وليد أبي مرشد
صحافيّ وكاتب وخبير اقتصادي لبنانيّ
TT

الحل... «لويا جيرغا» لبناني

أرادوه قانوناً يحل مشكلة، فتحول إلى قانون - مشكلة.
هذه هي، عادة، حال أي إجراء من شأنه المس «بالأمر الواقع» في لبنان، فكيف بقانون انتخاب قد يبدل صورة النظام وأربابه؟
إذا كان ثمة عبرة لتعثر مسعى التوصل إلى قانون انتخابي جديد «لا يفني الغنم، ولا يقتل الناطور»، فهي قطعاً أرجحية «التوافقية» على «الديمقراطية» في نظام سياسي يصفه أصحاب القرار بـ«الديمقراطية التوافقية».
تعثر كل مشاريع القوانين الانتخابية، بعد أسابيع وشهور وسنوات طويلة من الجدل والنقاش والبحث والتمحيص، مؤشر واضح على أن «التوافقية» دجّنت الديمقراطية العددية في لبنان، بحيث لا تعكر صفو خاطرها، أو بتعبير أكثر واقعية: حساسياتها المذهبية المرتبطة ارتباطاً عضوياً بهيكلية زعامات لبنان التقليدية.
ربما كان أبسط ما غفل عنه دعاة القانون الانتخابي «الجديد» أن تجاوز «القديم» في لبنان أصعب بكثير من قلع «ضرس العقل» دون بنج موضعي.
لبنان بلد الأمر الواقع بامتياز: تعديل دستوره استوجب حرباً أهلية دامت خمس عشرة سنة، إقرار موازنته العامة استغرق اثنتي عشرة سنة من التأجيل، فيما تبني سلسلة الرتب والرواتب يتأرجح منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويبدو مرشحاً لإقامة طويلة في قاعة الانتظار.
ما من قضية عامة في لبنان لا تتحول إلى مشكلة، ومشكلة مزمنة عادة. ومسلسل ملفات هذه المشكلات ما زال ظاهراً للعيان: الكهرباء والماء والنفايات والفساد.
على خلفية واقع بات أقرب إلى التقليد منه إلى الحدث العابر، لم يعد السؤال المطروح: أي قانون انتخاب أفضل للبنانيين؟ بقدر ما هو: لماذا الانتخاب في لبنان؟
اللهم ليست دعوة إلى تكريس الفراغ الدستوري والتشريعي في بلد ما زال في أمس الحاجة إليهما، بل إلى استيلاد نظام تمثيلي شامل وعادل، لا يقسم اللبنانيين، ولا يتحدى «الأمر الواقع»، ولا يهدد التقاليد. والنظام الأقرب إلى هذه المواصفات هو نظام «اللويا جيرغا»، المعمول به في أفغانستان - ربما مع بعض التعديلات الشكلية.
رغم أن أفغانستان آخر نموذج تشريعي يحتذى في القرن الحادي والعشرين، تعتبر «اللويا جيرغا» تجربة ناجحة إلى حد حمل الولايات المتحدة على اعتمادها مرجعاً رسمياً للتصديق على الاتفاقية الأمنية مع حكومة كابل عام 2013، وإضفاء الشرعية على التغييرات الجذرية التي أدخلتها على البلاد بعد احتلالها.
«اللويا جيرغا» مؤسسة قبلية تضم رؤساء القبائل الأفغانية وأعيانها ووجهاءها، اضطلعت بدور بارز في المحافظة على الاستقرار السياسي في أفغانستان في ظروف صعبة. ورغم قيام الدولة الشيوعية عام 1978، لم تفقد «اللويا جيرغا» دورها، فانعقدت مراراً منذ ذلك الوقت، إلى أن استكملت أفغانستان هيكليتها السياسية انطلاقاً من هذه المؤسسة القبلية.
تجربة أفغانستان السياسية تظهر أن هذا النوع من المجالس القبلية لن يفقد دوره في المستقبل القريب، وما زال الأقرب إلى نمط المجتمع القبلي الأفغاني. وإذا كان طابع المجتمع اللبناني يختلف عن المجتمع الأفغاني، فإن عوامل الشبه بينهما كثيرة: الارتباطات القبلية في أفغانستان تقابلها الارتباطات المذهبية في لبنان، وأعيان المجتمع العشائري في أفغانستان يقابلهم أعيان البيوتات السياسية في لبنان. أما الوجهاء، فلا حصر لأعدادهم في مجتمع لبنان المدني. لذلك قد لا يكون من المبالغة في شيء القول إن هيكلية «اللويا جيرغا» اللبناني قائمة عملياً، ولا تحتاج إلى أكثر من تشريعها بمرسوم ينهي الخلاف حول قانون الانتخاب، ويرضي الجميع بلا استثناء، وقبل كل ذلك يحافظ على «الأمر الواقع» العزيز على المؤسسة السياسية في لبنان.
عذرنا أننا طلبنا نظاماً تمثيلياً من الغرب وفشلنا، فماذا يضيرنا أن نطلبه مرة من الشرق، علماً بأننا «كلنا في الهم شرق».