدولة وقوتها في مقابل بقاء التحريض والمحركات الخارجية وغياب استراتيجيات وبدائل اجتماعية ودينية تمارس دورها على أكمل وجه، فما زال خطاب الإرهاب السني والشيعي يطرح ذات الملفات العالقة والأسئلة دون أن يحظى بممانعة خطاب مماثل قوي يصل إلى كل الفئات السنية، ويناقش ملفات التكفير والانكماش والتبعية الفكرية بشكل واضح وصريح، بل على العكس ما زال هناك كثير من التعالق والتقاطع بين مفردات خطاب الإرهاب الجزئية وخطابات أخرى متشددة، وإن لم تكن تنزع إلى العمل المسلح، فالإرهاب يبدأ بفكرة وليس برصاصة.
الإرهاب الذي ستواجهه الدول المستقرة، وعلى رأسها المملكة، هو إرهاب فوضوي ينزع نحو استنزاف مقدرات الدولة، ويعيق تنميتها، فكما هو معلوم في اقتصاديات الأزمات حقيقة تضخم تكلفة الإرهاب في الدول المستقرة على غيرها، لأنه عادة ما يتسم بالإرهاب الفوضوي غير محدد الأهداف ولا الغايات السياسية.
من جهة أخرى، فإن الشحن السياسي والاستقطاب الطائفي من شأنهما أن يسهلا نزوع وتحول مكونات سياسة راديكالية باتجاه بوابة العنف في ظل استمرار إخفاق الخطابات البديلة، وما يتبعها من تحولات اجتماعية تؤسس للسلم الأهلي، وتفعل دور الطبقة الوسطى التي يجب أن تساهم في دعم عمليات التنمية، وليس أن تنحاز إلى الخطاب السياسي الطائفي الذي يعد أكبر داعم لخيارات العنف، وسيرة الإرهاب غير الحميدة علمتنا منذ البدايات المبكرة لمواجهة الدولة السعودية معه أن كل عنف مسلح يقف وراءه خطاب مسيس مشرعن له.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة