حكاية «أبو رامي» والولايات الثلاث

حكاية «أبو رامي» والولايات الثلاث

الثلاثاء - 12 شعبان 1438 هـ - 09 مايو 2017 مـ رقم العدد [14042]

هذه ليست المرة الأولى التي ينشر فيها «داعش» مواد مصورة عن تدريبات عسكرية لمجموعات تابعة له، لكن الجدير بالتوقف عنده هذه المرة هو أن المادة الدعائية الأخيرة للتنظيم التي نشرت يوم الجمعة الماضي كانت لمجموعات أطلق عليها اسم «جنود الخلافة في شرق آسيا» خلال تدريبات عسكرية في جنوب الفلبين.
الوجود الرسمي لـ«داعش» في الفلبين كان قبل عام تقريباً بإعلان ما سماها «ولاية الفلبين»، وعين إنسلون هابلون، القيادي السابق المنشق عن «جماعة أبو سياف»، زعيماً لها. هابلون، كغيره من مقاتلي «جماعة أبو سياف» الذين ينتشر بينهم الجهل والخرافات بشكل كبير، ثقافته محدودة ولا يتقن سوى لهجته المحلية.
نهاية الشهر الماضي، قتلت القوات الفلبينية أحد أنشط عناصر «جماعة أبو سياف»، وأبرز وجوهها المعروفة للإعلام، وهو معمر (أو عمار) العسكري الذي يعرف أيضاً بـ«أبو رامي». ولهذه التسمية حكاية، ففي اليوم الثاني من اختطافي على يد «جماعة أبو سياف» في يونيو (حزيران) 2012، جاءني عمار وهو يحمل القرآن الكريم بيده، وقال لي بلغة إنجليزية ركيكة: «أنت عربي وتعرف العربية... ما معنى هذه الكلمة؟»، وهو يشير إلى «رميت»، فقلت له: هذا فعل من رمى يرمي، ومن يُجده نُسمّه «الرامي» بالعربية، فقال: «إذن أنا من اليوم (أبو رامي)»، وعاش بعدها يحمل هذه الكنية، وقُتل وهو يحملها.
ترك «أبو رامي» دراسته الجامعية في السنة الأولى، والتحق بصفوف «الجبهة الوطنية لتحرير مورو»، ثم تركها ليلتحق بـ«جماعة أبو سياف»، ولم يتجاوز السابعة والعشرين عندما قُتل. كان الأوفر حظاً في التعليم من بين عناصر المجموعة التي اختطفتني، فجلهم لا يعرف إلا الغابة التي ولد وعاش فيها. حتى زعيم المجموعة التي اختطفتني؛ كسمان سوادجان، لم يعرف طريق التعليم قط، فقد كان يفتخر بأنه كان قرصاناً مشهوراً في جزيرة تاوي تاوي، وكان يسطو على السفن العائدة من الصيد، فيسرق ما فيها من حمولة أسماك، ثم تحول فجأة إلى قيادي في «جماعة أبو سياف».
أما أكثرهم ثقافة، أي «أبو رامي» فكان كثير التردد على الكوخ الذي سُجنت فيه. وسألني ذات مرة: «هل الأميركيون شيعة؟»، وسأل مرة أخرى: «هل لندن في أميركا؟»، فأجبته بأن «ما أعرفه أن لندن قبل اختطافي كانت في مكان، وأميركا في مكان آخر، لكن لا أدري ماذا حدث بعد اختطافي».
في جنوب الفلبين، جماعات عدة تحمل اسم «أبو سياف» يفوق عددها العشر، وتتمركز في جزيرتي سولو وباسيلان، ولا يربطها بالزعيم الأول رادولان ساهيرون سوى حصة مخصصة له من عمليات الخطف والسطو. ومقابل ذلك تحمل هذه المجموعات اسم «أبو سياف»، وهي رفضت في معظمها حتى الآن الانضمام إلى «داعش».
أما «داعش» فلديه اليوم ثلاث ولايات؛ هي ولاية جزيرة باسيلان التي يتزعمها إنسلون هابلون، وولاية راناو التي يتزعمها الأخوان مؤوتا، وولاية مغندناو التي شكلها مقاتلون منشقون عن «جبهة تحرير مورو الإسلامية» يقودهم إسماعيل أبو بكر المعروف باسم «القائد بونغُس». ومن غير الواضح بعد إن كانت المجموعتان الأخيرتان قد قبلتا بإنسلون هابلون زعيماً عليهما؛ إذ ينظر إليه على أنه جاهل، فيما قيادة المجموعتين الأخيرتين تخرجتا في جامعات عربية.
هذه المجموعات، تلك التي تحت «داعش» والأخرى التي تحت «أبو سياف»، ناصبت «جبهة تحرير مورو» العداء بعد أن وقعت اتفاقاً مع الحكومة لإقامة حكم ذاتي لمسلمي الجنوب، وأصبح الحاج مراد إبراهيم زعيم الجبهة في نظرهم مرتداً عن الإسلام. وللتكفير والردة حكاية أيضاً مع هذه المجموعات.
كان «أبو رامي» كلما شعر بأن المفاوضات تتقدم، وأن المال قد اقترب، يأتيني ويقول لي: «أنت أخي وسنطلق سراحك قريباً»، وحين تتعثر المفاوضات أو ينقطع التواصل مع «جبهة تحرير مورو» التي كانت تفاوض للإفراج عني، كان يأتيني ويقول لي: «أنتم خوارج». سألته مرة: هل تعرف ماذا تعني كلمة خوارج؟ فصمت، لأنه لم يكن يعرف ماذا تعني!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة