جمال مصطفى: عجزت عن تأمين الرشوة للقاضي فأبقوني محتجزاً 10 سنوات إضافية

صهر صدام حسين وسكرتيره الثاني يروي لـ«الشرق الأوسط» أيام القصر والزنزانات (الأخيرة)

TT

جمال مصطفى: عجزت عن تأمين الرشوة للقاضي فأبقوني محتجزاً 10 سنوات إضافية

جنود أميركيون يُسقطون تمثال صدام حسين في بغداد 7 أبريل 2003 (رويترز)
جنود أميركيون يُسقطون تمثال صدام حسين في بغداد 7 أبريل 2003 (رويترز)

كانت رحلة جمال مصطفى السلطان، صهر الرئيس صدام حسين وسكرتيره الثاني، شاقة. ذهب لإحضار العشائر للدفاع عن بغداد لكن حين عاد إليها كانت قد احتُلت. أمسى مطلوباً وظهرت صورته على ورق اللعب الذي وزعه الأميركيون حاملاً أرقام كبار المطلوبين. توجه سراً إلى الأراضي السورية لكن السلطات هناك رفضت استقباله وأعادته إلى الأراضي العراقية فاعتُقل.

اتُهم جمال خلال وجوده في المعتقل بقيادة المقاومة وتفجير سيارات مفخخة لكن المحكمة لم تستطع العثور على ما يبرر الحكم عليه. في 2011 حدثت مفاجأة غير عادية. أرسل إليه القاضي أن لا شيء يدينه وأنه جاهز للإفراج عنه لكن مقابل مبلغ محترم بالدولار. لم يكن يملك مثل هذا المبلغ فاقترح على القاضي أن يتولى أمر بيع قطعة أرض ورثها عن أجداده وأن يأخذ ثمنها. رفض القاضي وأُبقي جمال في المعتقل عشر سنوات إضافية ثم أُفرج عنه لعدم كفاية الأدلة.

بعد خروجه من المعتقل توجه جمال إلى أربيل. أبلغه صديق له أن الزعيم الكردي مسعود بارزاني يريد أن يراه فذهب إليه. استقبله بارزاني بـ«حفاوة وشهامة» وسأله عما يحتاج إليه، فطلب مساعدته في استخراج جواز سفر. استوقفتني لدى تفريغ التسجيل إشادته ببارزاني. اتصلت به وقلت له إن رئيس المراسم في القصر الدكتور نديم الياسين، قال لي إن صدام تحدث عن مسعود باحترام، وقال: «بارزاني خصم عنيد لكنه خصم شريف». رد جمال: «نعم إنه فارس. ودعني أكشف لك عن أمر. قبل شهور من الغزو بعث بارزاني برسالة إلى الرئيس يؤكد فيها أن بنادق الأكراد لن توجَّه أبداً إلى الجيش العراقي».

العراق منجم حكايات مؤلمة. حكايات موالين وحكايات معارضين. أسباب هذا الحوار صحافية. شعرت أن لدى جمال مصطفى قصة من حق قراء «الشرق الأوسط» أن يعرفوها. خرج عن صمته وتحدث وهنا نص الحلقة الأخيرة:

سألت جمال مصطفى أين كان حين بدأت الحرب وكيف اعتُقل وسأتركه يروي: «كنت آنذاك في بغداد، وكنت قد كُلفت من السيد الرئيس، الله يرحمه ويغفر له، بأن أرجع إلى عملي السابق وهو العشائر. أتذكر، وبطريقة مهذبة، فاتحني بهذا الموضوع، قال لي: كونك أنت كنت على العشائر سترجع إلى عملك. نحن عادةً الوزير نكلفه بوزارة وعنده عمل سابق ونطلب منه أحياناً أن يعود إلى عمله السابق إذا ظهرت حاجة إليه. إن كانت وزارة يرجع إلى الوزارة التي عمل فيها وإن كانت أدنى من ذلك أيضاً يرجع إلى العمل وينجز أعماله. فقلت له: سيدي أنا جندي وحاضر أينما توجهني. فقال لي: كونك عندك علاقات إيجابية مع شيوخ العشائر، تلتقيهم وتنقل إليهم تحياتي. كان له اهتمام كبير بالعشائر وشيوخ العشائر من خلال مناسبات كثيرة إضافةً إلى إجراء لقاءات شخصية معهم أحياناً. قال لي: تلتقيهم. وكانت هناك وثيقة منه كتبها بخط يده لكل شيخ، يوصيهم كيف يتعاملون وكيف يواجهون ويقاتلون المحتل. وقالك تعطيهم خرجية. الخرجية في العراق تعني الفلوس. العراقيون أهل كرم وجود، وعندما تأتي قطاعات العسكرية تكون مجاورة لهم. مؤكَّد أن شيخ العشيرة وأبناءها يساهمون في ضيافتهم. وهكذا نساعدهم ليساعدوا الجيش القريب منهم.

وفعلاً تم الاهتمام بهذا الجانب، واستمررت في هذا العمل. وكُلفت أيضاً بالذهاب إلى الأنبار لتحشيد العشائر وجلبهم إلى بغداد لحمايتها والدفاع عنها.

شغل جمال مصطفى السلطان منصب السكرتير الثاني للرئيس العراقي الراحل صدام حسين

هذا عشية الحرب. وفي أثناء الحرب التقيت أكثر من 4500 أو 5000 شيخ عشيرة في تلك الفترة. في مرحلة الحرب التقيتهم. جاءوا من كل المحافظات والتقيتهم في بغداد. وعندما ذهبت إلى الأنبار اجتمعت بهم على مدى يومين، لكن عندما عدت إلى بغداد وجدت كل شيء مختلفاً والوضع كله منهاراً.

وجدت بغداد وقد احتُلت. عند ذلك رحت أبحث عن جماعتنا لأنني لم أجد أحداً منهم. في 11 أبريل (نيسان) بعثت سائقي إلى منطقة وقلت له ربما تجد أحداً من جماعتنا هناك، وأنا كان لدي شخص قريب مني من أهل الناصرية في بغداد. وفعلاً ذهب الرجل ليبحث عن أحد من جماعتنا، وصدفة التقى أخي الفريق الركن كمال مصطفى الذي سأله: أين جمال؟ فقال له: موجود عند فلان صديقه. جاء إلى المكان الذي كنت فيه، وقال لي: نخرج من بغداد. قلت له: أنا لم أفكر أن أغادرها، فقال: طيب لنكن منطقيين، لو بقينا في بغداد ماذا سنقدم؟ هل نمتلك أسلحة؟ لا. هل لدينا رجال؟ لا. هل نمتلك أموالاً؟ لا. إذاً ربما نُعتقَل، الأفضل أن نغادر.

فعلاً غادرنا بغداد وذهبنا باتجاه الرمادي، وكانت علاقاتي واسعة مع شيوخ العشائر، وإخواننا من العشائر كانوا حقيقة ممتازين، وكانوا يرحبون ويهتمون رغم الظروف الصعبة، وبتنا ليلة لدى أحد الشيوخ واتفقنا على أن نغادر إلى سوريا.

غادرنا إلى سوريا، وهناك في سوريا تفرقنا. الفريق كمال ذهب في جهة، وأنا وخالد نجم (آخر مدير للمخابرات قبل الاحتلال بثلاثة أيام) أصبحنا في جهة. عندما وصلنا إلى سوريا اتصلتُ بأخ، وكان صديقاً لي، هو خميس الخنجر، هو كان في الأردن وقلت له: نحن في سوريا، وقال: سآتي إليك في سوريا لأرتِّب لك وضعك. انتظرته. اتصلت مرة أخرى فأقفل الهاتف إلى يومنا هذا. ثم قال السوريون: ترجعون من حيث أتيتم. فرجعنا. أمضينا في سوريا فترة قصيرة جداً لا تزيد على يومين.

عدت أنا وخالد نجم إلى بغداد، وذهبت إلى صديق وزميل، هو كان صديقي وزميلي وأستاذي في ذات الوقت، الدكتور حافظ الدليمي، وجلسنا عنده ورحَّب بنا وكان إنساناً يحمل مشاعر الأصالة والعروبة. أقول عنه صديقي وأستاذي وزميلي، إذ درست معه في المرحلة الأخيرة في الجامعة.

أقمنا لدى الدكتور حافظ وأعدَّ لنا غداء، يومها لم يكن كل شيء موجوداً، تغدينا بطاطا، وفي أثناء ذلك جاء ابن أخيه واسمه ثائر. وثائر الدليمي أيضاً كانت تربطنا به علاقة إيجابية، وقال: لماذا لا نسلِّم أنفسنا لجماعة أحمد الجلبي. قلنا له: غير ممكن، ولا نقبل مطلقاً. حاول فلم يجد لدينا استجابة فذهب. بعد ذلك بفترة قصيرة، جاء مسلحون ودخلوا علينا ملثمين، مجموعة كبيرة ودبابات، فتم اعتقالنا وأُخذنا إلى نادي الصيد ومنه إلى السجن. هذا يوم لا أنساه، وكان يوم 21/4/2003».

نبأ اعتقال صدام «أنهى آمال التحرير»

سألت السكرتير الثاني عن المعتقل والتحقيقات واعتقال صدام حسين فقال: «عندما وصلنا إلى المعتقل الأميركي كان التحقيق من قبل الأميركيين ومن جهات متعددة فيهم. لم تغب عن التحقيقات ممارسات القسوة والأذى النفسي والجسدي وكل ما يمكن أن يخطر في بالك. انصبت التحقيقات في البداية على موضوع أسلحة الدمار الشامل. هل يمتلك العراق أسلحة دمار شامل؟ وأين هي؟ أياً كان يلتقونه يسألونه هذا السؤال. وكذلك عن الطيار الأميركي (مايكل سكوت سبايكر الذي أُسقطت طائرته إبان حرب الخليج الثانية)، هل تعرف شيئاً عن الطيار الأميركي؟ طيار أميركي أُسقط في العراق وبعد فترة من الزمن خرج الناس يبحثون عنه، ولجنة أميركية أيضاً دخلت بالتعاون مع العراق للبحث عن هذا الطيار، وفعلاً وجدوا أجزاء من رفاته وأصبح معلوماً لدى الأميركيين أنه قُتل في أثناء سقوطه من الطائرة. لكنَّ الأميركيين يعتقدون دوماً أن المؤامرة موجودة وأن الكلام ربما يكون غير صحيح وربما هو مخفي وكذا... وكان هذا السؤال يُطرح حول هذا الجانب. الطيار يهودي الديانة وجنسيته أميركية، للأسف سُميت (قاعدة سبايكر) في العراق باسمه.

في المعتقل كانت هناك قواطع، ومجموعات. في كل قاطع 21 شخصاً، وفي كل بلوك 7 أشخاص. وكانوا يُخرجوننا للرياضة، نتمشى قليلاً ونُمضي نحو نصف ساعة. وأتذكر أن أحمد حسين، رئيس الديوان، كان في قاطعنا ذاته، وكان بلوكهم يخرج للرياضة، ثم بعدها يطلع بلوكنا للرياضة. في أثناء مشيه أمامي، قال لي: للأسف اليوم اعتقلوا السيد الرئيس، جاءنا هكذا خبر. تألمت جداً لأننا كنا نتحدث في بعض الأحيان أنا وبعض والإخوان والزملاء بأن وجود السيد الرئيس خارج السجن هو الأمل الكبير لتحرير العراق. بعدما اعتُقل وجدنا أن العراق احتُلَّ الآن، واستمرارية الاحتلال دائمة.

كنت في هذه الأثناء أرى مقابلنا، حيث يوجد بلوك ثانٍ في نهاية بلوكات السجن، عملاً مستمراً هناك. كان هناك نجارون وحرفيون... وكان العمل دؤوباً ولا نعرف الأسباب، كنا نعتقد أن هناك شيئاً آخر أو أنهم يضيفون شيئاً آخر للسجن، لكنهم أقاموا ستاراً ولم نعد نرى الممر الذي أمامنا. بنوا جداراً خشبياً في هذا المكان».

سألته: هل كان صدام حسين يقود المقاومة قبل اعتقاله؟ فأجاب: «نعم. المقاومة بدأ عملها بعد الحرب. لم يكن موضوع المقاومة معداً سلفاً لأن العمل كان آنذاك عسكرياً بحتاً، قطاعات عسكرية مقابل قطاعات عسكرية. بعد الاحتلال، بدأ عمل آخر، صفحة أخرى، لأن المعركة صفحات. نعم كان السيد الرئيس يقود المقاومة، وكان أمل المقاومة، وأمل العراقيين، وأمل العرب والمسلمين».

رسالة من الأسرة بعد سنتين

سألته: متى تمكَّن من الاتصال بعائلته بعد اعتقاله؟ فروى: «بالنسبة إلى أسرتي، كان مفقوداً التواصل معها، ولم أكن أحمل رقم تليفون لأحد من إخواني أو أصدقائي أو زملائي، وحتى لو كنت أحمل رقم تليفون لربما تغيرت التليفونات أو وضعها تغيّر أو ظرفها، خصوصاً أن البدالات (السنترالات) قُصفت. قُصف الكثير من البدالات وتوقفت اتصالات كثيرة في العراق. أتذكر أن الصليب الأحمر زارني في المعتقل، وفي أثناء زيارتهم، عرضوا عليَّ أن أكتب رسالة، إذ عادةً يَعرض الصليب الأحمر عندما يأتي إلى المعتقلات على المعتقل أن يكتب رسالة لعائلته. حقيقة وجدتُ نفسي في حيرة، لمن أكتب؟ إخواني لا أعرف أين هم، وأسرتي فقدت الاتصال بهم ولا أعرف أين هم، ولا أعرف أي شيء. خطر ببالي شيخ المدربين عمو بابا. عمو بابا معروف في العراق، مدرب كرة القدم. تبادر إلى ذهني أن عمو بابا أفضل سبيل لكي أوصل الرسالة، وربما هو يسهم بإيصال رسالتي إلى إخواني. وفعلاً قررت أن أكتب إلى عمو بابا، وكتبتها. أنا أيضاً لا أعرف عنوان عمو بابا، رغم أنني كنت أزوره في البيت لكنني لا أعرف عنوان البيت. أتذكر عنوان نادي الشرطة كوني كنت رئيس نادي الشرطة آنذاك، فكتبت الرسالة ووضعت عنوان نادي الشرطة وكتبت تُسلَّم باليد إلى شيخ المدربين عمو بابا.

جمال مصطفى السلطان (الشرق الأوسط)

الإخوان في نادي الشرطة، حقيقةً، يقدِّرونني ويحترمونني كثيراً، وهم موجودون ولا يزالون على تواصل معي، أوصلوا الرسالة إلى عمو بابا. عندما وصلت الرسالة، لم أكن بانياً عليها آمالاً كبيرة لأن الظرف صعب. بعد قرابة شهرين ونصف الشهر إلى ثلاثة أشهر، جاءتني رسالة من عمو بابا، يسلم فيها ويهتم ويسأل عن صحتي ووضعي وإلخ. وكان معه أيضاً شخص يعمل مدرباً عندي اسمه ياسين. كتبا الرسالة معاً وأرسلاها إليَّ وبعثا معاً حاجات، مثل ملابس رياضية وشورت وقميص، فصار التواصل مع عمو بابا، ومن خلاله وصلت رسالتي إلى إخواني، وبدأ التواصل مع إخواني، ثم بعد فترة من الزمن، قرابة السنتين، جاءتني الرسالة الأولى من أسرتي. الرسالة الأولى التي وصلت إليّ من أسرتي بعد سنتين من اعتقالي. رسالة من زوجتي حلا».

هل أفهم أنك لم تلتقِ عائلتك على مدى ثمانية عشر عاماً؟ فأجاب: «نعم لم أرهم ولم أرَ أطفالي على مدى 18 سنة ونصف السنة. لم يحصل أي لقاء معهم أو حديث، باستثناء فترة من الزمن عندما كنا عند الأميركيين الذين كانوا يعطوننا وقتاً جيداً بالقياس إلى اعتقالنا في السجون العراقية، كانوا يعطوننا 5 دقائق في الأسبوع للاتصال بعوائلنا. كنت أتصل، وأقسّم الوقت، أتحدث مع والدتي وإخواني دقيقتين ونصف الدقيقة، ودقيقتين ونصف الدقيقة أتحدث مع أسرتي. زوجتي حلا وبناتي أيضاً أتحدث معهم. كان التواصل بين فترة وأخرى، كل أسبوع أتحدث معهم. بعد 2010 عندنا انتقلنا إلى العراقيين تماماً، قطعوا التواصل تماماً ولم يكن هناك أي تواصل لأنهم لم يكونوا يعطوننا أي وقت، فضلاً عن ذلك، كنت أحرص على ألا أتصل من عند العراقيين، إذ ربما هناك أعداء وعملاء لجهات خارجية يمكن أن يسجلوا المكالمات بطريقة أو بأخرى، وإلخ».

خرج جمال مصطفى من المعتقل في يونيو (حزيران) 2021، فماذا فعل؟ يقول: «ذهبت وبت ليلة في بغداد لدى أحد الأصدقاء العراقيين الشرفاء. وكان بيته في الكاظمية. كان الرجل عراقياً أصيلاً شهماً غيوراً صاحب نخوة ووفَّر لي حماية إلى أن أوصلني إلى أربيل. عندما وصلت إلى أربيل سكنت عند أخي وجاءني زوار كثيرون من إخواننا العراقيين، من كل أنحاء العراق وكانت اتصالات أيضاً من كل أنحاء العالم بحكم علاقاتي العشائرية والرياضية مع العراقيين بصورة عامة، فكان يردني كثير من الاتصالات والزيارات، واستمررت على هذه الحال تقريباً نحو عشرين يوماً، ثم جاءني أحد الإخوان الأكراد وكانت تربطني به علاقة رياضية فقال لي: كاكا مسعود (مسعود بارزاني) يريد رؤيتك. نلتقي غداً عند الساعة الفلانية لكي تذهب وتلتقيه. وفعلاً ذهبنا.

في الحقيقة استقبلني الأستاذ مسعود استقبالاً حاراً وبحفاوة واحترام وتقدير وجلسنا وتحدثنا. شكرته لأن كل المواطنين العراقيين الذي هاجروا أو هُجروا من مدن كثيرة من العراق، الأنبار وصلاح الدين وكركوك والموصل، دخلوا أربيل وفتحت لهم الأبواب، في حين أن من كان يذهب إلى بغداد كان حظه جيداً إذا اكتفي بإبعاده، فهناك من اعتُقل وعُذب وهناك من خُطف واختفى، بينما هو فتح الأبواب لكل النازحين الذين دخلوا أربيل. شكرته على الموقف الوطني الكبير. في ذاك الوقت سألني الرجل ماذا أحتاج؟ فقلت له إنني أحتاج إلى شيء واحد هو إنجاز الجواز حتى ألتحق بعائلتي. تجاوب وأرسلوا لي شخصاً إلى البيت صوَّرني وبصّمني وجهّزني لهذا الأمر، وبدأ يتابع في بغداد لإنجاز الجواز، لأن الجواز يصدر من بغداد لا من أربيل. ذهب الشخص ليتابع وبقي شهوراً لكنه لم ينجز شيئاً لأن الحكومة العراقية لم تكن تريد أن تُنجز لي جوازاً وكان يتصرفون كأنهم صُدموا بخروجي.

خرجت من المعتقل بطرق متعددة ومتنوعة. أنا كنت دائماً أوصي أخي عندما كانت هناك فرصة للحديث معاً أيام الأميركيين بألا يوسّط أياً كان حتى لو رأيتني أُعدم مائة مرة. لكن تقدر تعمل بالجانب الآخر وهو الماديات لأن الماديات تعمل عملها في العراق، والمؤسف أن كثيرين يمكن أن يُباعوا ويُشتروا».

العدالة والدولار

سألته: هل صحيح أن قاضياً طلب منك قبل سنوات رشوة مقابل الإفراج عنك؟، فأجاب: «نعم، فعلاً القاضي طلب. هذا في عام 2011، اتُّهمت ظلماً بقضية زرع عبوات ناسفة وأنني التقيت جماعات إرهابية في نيوزيلندا وسوريا وجماعات إرهابية في تركيا. أشياء لا تصدَّق. أنا في السجن فكيف ألتقي جماعات إرهابية في نيوزيلندا وتركيا وسوريا؟ هذه كانت التهم الموجهة إليَّ، وكان اسم القاضي -تحتفظ (الشرق الأوسط) باسم القاضي لأسباب قانونية. فهمت أنه رجل يريد مالاً، وأنا ليست لدي فلوس والقانون معه، وفهمت أنه يريد مقابلاً ليطلق سراحي، أرسل يطلب مني مبلغاً محترماً بالدولار، فأرسلت إليه أنني للأسف ليس لديَّ هذا المبلغ لكن يمكن أن أعطيك شيئاً من أملاكي. أنا لديَّ قطع أرض، قطعة أو قطعتان، ربما أعطيك إياها مقابل المبلغ الذي تريده، فقال: لا، أنا أحتاج إلى أن تعطيني نقداً. تعطيني نقداً أُطلق سراحك، وإلا فلن أفعل. هذا في عام 2011. لم يطلق سراحي فظللت موجوداً في المعتقل والاتهامات مستمرة بين فترة وأخرى كما ذكرت لك، مثل قيادة المقاومة وتنظيم هجمات. وكانت استشارية الأمن الوطني، كما ذكرت لك، قد أكثرت الاتهامات ضدي في فترة من الفترات، وتبيّن أن هناك شخصاً يريد أن يوفّي لنا الدين السابق، وهو فالح الفياض. فالح الفياض رجل كان محكوماً بالإعدام في زماننا، وهو من (حزب الدعوة)، فالسيد الرئيس الله يرحمه ويغفر له أعفى عنه وأطلق سراحه. الرجل أراد أن يوفينا، كيف يوفينا؟ يتهمني يومياً تهمة».

سألته إن كانت لديه كلمة أخيرة، فأعرب عن الشكر والامتنان لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد ووالده والحكومة والشعب القطري «لما قدموه من رعاية واهتمام وحماية لعائلتي وعمتي».

كتب الرئيس إلى قادة العشائر يوصيهم بمقاومة الاحتلال وسلّمتهم خرجية لمساعدة الجنود

جمال مصطفى السلطان


مقالات ذات صلة

بصمات 11 سبتمبر حاضرة بعد ربع قرن

العالم العربي فشلت محاولتا التواصل بين نظام صدام وبن لادن لكن اتهامات التعاون طاردت العراق (أ.ف.ب)

بصمات 11 سبتمبر حاضرة بعد ربع قرن

بعد ربع قرن، كيف تركت هجمات 11 سبتمبر بصماتها في الشرق الأوسط؛ من سقوط «طالبان» وصدام إلى مواقف عرفات والقذافي وعلي صالح؟

غسان شربل (الرياض)
العالم العربي انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)

كواليس «جرعة السم» التي أنهت حرب السنوات الثماني بين بغداد وطهران

من جبهات «الفاو» إلى أروقة نيويورك... كيف أُجبرت إيران على إنهاء حرب الثماني سنوات؟

كوثر وكيل (لندن)
خاص رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)

خاص «كتاب العراق الأسود»... خوارزمية اقتصاديات الأحزاب

يكشف تحقيق «الشرق الأوسط» عن خوارزمية الكيانات المالية لأحزاب وميليشيات في العراق، وكيف أنشأت جيشاً من المقاولين والوسطاء والشركات الوهمية والفعلية.

علي السراي (لندن)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي في بغداد (أ.ف.ب)

الأمن العراقي يتهم صهر صدام بالتخطيط لاغتيال مسؤول بارز

أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي أنه «أحبط مخططاً» لاغتيال رئيسه وعدد من الضباط من «خلية معارضة» مرتبطة بصهر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين

فاضل النشمي (بغداد)
خاص الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي) p-circle

خاص قصة الهدير الإيراني من عاصفة الخميني إلى «طوفان السنوار»

من ثورة الخميني إلى سقوط صدام وصعود «الحشد»... كيف تلقّت طهران هدايا خصومها ومددت نفوذها في الإقليم.

غسان شربل (الرياض)

أنباء عن «ضوء أخضر أميركي» لمشاركة ممثلي فصائل في حكومة الزيدي

رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد في الحكومة (إعلام حكومي)
رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد في الحكومة (إعلام حكومي)
TT

أنباء عن «ضوء أخضر أميركي» لمشاركة ممثلي فصائل في حكومة الزيدي

رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد في الحكومة (إعلام حكومي)
رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد في الحكومة (إعلام حكومي)

أنجز رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تشكيلة حكومته بضمّ أعضاء مرتبطين بفصائل مسلحة حليفة لطهران بضوء أخضر أميركي، خصوصاً لجهة تعيين نائب له تصنّفه الولايات المتحدة «إرهابياً»، حسبما قال مصدران دبلوماسيان لوكالة الصحافة الفرنسية. وأعلن الزيدي، مساء الخميس، اكتمال حكومته بعد أكثر من 5 أشهر على توليه منصبه وتعهّده حصر سلاح الفصائل بيد الدولة، وهو مطلب أميركي رئيسي.

من بين الأسماء الجديدة، نائب رئيس الوزراء ليث الخزعلي، وهو مسؤول بارز في «عصائب أهل الحق» التي أعلنت في يونيو (حزيران) بدء تسليم سلاحها. وقال مصدر دبلوماسي في بغداد، الجمعة، إن الزيدي «حصل على موافقة أميركية ضمنية خلال زيارته في سبتمبر (أيلول) إلى الولايات المتحدة» حيث شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، والتقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وأوضح المصدر أن واشنطن غضّت الطرف عن مشاركة فصائل مقرّبة من إيران في الحكومة «بعدما وعد رئيس الوزراء بالمضي قدماً في خططه لنزع السلاح، وقدّم ضمانات بأن تلك المجموعات لن تهاجم المصالح الأميركية في العراق». وشدّد على أن «واشنطن تريد مساعدته (الزيدي) في المضي قدماً في خططه».

وليث الخزعلي هو شقيق قيس زعيم «عصائب أهل الحق». والأخوان مدرجان على قائمة واشنطن لـ«الإرهابيين العالميين»، وتعتبرهما «وكيلَين عنيفَين لإيران»، وتتّهمهما بشنّ هجمات على قواتها عقب غزو العراق عام 2003، بما في ذلك هجوم في 2007 أدّى إلى خطف وقتل 5 جنود أميركيين. وتنامى النفوذ السياسي لقيس وشقيقه ليث بعد فوز «العصائب» بـ27 مقعداً من أصل 329 في البرلمان في الانتخابات التشريعية العام الماضي. وكانت «العصائب» من أولى الفصائل التي أعلنت بدء تسليم سلاحها للدولة قبل نحو 4 أشهر. ولم يرتبط اسمها بأي هجمات على المصالح الأميركية أخيراً، فيما هاجمت أخرى منضوية ضمن فصائل «المقاومة الإسلامية»، هذه المصالح في العراق والمنطقة خلال الحرب في الشرق الأوسط.

ليث الخزعلي من فصيل «عصائب أهل الحق» اختير نائباً لرئيس الحكومة العراقية (موقع البرلمان)

فصيل متمسك بسلاحه

وأكّد مصدر دبلوماسي ثانٍ، حسب وكالة الصحافة الفرنسية، أن واشنطن منحت الزيدي الضوء الأخضر لإكمال تشكيلته الحكومية بمشاركة بعض الفصائل، بما فيها «كتائب سيد الشهداء» التي لا تزال متمسّكة بسلاحها، وحصل مرشّحها على وزارة السياحة. وسبق للولايات المتحدة أن تغاضت عن مشاركة فصائل مدرجة على قوائمها السوداء، في الحكومات العراقية خلال الأعوام الماضية. إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة في ظل التغييرات الواسعة التي تشهدها المنطقة على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لم يبق العراق في منأى عن تداعياتها الواسعة النطاق. وأشار المصدر الدبلوماسي الأول إلى أنه مع أن «الأمور تغيّرت» في بغداد، فإن واشنطن مستعدة لتعديل تكتيكاتها لتحقيق مصالحها.

وكانت حكومة الزيدي أمهلت أساساً الفصائل حتى 30 سبتمبر لتسليم سلاحها بالتزامن مع انتهاء مهمّة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»، الذي تذرّعت المجموعات بوجوده للتمسّك بسلاحها. غير أنها تراجعت بعد ذلك، ثم حددت 30 يونيو 2027 موعداً جديداً، في ظلّ استمرار مفاوضاتها مع الفصائل.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

نائب رابع ووزير هجرة

إلى ذلك، بارك رئيس مجلس النواب، هيبت الحلبوسي، إكمال التشكيلة الوزارية، متمنياً «لجميع أعضائها التوفيق في تحمل مسؤولياتهم الوطنية».

وقال الحلبوسي، في بيان، إن «هذه المرحلة تتطلب الانتقال الفوري من إكمال تشكيل الحكومة إلى العمل والإنجاز، بما يلبي تطلعات الشعب العراقي».

وبعد حصوله على ثقة البرلمان، قال ليث الخزعلي، إنه «سيعمل على الإسهام الفاعل في تنفيذ البرنامج الحكومي، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، ومتابعة المشاريع ذات الأولوية».

وكان البرلمان العراقي قد صوّت على 3 نواب لرئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، وعلى 11 مرشحاً للوزارات الشاغرة، بينهم وزير دولة ووزيران مستحدثان للحكومة والسياحة، باستثناء وزارة الهجرة.

واعتبر رئيس الحكومة علي الزيدي اكتمال الكابينة الحكومية، وتسمية نواب رئيسها، «يمثلان دعماً لقدرة الحكومة على إدارة الملفات الوطنية».

وثمة ردود فعل غاضبة من استحداث مناصب جديدة في الحكومة. وأعلن الحزب الشيوعي العراقي، عقب جلسة التصويت، رفضه «القاطع لهذه التشكيلة الحكومية، محمّلاً القوى التي تفاهمت على تمريرها كامل المسؤولية السياسية عن تكريس المحاصصة وإدامة النهج الفاشل الذي أفسد مؤسسات الدولة»، على حدّ تعبير بيان للحزب.


قطر تطرح مشروعاً متكاملاً لحل أزمة الكهرباء في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)
TT

قطر تطرح مشروعاً متكاملاً لحل أزمة الكهرباء في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام اقتراب التوصل إلى اتفاق مع قطر لإعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان، بموجب مشروع تتولى الدوحة تمويله وتنفيذه وتشغيله دون أن تتحمل الخزينة اللبنانية أي تكلفة استثمارية مسبقة، وذلك خلال استقباله رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الذي كشف عن تفاهم على إطار شامل للتعاون في قطاع الطاقة، يشمل مشروعاً استثمارياً كبيراً وحلولاً متكاملة لأزمة الكهرباء، إلى جانب مشاريع للربط في مجال الطاقة بين لبنان وسوريا والعراق.

وتصدّر ملف الطاقة المحادثات التي أجراها رئيس الوزراء القطري في بيروت، الجمعة، إلى جانب التطورات في الجنوب ودعم الجيش.

عون: لوقف الاعتداءات

وكان رئيس الوزراء القطري استهل لقاءاته الرسمية بزيارة قصر بعبدا، حيث استقبله الرئيس جوزيف عون، الذي أعرب عن تقديره للدور الذي يؤديه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والقيادة القطرية في السعي إلى إعادة الاستقرار لدول المنطقة من خلال تقريب وجهات النظر وإزالة أسباب التصعيد.

وتمنى عون أن تواصل الدوحة مساعيها مع الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة، للضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها في الجنوب، وتطبيق اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه نتيجة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.

وعرض الرئيس اللبناني أمام ضيفه ما يتعرض له الجنوب من اعتداءات إسرائيلية متواصلة، وما أسفرت عنه من ضحايا وجرحى وتدمير للقرى والبلدات الجنوبية، مشدداً على أهمية تكثيف الجهود الدبلوماسية لوقف العمليات العسكرية وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.

وجدد عون إدانته للاعتداءات التي تعرضت لها دول الخليج، وآخرها الاعتداءات على المملكة العربية السعودية، مؤكداً تضامن لبنان قيادة وشعباً مع الدول الخليجية.

وتطرق إلى العلاقات الثنائية، مرحّباً بتوسيع التعاون مع قطر في مختلف المجالات، ولا سيما قطاع الطاقة، الذي سبق للدوحة أن أبدت استعدادها للمساعدة في معالجة أزمته.

في المقابل، قال رئيس الوزراء القطري إن «قطاع الطاقة يأتي في أولوية اهتمامات جمهورية لبنان الشقيقة، ودولة قطر تسعى لتقديم حلول متكاملة في هذا المجال». وفيما يتعلق بالجنوب، قال: «تمت أيضاً مناقشة الوضعَين الإقليمي والدولي، ولا سيما الوضع في جنوب لبنان وتصرفات الاحتلال الإسرائيلي تجاه لبنان»، مضيفاً أن «دولة قطر تدعم طبعاً لبنان في كل الخطوات التي يقوم بها وتدعم توجه الدولة اللبنانية»، مع تأكيد ضرورة الانسحاب الإسرائيلي وتسليم الأراضي المحتلة إلى الجيش اللبناني.

سلام: قطر تتولى التمويل والتنفيذ والتشغيل

وأعلن سلام، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره القطري في السراي الحكومي، قائلاً: «إننا بتنا قريبين من التوصل إلى مشروع بين الحكومتَين اللبنانية والقطرية لإعادة تأهيل وتطوير وتحديث البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان»، موضحاً أن المشروع يستهدف توفير «حلول مستدامة» للأزمة التي يعاني منها اللبنانيون.

وقال إن المشروع «متكامل، ويطول مختلف مصادر إنتاج الطاقة والبنية التحتية اللازمة لها»، ويهدف إلى توفير الكهرباء بصورة أكثر استقراراً وبتكلفة أقل، مشيراً إلى أنه يقوم على «نموذج للتصميم والبناء والتشغيل ونقل الملكية».

وأكد سلام أن «قطر ستتولّى التمويل والتنفيذ والتشغيل لمشروع الكهرباء من دون أن تتحمّل الخزينة اللبنانية أي تكلفة استثمارية مسبقة»، معتبراً أن ذلك يساعد لبنان على تجاوز العقبات المالية التي تحول دون تحسين التغذية الكهربائية.

وشدد على أن الحكومة تهدف إلى «زيادة الإنتاج وخفض التكلفة وتحسين الإدارة»، لافتاً إلى أن توفير الكهرباء المنتظمة بتكلفة معقولة يشكّل فرصة لتحفيز الاستثمار وإنعاش الاقتصاد اللبناني.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال لقائه رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - رئاسة الحكومة اللبنانية)

وكان سلام بحث مع نظيره القطري توفير إمدادات الغاز وتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء، إلى جانب التحضير لاتفاق بين الحكومتَين يمهد لإطلاق الأعمال الهادفة إلى معالجة شاملة لأزمة الطاقة.

إطار شامل للتعاون

من جهته، أكد رئيس الوزراء القطري أن الجانبين «اتفقا على وضع إطار شامل للتعاون في مجال الطاقة وتقديم حلول متكاملة»، موضحاً أن الهدف هو إطلاق «مشروع استثماري ضخم يعود بالنفع على الاقتصاد اللبناني والجهات القطرية المشاركة».

وشدد على استمرار وقوف قطر إلى جانب اللبنانيين، قائلاً: «نقف إلى جانب الشعب اللبناني في هذه الفترة الصعبة على المنطقة كلّها»، مؤكداً تطلع بلاده إلى ترسيخ الشراكة بين البلدَين في مختلف القطاعات.

وفي الملف السياسي، دعا رئيس الوزراء القطري إلى تطبيق القرار الدولي «1701» من جميع الأطراف، وانسحاب إسرائيل من جميع النقاط التي تحتلها، والالتزام بالتفاهمات القائمة.

وكشف عن تنسيق قطري مع الولايات المتحدة الأميركية لإطلاق جهود إعادة إعمار جنوب لبنان، بما يسمح بعودة النازحين إلى مناطقهم، مجدداً تأكيد أن بلاده ستبقى داعمة للجيش اللبناني بصفته مؤسسة وطنية تحفظ أمن البلاد واستقرارها.

بري: لدعم الجيش

وفي بيروت أيضاً، التقى رئيس الوزراء القطري رئيس البرلمان نبيه بري، وبحث معه التطورات السياسية والميدانية في لبنان والمنطقة، في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب العلاقات اللبنانية-القطرية.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري خلال لقائه رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - رئاسة مجلس النواب)

وأعرب بري عن تقدير اللبنانيين لمواقف قطر وأميرها الداعمة للبنان، ولا سيما الجنوب، ولحرص الدوحة على دعم السيادة اللبنانية وتحرير الأراضي المحتلة وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، واستعدادها للإسهام في التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وأكد بري تطابق المواقف مع رئيس الوزراء القطري بشأن أهمية تعزيز الوحدة الوطنية الداخلية ودعم مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسات الأمنية وفي مقدمتها الجيش اللبناني، باعتباره الضامن للاستقرار والسيادة.


4 سوريين ولبناني شاركوا بالقبض على «جزّار بانياس» في لبنان

علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية
علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية
TT

4 سوريين ولبناني شاركوا بالقبض على «جزّار بانياس» في لبنان

علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية
علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية

انشغلت الأجهزة القضائية والأمنية في لبنان بحادثة اعتقال الضابط في النظام السوري السابق علي كيالي، المعروف باسم «معراج أورال»، من منطقة المنصورية في جبل لبنان، ونقله إلى سوريا، في عملية غامضة ومعقّدة. وتضاربت المعلومات حول كيفية تنفيذ العملية والوجهة التي اعتمدها الخاطفون في نقله من منطقة المتن (جبل لبنان) إلى الداخل السوري.

وغداة إعلان الجانب السوري عن العملية من دون أي تنسيق مسبق مع الدولة اللبنانية، سطّر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج استنابات قضائية إلى كلّ من مخابرات الجيش وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي والأمن العام، كلّفهم بموجبها تقصّي ملابسات العملية وتحديد هوية منفذيها.

4 سوريين ولبناني

وأوضح مصدر قضائي أن المعلومات الأولية تفيد بأن العملية «نفذها أربعة سوريين ولبناني واحد»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أنه «من خلال تتبع هواتف منفذي العملية، وتعقب الخطوط التي استخدمت في محيط منزل كيالي، تبيّن أنهم قبضوا على الأخير داخل منزله في منطقة المنصورية، وسلكوا الطريق الساحلي من جونية، مروراً بطرابلس، وصولاً إلى معبر العبودية الحدودي في عكّار». ونفى المصدر المعلومات التي تحدثت عن نقله إلى مقرّ السفارة السورية في اليرزة، مؤكداً أنه «جرى ضبط الكاميرات العائدة للسفارة ومحيطها، وتبيّن أنه لم ينقل إلى السفارة إطلاقاً».

أول صورة تنشرها السلطات السورية لعلي كيالي بعد القبض عليه

وتتهم السلطات السورية كيالي بالمسؤولية عن مجازر البيضا وبانياس في الساحل السوري عام 2013، حين كان يقود مجموعة مسلحة تقاتل إلى جانب قوات بشار الأسد. ووثّقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إعدام ما لا يقل عن 248 شخصاً في المنطقتين، بينهم نساء وأطفال، ووصفت وقائع القتل في البيضا بأنها من «أكثر عمليات الإعدام الجماعي دموية في النزاع السوري».

تضارب في الروايات

وتضاربت الروايتان السورية واللبنانية حول عملية الخطف، ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر أمني سوري أن العملية «حصلت بالتنسيق مع الجانب اللبناني». غير أن المصدر القضائي اللبناني نفى علم السلطات اللبنانية بها، وأوضح أن الأجهزة اللبنانية «لم تكن على علم بوجود كيالي في لبنان ولا بحادثة اختطافه إلّا بعد إعلان الجانب السوري». وشدد على أن «التحريات التي أجرتها الأجهزة الأمنية في الساعات الماضية، بيّنت أن هذا الشخص دخل لبنان مع زوجته خلسة في عام 2025، وبقي متخفياً ويتنقل بحذر شديد إلى حين اختطافه».

ووفق المعلومات التي أوردتها وكالة «الأناضول» التركية، فإن كيالي ولد في عام 1956 في محافظة هاتاي، جنوب تركيا، المحاذية للحدود السورية، وتتهمه أنقرة أيضاً بأنه «قاد مجموعة مسلحة عُرفت باسم (المقاومة السورية) و(الجبهة الشعبية لتحرير لواء الإسكندرون)، ومنخرط مع الاستخبارات السورية في ظلّ حكم بشار الأسد، بتفجيري الريحانية اللذين أوديا بحياة 53 شخصاً».

ضباط يلوذون بلبنان

وأعادت هذه الحادثة إلى الواجهة مسألة فرار العشرات من ضباط النظام السوري السابق إلى لبنان، إثر فرار بشار الأسد وسقوط نظامه أواخر عام 2024.

ولا يفصل المصدر القضائي اللبناني هذه القضية عن توقيف سليمان هلال الأسد قبل أسابيع، وقبله اللواء عادل عيسى داخل السفارة السورية في بيروت (علماً بأن القضاء اللبناني اتخذ لاحقاً قراراً بتسليمه إلى دمشق). ويرى المصدر أن تتابع هذه الحالات «يشير إلى وجود ضباط وشخصيات من النظام السابق في لبنان»، مرجّحاً أن يكون بعضهم «يحظى بحماية أمنية من أحزاب حليفة لنظام الأسد مثل (حزب الله) وغيره، وبعضهم يقيم بصورة غير شرعية أو يستخدم وثائق مزوّرة لتفادي كشف هويته».

وشدد المصدر القضائي على أن لبنان «متعاون مع السلطات السورية في المراسلات المتعلقة بمطلوبين من النظام السابق، كما يتعاون مع الجهات الدولية بشأن طلبات التوقيف والتعاميم الواردة عبر الإنتربول بحق مسؤولين أمنيين سوريين تلاحقهم اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة (أبرزهم رئيس مكتب الأمن القومي السابق اللواء علي مملوك، وقائد المخابرات الجوية اللواء جميل الحسن، ومدير فرع التحقيق في المخابرات الجوية العميد عبد السلام محمود)». ولفت المصدر إلى أنه «لم تتوفر أي معلومات عن وجودهم على الأراضي اللبنانية».