السياسة المختبئة خلف الواجهة

السياسة المختبئة خلف الواجهة

الاثنين - 19 شعبان 1438 هـ - 15 مايو 2017 مـ رقم العدد [14048]

الصفة الرسمية لسيرغي لافروف هي وزير خارجية روسيا، لكن زيارته إلى واشنطن الأربعاء الماضي لن يتذكرها أحد كإنجاز دبلوماسي استثنائي، وكل ما سيذكره الناس هو السخرية التي تقطر منه، ومهارته في استفزاز الخصوم. فأسلوب لافروف الذي يشبه رئيسه فلاديمير بوتين غالباً ما يراه المنتقدون أسلوباً لا يناسب العمل الدبلوماسي. لكنني أجادل بالقول إن لافروف يدرك بالضبط ما يفعله، وإن وسيلته في ذلك هي الرسالة التي ينقلها هنا.
ففي واشنطن، مثل لافروف الدهشة أمام صحافي أميركي سأله عن رأيه في القرار الذي صدر الثلاثاء الماضي بفصل مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، جيمس كومي، وكان رده «هل فصل من عمله؟» أنت تمزح! أنت تمزح!، وما كان من وزارة الخارجية الروسية إلا أن بثت المقطع المصور عبر موقع «تويتر» بمرح واضح. وأيضاً قام لافروف بتهريب مصور يعمل في وكالة الأنباء التابعة للدولة «تاس» ليحضر الاجتماع بوصفه مصوره الرسمي، وعلى الفور نشرت «تاس» صور ترمب مبتسماً لضيوفه الروس، ولافروف، وللسفير سيرغي كيسلياك الذي بدت عليه سعادة كبيرة للاستقبال. ومع انتظار ممثلي الصحافة الأميركية بالخارج، تسببت تلك الصور السعيدة التي حصلت عليها روسيا من خلال مصورها في حالة من الصخب.
السخرية، والاستفزاز، والرغبة في جعل محدثك يفقد توازنه هي دائما سمات تتحرك تحت السطح في محادثات لافروف، ودائماً ما يدلي بتعليقات جافة أو منفرة أمام محدثيه الغربيين. فخلال اجتماع عقد لوزراء منظمة حلف شمال الأطلسي مؤخرا، سخر وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون من نظيره الروسي بقوله: «لن تستطيع مشاركة رقصة التانغو مع لافروف، لأنه غير مسموح له بأداء تلك الرقصة»، والمقصود هو أن الرئيس فلاديمير بوتين هو من يقرر السياسات في روسيا، وأن لافروف غير مصرح له بإبرام صفقات، فيما كان رد فلاديمير: «اعتادت أمي أن تقول لي، كن ولداً مثالياً، ولا ترقص مع غيرك من الأولاد مطلقاً». وفي هذا السياق، يشبه أسلوب لافروف أسلوب رئيسه. ففي عام 2006، لا ينسى أحد أن بوتين طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت أن يقول: «هاي» للرئيس الإسرائيلي في ذلك الحين موشي كاتساف، الذي وجهت له تهم الاغتصاب والتحرش الجنسي. أضاف بوتين: «اتضح أنه رجل قوي... لم أتوقع هذا أبداً منه، فقد فاجأنا جميعاً... كلنا نحسده». فقد كان التواصل مع الكرملين حينها يبعث على الخجل، وكان على الكرملين أن يشرح أن بوتين لم يتسامح مع الاغتصاب، وأن كلماته كانت مجرد مزحة يصعب ترجمتها. غالباً ما تكون نكات بوتين الخشنة نتاج فترة طفولته في شوارع بطرسبرغ، فهو مهذب بالقدر الذي يحتاجه ضابط استخبارات خدم في ألمانيا الشرقية في السابق. لكن لافروف دبلوماسي محترف بدرجة عالية، ويعلم البروتوكول جيداً، ويتحدث 3 لغات غير الروسية، ويتمتع بحس راقٍ انعكس على ذوقه وفي اهتماماته. وحتى الشعر الذي يكتبه، رغم أنه لا يصل لدرجة العبقرية، تستطيع وصفه بالجيد، ولا يبعث على الخجل مثل ما نرى في المحاولات الشعرية لكثير من المسؤولين الروس.
يدرك لافروف جيداً صدى تعليقاته في الأذن الغربية، ويعلم أيضا أن السخرية والتوبيخ غالبا ما ينظر لهما باعتبارهما سلوكاً غير احترافي أو وسلوكاً سيئاً في دول العالم الناطق بالإنجليزية، وتحديداً في الولايات المتحدة. ورغم ذلك، لا يزال يردد كلمات كفيلة بأن تتسبب في فصل أي دبلوماسي غربي من عمله، بأداء أدوار كوميدية شائكة وإلقاء نكات لا يرددها سوى طلبة الجامعة في أحسن تقدير.
أسلوبه واضح من رسالته التي يقول فيها إن روسيا لن تلعب وفق قواعد الآخرين. فقد تحالفت روسيا مع القوى الشعبوية في أوروبا، التي دائماً يكون لوقوفها في وجه التصحيح السياسي والرقابة الذاتية ثمارها عند الناخب وقت الحاجة إلى صوته. فأثناء حملة الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة قيل لي كثيراً إن ولع ترمب بالخطب غير المراقبة ولا المدروسة هو من سمات جاذبيته، ويقول اليونانيون الشيء نفسه عن غريت ويلدرز، ويقول الفرنسيون الشيء نفسه عن مارين لوبان. فحرية قول ما تريد من دون أن تخشى الاتهام بأنك معادٍ للنساء أو عنصري أو كاره للمثليين وغيرها من الصفات، هي في الحقيقة ميزة إضافية للكثير من الناخبين.
فالروس في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي استمتعوا بحريتهم ليقولوا ما يريدون، وأن يسخروا، وأن يكونوا غير مهذبين وغير مباليين بالرسميات، وأن يكونوا مستفزين للآخرين، وبهذا الأسلوب ستبدو عليهم أمارات الثقة.
فالسب في أماكن العمل، وانعدام اللياقة والبروتوكول، وعدم مراعاة القيود اللغوية والآيديولوجية جميعها كانت ثمناً لمجتمع خلع عن نفسه للتو عباءة الشيوعية.
مشكلتي الكبرى مع لافروف لا تكمن في أنه غريب الأطوار، ولا في ميله لتوسع حدود اللياقة في مرحلة ما بعد العهد السوفياتي، لكن في حقيقة أن إظهاره للحرية الداخلية ما هو إلا خداع وسخرية، فالسياسة المختبئة خلف تلك الواجهة ليست سوى تلفيقات وقسوة، ولذلك من الصعب الاستمتاع بحس الفكاهة هنا.


*بالاتفاق مع «بلومبيرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة