جمال مصطفى: عجزت عن تأمين الرشوة للقاضي فأبقوني محتجزاً 10 سنوات إضافية

صهر صدام حسين وسكرتيره الثاني يروي لـ«الشرق الأوسط» أيام القصر والزنزانات (الأخيرة)

TT

جمال مصطفى: عجزت عن تأمين الرشوة للقاضي فأبقوني محتجزاً 10 سنوات إضافية

جنود أميركيون يُسقطون تمثال صدام حسين في بغداد 7 أبريل 2003 (رويترز)
جنود أميركيون يُسقطون تمثال صدام حسين في بغداد 7 أبريل 2003 (رويترز)

كانت رحلة جمال مصطفى السلطان، صهر الرئيس صدام حسين وسكرتيره الثاني، شاقة. ذهب لإحضار العشائر للدفاع عن بغداد لكن حين عاد إليها كانت قد احتُلت. أمسى مطلوباً وظهرت صورته على ورق اللعب الذي وزعه الأميركيون حاملاً أرقام كبار المطلوبين. توجه سراً إلى الأراضي السورية لكن السلطات هناك رفضت استقباله وأعادته إلى الأراضي العراقية فاعتُقل.

اتُهم جمال خلال وجوده في المعتقل بقيادة المقاومة وتفجير سيارات مفخخة لكن المحكمة لم تستطع العثور على ما يبرر الحكم عليه. في 2011 حدثت مفاجأة غير عادية. أرسل إليه القاضي أن لا شيء يدينه وأنه جاهز للإفراج عنه لكن مقابل مبلغ محترم بالدولار. لم يكن يملك مثل هذا المبلغ فاقترح على القاضي أن يتولى أمر بيع قطعة أرض ورثها عن أجداده وأن يأخذ ثمنها. رفض القاضي وأُبقي جمال في المعتقل عشر سنوات إضافية ثم أُفرج عنه لعدم كفاية الأدلة.

بعد خروجه من المعتقل توجه جمال إلى أربيل. أبلغه صديق له أن الزعيم الكردي مسعود بارزاني يريد أن يراه فذهب إليه. استقبله بارزاني بـ«حفاوة وشهامة» وسأله عما يحتاج إليه، فطلب مساعدته في استخراج جواز سفر. استوقفتني لدى تفريغ التسجيل إشادته ببارزاني. اتصلت به وقلت له إن رئيس المراسم في القصر الدكتور نديم الياسين، قال لي إن صدام تحدث عن مسعود باحترام، وقال: «بارزاني خصم عنيد لكنه خصم شريف». رد جمال: «نعم إنه فارس. ودعني أكشف لك عن أمر. قبل شهور من الغزو بعث بارزاني برسالة إلى الرئيس يؤكد فيها أن بنادق الأكراد لن توجَّه أبداً إلى الجيش العراقي».

العراق منجم حكايات مؤلمة. حكايات موالين وحكايات معارضين. أسباب هذا الحوار صحافية. شعرت أن لدى جمال مصطفى قصة من حق قراء «الشرق الأوسط» أن يعرفوها. خرج عن صمته وتحدث وهنا نص الحلقة الأخيرة:

سألت جمال مصطفى أين كان حين بدأت الحرب وكيف اعتُقل وسأتركه يروي: «كنت آنذاك في بغداد، وكنت قد كُلفت من السيد الرئيس، الله يرحمه ويغفر له، بأن أرجع إلى عملي السابق وهو العشائر. أتذكر، وبطريقة مهذبة، فاتحني بهذا الموضوع، قال لي: كونك أنت كنت على العشائر سترجع إلى عملك. نحن عادةً الوزير نكلفه بوزارة وعنده عمل سابق ونطلب منه أحياناً أن يعود إلى عمله السابق إذا ظهرت حاجة إليه. إن كانت وزارة يرجع إلى الوزارة التي عمل فيها وإن كانت أدنى من ذلك أيضاً يرجع إلى العمل وينجز أعماله. فقلت له: سيدي أنا جندي وحاضر أينما توجهني. فقال لي: كونك عندك علاقات إيجابية مع شيوخ العشائر، تلتقيهم وتنقل إليهم تحياتي. كان له اهتمام كبير بالعشائر وشيوخ العشائر من خلال مناسبات كثيرة إضافةً إلى إجراء لقاءات شخصية معهم أحياناً. قال لي: تلتقيهم. وكانت هناك وثيقة منه كتبها بخط يده لكل شيخ، يوصيهم كيف يتعاملون وكيف يواجهون ويقاتلون المحتل. وقالك تعطيهم خرجية. الخرجية في العراق تعني الفلوس. العراقيون أهل كرم وجود، وعندما تأتي قطاعات العسكرية تكون مجاورة لهم. مؤكَّد أن شيخ العشيرة وأبناءها يساهمون في ضيافتهم. وهكذا نساعدهم ليساعدوا الجيش القريب منهم.

وفعلاً تم الاهتمام بهذا الجانب، واستمررت في هذا العمل. وكُلفت أيضاً بالذهاب إلى الأنبار لتحشيد العشائر وجلبهم إلى بغداد لحمايتها والدفاع عنها.

شغل جمال مصطفى السلطان منصب السكرتير الثاني للرئيس العراقي الراحل صدام حسين

هذا عشية الحرب. وفي أثناء الحرب التقيت أكثر من 4500 أو 5000 شيخ عشيرة في تلك الفترة. في مرحلة الحرب التقيتهم. جاءوا من كل المحافظات والتقيتهم في بغداد. وعندما ذهبت إلى الأنبار اجتمعت بهم على مدى يومين، لكن عندما عدت إلى بغداد وجدت كل شيء مختلفاً والوضع كله منهاراً.

وجدت بغداد وقد احتُلت. عند ذلك رحت أبحث عن جماعتنا لأنني لم أجد أحداً منهم. في 11 أبريل (نيسان) بعثت سائقي إلى منطقة وقلت له ربما تجد أحداً من جماعتنا هناك، وأنا كان لدي شخص قريب مني من أهل الناصرية في بغداد. وفعلاً ذهب الرجل ليبحث عن أحد من جماعتنا، وصدفة التقى أخي الفريق الركن كمال مصطفى الذي سأله: أين جمال؟ فقال له: موجود عند فلان صديقه. جاء إلى المكان الذي كنت فيه، وقال لي: نخرج من بغداد. قلت له: أنا لم أفكر أن أغادرها، فقال: طيب لنكن منطقيين، لو بقينا في بغداد ماذا سنقدم؟ هل نمتلك أسلحة؟ لا. هل لدينا رجال؟ لا. هل نمتلك أموالاً؟ لا. إذاً ربما نُعتقَل، الأفضل أن نغادر.

فعلاً غادرنا بغداد وذهبنا باتجاه الرمادي، وكانت علاقاتي واسعة مع شيوخ العشائر، وإخواننا من العشائر كانوا حقيقة ممتازين، وكانوا يرحبون ويهتمون رغم الظروف الصعبة، وبتنا ليلة لدى أحد الشيوخ واتفقنا على أن نغادر إلى سوريا.

غادرنا إلى سوريا، وهناك في سوريا تفرقنا. الفريق كمال ذهب في جهة، وأنا وخالد نجم (آخر مدير للمخابرات قبل الاحتلال بثلاثة أيام) أصبحنا في جهة. عندما وصلنا إلى سوريا اتصلتُ بأخ، وكان صديقاً لي، هو خميس الخنجر، هو كان في الأردن وقلت له: نحن في سوريا، وقال: سآتي إليك في سوريا لأرتِّب لك وضعك. انتظرته. اتصلت مرة أخرى فأقفل الهاتف إلى يومنا هذا. ثم قال السوريون: ترجعون من حيث أتيتم. فرجعنا. أمضينا في سوريا فترة قصيرة جداً لا تزيد على يومين.

عدت أنا وخالد نجم إلى بغداد، وذهبت إلى صديق وزميل، هو كان صديقي وزميلي وأستاذي في ذات الوقت، الدكتور حافظ الدليمي، وجلسنا عنده ورحَّب بنا وكان إنساناً يحمل مشاعر الأصالة والعروبة. أقول عنه صديقي وأستاذي وزميلي، إذ درست معه في المرحلة الأخيرة في الجامعة.

أقمنا لدى الدكتور حافظ وأعدَّ لنا غداء، يومها لم يكن كل شيء موجوداً، تغدينا بطاطا، وفي أثناء ذلك جاء ابن أخيه واسمه ثائر. وثائر الدليمي أيضاً كانت تربطنا به علاقة إيجابية، وقال: لماذا لا نسلِّم أنفسنا لجماعة أحمد الجلبي. قلنا له: غير ممكن، ولا نقبل مطلقاً. حاول فلم يجد لدينا استجابة فذهب. بعد ذلك بفترة قصيرة، جاء مسلحون ودخلوا علينا ملثمين، مجموعة كبيرة ودبابات، فتم اعتقالنا وأُخذنا إلى نادي الصيد ومنه إلى السجن. هذا يوم لا أنساه، وكان يوم 21/4/2003».

نبأ اعتقال صدام «أنهى آمال التحرير»

سألت السكرتير الثاني عن المعتقل والتحقيقات واعتقال صدام حسين فقال: «عندما وصلنا إلى المعتقل الأميركي كان التحقيق من قبل الأميركيين ومن جهات متعددة فيهم. لم تغب عن التحقيقات ممارسات القسوة والأذى النفسي والجسدي وكل ما يمكن أن يخطر في بالك. انصبت التحقيقات في البداية على موضوع أسلحة الدمار الشامل. هل يمتلك العراق أسلحة دمار شامل؟ وأين هي؟ أياً كان يلتقونه يسألونه هذا السؤال. وكذلك عن الطيار الأميركي (مايكل سكوت سبايكر الذي أُسقطت طائرته إبان حرب الخليج الثانية)، هل تعرف شيئاً عن الطيار الأميركي؟ طيار أميركي أُسقط في العراق وبعد فترة من الزمن خرج الناس يبحثون عنه، ولجنة أميركية أيضاً دخلت بالتعاون مع العراق للبحث عن هذا الطيار، وفعلاً وجدوا أجزاء من رفاته وأصبح معلوماً لدى الأميركيين أنه قُتل في أثناء سقوطه من الطائرة. لكنَّ الأميركيين يعتقدون دوماً أن المؤامرة موجودة وأن الكلام ربما يكون غير صحيح وربما هو مخفي وكذا... وكان هذا السؤال يُطرح حول هذا الجانب. الطيار يهودي الديانة وجنسيته أميركية، للأسف سُميت (قاعدة سبايكر) في العراق باسمه.

في المعتقل كانت هناك قواطع، ومجموعات. في كل قاطع 21 شخصاً، وفي كل بلوك 7 أشخاص. وكانوا يُخرجوننا للرياضة، نتمشى قليلاً ونُمضي نحو نصف ساعة. وأتذكر أن أحمد حسين، رئيس الديوان، كان في قاطعنا ذاته، وكان بلوكهم يخرج للرياضة، ثم بعدها يطلع بلوكنا للرياضة. في أثناء مشيه أمامي، قال لي: للأسف اليوم اعتقلوا السيد الرئيس، جاءنا هكذا خبر. تألمت جداً لأننا كنا نتحدث في بعض الأحيان أنا وبعض والإخوان والزملاء بأن وجود السيد الرئيس خارج السجن هو الأمل الكبير لتحرير العراق. بعدما اعتُقل وجدنا أن العراق احتُلَّ الآن، واستمرارية الاحتلال دائمة.

كنت في هذه الأثناء أرى مقابلنا، حيث يوجد بلوك ثانٍ في نهاية بلوكات السجن، عملاً مستمراً هناك. كان هناك نجارون وحرفيون... وكان العمل دؤوباً ولا نعرف الأسباب، كنا نعتقد أن هناك شيئاً آخر أو أنهم يضيفون شيئاً آخر للسجن، لكنهم أقاموا ستاراً ولم نعد نرى الممر الذي أمامنا. بنوا جداراً خشبياً في هذا المكان».

سألته: هل كان صدام حسين يقود المقاومة قبل اعتقاله؟ فأجاب: «نعم. المقاومة بدأ عملها بعد الحرب. لم يكن موضوع المقاومة معداً سلفاً لأن العمل كان آنذاك عسكرياً بحتاً، قطاعات عسكرية مقابل قطاعات عسكرية. بعد الاحتلال، بدأ عمل آخر، صفحة أخرى، لأن المعركة صفحات. نعم كان السيد الرئيس يقود المقاومة، وكان أمل المقاومة، وأمل العراقيين، وأمل العرب والمسلمين».

رسالة من الأسرة بعد سنتين

سألته: متى تمكَّن من الاتصال بعائلته بعد اعتقاله؟ فروى: «بالنسبة إلى أسرتي، كان مفقوداً التواصل معها، ولم أكن أحمل رقم تليفون لأحد من إخواني أو أصدقائي أو زملائي، وحتى لو كنت أحمل رقم تليفون لربما تغيرت التليفونات أو وضعها تغيّر أو ظرفها، خصوصاً أن البدالات (السنترالات) قُصفت. قُصف الكثير من البدالات وتوقفت اتصالات كثيرة في العراق. أتذكر أن الصليب الأحمر زارني في المعتقل، وفي أثناء زيارتهم، عرضوا عليَّ أن أكتب رسالة، إذ عادةً يَعرض الصليب الأحمر عندما يأتي إلى المعتقلات على المعتقل أن يكتب رسالة لعائلته. حقيقة وجدتُ نفسي في حيرة، لمن أكتب؟ إخواني لا أعرف أين هم، وأسرتي فقدت الاتصال بهم ولا أعرف أين هم، ولا أعرف أي شيء. خطر ببالي شيخ المدربين عمو بابا. عمو بابا معروف في العراق، مدرب كرة القدم. تبادر إلى ذهني أن عمو بابا أفضل سبيل لكي أوصل الرسالة، وربما هو يسهم بإيصال رسالتي إلى إخواني. وفعلاً قررت أن أكتب إلى عمو بابا، وكتبتها. أنا أيضاً لا أعرف عنوان عمو بابا، رغم أنني كنت أزوره في البيت لكنني لا أعرف عنوان البيت. أتذكر عنوان نادي الشرطة كوني كنت رئيس نادي الشرطة آنذاك، فكتبت الرسالة ووضعت عنوان نادي الشرطة وكتبت تُسلَّم باليد إلى شيخ المدربين عمو بابا.

جمال مصطفى السلطان (الشرق الأوسط)

الإخوان في نادي الشرطة، حقيقةً، يقدِّرونني ويحترمونني كثيراً، وهم موجودون ولا يزالون على تواصل معي، أوصلوا الرسالة إلى عمو بابا. عندما وصلت الرسالة، لم أكن بانياً عليها آمالاً كبيرة لأن الظرف صعب. بعد قرابة شهرين ونصف الشهر إلى ثلاثة أشهر، جاءتني رسالة من عمو بابا، يسلم فيها ويهتم ويسأل عن صحتي ووضعي وإلخ. وكان معه أيضاً شخص يعمل مدرباً عندي اسمه ياسين. كتبا الرسالة معاً وأرسلاها إليَّ وبعثا معاً حاجات، مثل ملابس رياضية وشورت وقميص، فصار التواصل مع عمو بابا، ومن خلاله وصلت رسالتي إلى إخواني، وبدأ التواصل مع إخواني، ثم بعد فترة من الزمن، قرابة السنتين، جاءتني الرسالة الأولى من أسرتي. الرسالة الأولى التي وصلت إليّ من أسرتي بعد سنتين من اعتقالي. رسالة من زوجتي حلا».

هل أفهم أنك لم تلتقِ عائلتك على مدى ثمانية عشر عاماً؟ فأجاب: «نعم لم أرهم ولم أرَ أطفالي على مدى 18 سنة ونصف السنة. لم يحصل أي لقاء معهم أو حديث، باستثناء فترة من الزمن عندما كنا عند الأميركيين الذين كانوا يعطوننا وقتاً جيداً بالقياس إلى اعتقالنا في السجون العراقية، كانوا يعطوننا 5 دقائق في الأسبوع للاتصال بعوائلنا. كنت أتصل، وأقسّم الوقت، أتحدث مع والدتي وإخواني دقيقتين ونصف الدقيقة، ودقيقتين ونصف الدقيقة أتحدث مع أسرتي. زوجتي حلا وبناتي أيضاً أتحدث معهم. كان التواصل بين فترة وأخرى، كل أسبوع أتحدث معهم. بعد 2010 عندنا انتقلنا إلى العراقيين تماماً، قطعوا التواصل تماماً ولم يكن هناك أي تواصل لأنهم لم يكونوا يعطوننا أي وقت، فضلاً عن ذلك، كنت أحرص على ألا أتصل من عند العراقيين، إذ ربما هناك أعداء وعملاء لجهات خارجية يمكن أن يسجلوا المكالمات بطريقة أو بأخرى، وإلخ».

خرج جمال مصطفى من المعتقل في يونيو (حزيران) 2021، فماذا فعل؟ يقول: «ذهبت وبت ليلة في بغداد لدى أحد الأصدقاء العراقيين الشرفاء. وكان بيته في الكاظمية. كان الرجل عراقياً أصيلاً شهماً غيوراً صاحب نخوة ووفَّر لي حماية إلى أن أوصلني إلى أربيل. عندما وصلت إلى أربيل سكنت عند أخي وجاءني زوار كثيرون من إخواننا العراقيين، من كل أنحاء العراق وكانت اتصالات أيضاً من كل أنحاء العالم بحكم علاقاتي العشائرية والرياضية مع العراقيين بصورة عامة، فكان يردني كثير من الاتصالات والزيارات، واستمررت على هذه الحال تقريباً نحو عشرين يوماً، ثم جاءني أحد الإخوان الأكراد وكانت تربطني به علاقة رياضية فقال لي: كاكا مسعود (مسعود بارزاني) يريد رؤيتك. نلتقي غداً عند الساعة الفلانية لكي تذهب وتلتقيه. وفعلاً ذهبنا.

في الحقيقة استقبلني الأستاذ مسعود استقبالاً حاراً وبحفاوة واحترام وتقدير وجلسنا وتحدثنا. شكرته لأن كل المواطنين العراقيين الذي هاجروا أو هُجروا من مدن كثيرة من العراق، الأنبار وصلاح الدين وكركوك والموصل، دخلوا أربيل وفتحت لهم الأبواب، في حين أن من كان يذهب إلى بغداد كان حظه جيداً إذا اكتفي بإبعاده، فهناك من اعتُقل وعُذب وهناك من خُطف واختفى، بينما هو فتح الأبواب لكل النازحين الذين دخلوا أربيل. شكرته على الموقف الوطني الكبير. في ذاك الوقت سألني الرجل ماذا أحتاج؟ فقلت له إنني أحتاج إلى شيء واحد هو إنجاز الجواز حتى ألتحق بعائلتي. تجاوب وأرسلوا لي شخصاً إلى البيت صوَّرني وبصّمني وجهّزني لهذا الأمر، وبدأ يتابع في بغداد لإنجاز الجواز، لأن الجواز يصدر من بغداد لا من أربيل. ذهب الشخص ليتابع وبقي شهوراً لكنه لم ينجز شيئاً لأن الحكومة العراقية لم تكن تريد أن تُنجز لي جوازاً وكان يتصرفون كأنهم صُدموا بخروجي.

خرجت من المعتقل بطرق متعددة ومتنوعة. أنا كنت دائماً أوصي أخي عندما كانت هناك فرصة للحديث معاً أيام الأميركيين بألا يوسّط أياً كان حتى لو رأيتني أُعدم مائة مرة. لكن تقدر تعمل بالجانب الآخر وهو الماديات لأن الماديات تعمل عملها في العراق، والمؤسف أن كثيرين يمكن أن يُباعوا ويُشتروا».

العدالة والدولار

سألته: هل صحيح أن قاضياً طلب منك قبل سنوات رشوة مقابل الإفراج عنك؟، فأجاب: «نعم، فعلاً القاضي طلب. هذا في عام 2011، اتُّهمت ظلماً بقضية زرع عبوات ناسفة وأنني التقيت جماعات إرهابية في نيوزيلندا وسوريا وجماعات إرهابية في تركيا. أشياء لا تصدَّق. أنا في السجن فكيف ألتقي جماعات إرهابية في نيوزيلندا وتركيا وسوريا؟ هذه كانت التهم الموجهة إليَّ، وكان اسم القاضي -تحتفظ (الشرق الأوسط) باسم القاضي لأسباب قانونية. فهمت أنه رجل يريد مالاً، وأنا ليست لدي فلوس والقانون معه، وفهمت أنه يريد مقابلاً ليطلق سراحي، أرسل يطلب مني مبلغاً محترماً بالدولار، فأرسلت إليه أنني للأسف ليس لديَّ هذا المبلغ لكن يمكن أن أعطيك شيئاً من أملاكي. أنا لديَّ قطع أرض، قطعة أو قطعتان، ربما أعطيك إياها مقابل المبلغ الذي تريده، فقال: لا، أنا أحتاج إلى أن تعطيني نقداً. تعطيني نقداً أُطلق سراحك، وإلا فلن أفعل. هذا في عام 2011. لم يطلق سراحي فظللت موجوداً في المعتقل والاتهامات مستمرة بين فترة وأخرى كما ذكرت لك، مثل قيادة المقاومة وتنظيم هجمات. وكانت استشارية الأمن الوطني، كما ذكرت لك، قد أكثرت الاتهامات ضدي في فترة من الفترات، وتبيّن أن هناك شخصاً يريد أن يوفّي لنا الدين السابق، وهو فالح الفياض. فالح الفياض رجل كان محكوماً بالإعدام في زماننا، وهو من (حزب الدعوة)، فالسيد الرئيس الله يرحمه ويغفر له أعفى عنه وأطلق سراحه. الرجل أراد أن يوفينا، كيف يوفينا؟ يتهمني يومياً تهمة».

سألته إن كانت لديه كلمة أخيرة، فأعرب عن الشكر والامتنان لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد ووالده والحكومة والشعب القطري «لما قدموه من رعاية واهتمام وحماية لعائلتي وعمتي».

كتب الرئيس إلى قادة العشائر يوصيهم بمقاومة الاحتلال وسلّمتهم خرجية لمساعدة الجنود

جمال مصطفى السلطان


مقالات ذات صلة

الأردن ينفي طرح دور للهاشميين في عراق ما بعد صدام

خاص توني بلير مستقبلاً الملك عبد الله الثاني في لندن قبل لقائهما المذكور في الوثيقة في 25 فبراير 2003 (أ.ف.ب)

الأردن ينفي طرح دور للهاشميين في عراق ما بعد صدام

الأردن ينفي صحة تقارير عن طرح الملك عبد الله الثاني دوراً هاشمياً في عراق ما بعد صدام، مؤكداً أن محاضر لقاء 2003 مع بلير لا تتضمن ذلك.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
ثقافة وفنون «الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية حيث تولى عدة مناصب وزارية في حزب «المحافظين»

ميرزا الخويلدي (الدمام)
المشرق العربي موظفو الانتخابات يجمعون أوراق الاقتراع الخاصة بالانتخابات العراقية بعد إغلاق الصناديق في بغداد (أ.ب)

«صدام حسين» يفوز في انتخابات العراق

فاز المرشح صدام حسين بمقعد في البرلمان العراقي الجديد بعد قرار الهيئة القضائية للانتخابات إلغاء قرار سابق للمفوضية كان يقضي باستبعاده.

حمزة مصطفى (بغداد)
العالم العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (رويترز) play-circle 00:55

رئيس وزراء العراق: لا يمكن نزع سلاح الفصائل إلا بانسحاب أميركا

قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم (الاثنين)، إن العراق تعهد بوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة.

«الشرق الأوسط» (بغداد )
المشرق العربي الدستور العراقي ينص على حظر نشاط حزب «البعث» منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 (رويترز)

«فوبيا» حزب «البعث» تسخن الانتخابات العراقية

أعاد رئيس الحكومة العراقية الأسبق، نوري المالكي، ملف حزب «البعث» المنحل إلى الواجهة، في سياق تحضيرات حامية للانتخابات المقررة في نوفمبر المقبل.

حمزة مصطفى (بغداد)

أميركا تطلق المرحلة الثانية من «خطة غزة»

أطفال فلسطينيون يحتمون بخيام دمرتها الأمطار في مخيم النصيرات بقطاع غزة (د.ب.أ)
أطفال فلسطينيون يحتمون بخيام دمرتها الأمطار في مخيم النصيرات بقطاع غزة (د.ب.أ)
TT

أميركا تطلق المرحلة الثانية من «خطة غزة»

أطفال فلسطينيون يحتمون بخيام دمرتها الأمطار في مخيم النصيرات بقطاع غزة (د.ب.أ)
أطفال فلسطينيون يحتمون بخيام دمرتها الأمطار في مخيم النصيرات بقطاع غزة (د.ب.أ)

أعلن المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، نيابةً عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب المكونة من 20 نقطة لإنهاء الصراع في غزة»، موضحاً أنها «تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، والحكم التكنوقراطي، وإعادة الإعمار».

وأكد ويتكوف في تغريدة، عبر حسابه على موقع «إكس»، أن هذه الخطوة «تُنشئ المرحلة الثانية المتضمنة إدارة فلسطينية تكنوقراطية انتقالية في غزة، تمثلها اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وتبدأ عملية نزع السلاح وإعادة الإعمار الكاملة لغزة، ولا سيما نزع سلاح جميع الأفراد غير المصرح لهم».

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تتوقع من «حماس» الالتزام الكامل بتعهداتها، بما في ذلك الإعادة الفورية للرهينة (الإسرائيلي) المتوفى الأخير، محذراً من أن «عدم القيام سيتسبب في عواقب وخيمة».

وذكّر ويتكوف بأن «المرحلة الأولى قدّمت مساعدات إنسانية تاريخية، وحافظت على وقف إطلاق النار، وأعادت جميع الرهائن الأحياء ورفات 27 من أصل 28 رهينة متوفى».

وختم ويتكوف: «نحن ممتنون للغاية لمصر وتركيا وقطر لجهود الوساطة التي لا غنى عنها، والتي جعلت كل هذا التقدم ممكناً حتى الآن».


حكومتا لبنان والأردن توقعان 21 اتفاقية شملت الطاقة والربط الكهربائي

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ونظيره الأردني جعفر حسان بعد توقيع الاتفاقيات في بيروت (أ.ب)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ونظيره الأردني جعفر حسان بعد توقيع الاتفاقيات في بيروت (أ.ب)
TT

حكومتا لبنان والأردن توقعان 21 اتفاقية شملت الطاقة والربط الكهربائي

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ونظيره الأردني جعفر حسان بعد توقيع الاتفاقيات في بيروت (أ.ب)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ونظيره الأردني جعفر حسان بعد توقيع الاتفاقيات في بيروت (أ.ب)

وقعت حكومتا لبنان والأردن، الأربعاء، 21 اتفاقيَّة، شملت مجالات التَّعاون في قطاعات الطَّاقة، والرَّبط الكهربائي، والصِّناعة، والتَّبادل التِّجاري، والاستثمار، والسِّياحة، والنَّقل، وذلك خلال زيارة رئيس وزراء الأردن، جعفر حسان، بيروت، التي أكد خلالها أن «أمن المنطقة واستقرارها ضرورة لنجاح مشاريع التعاون المشترك وتعزيز التنمية في دولنا».

ووصل حسان إلى بيروت بعد ظهر الأربعاء، والتقى رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، وقد عُقدت اجتماعات «اللجنة المشتركة العليا اللبنانية - الأردنية» التي انتهت بتوقيع الاتفاقيات.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ونظيره الأردني جعفر حسان بعد توقيع الاتفاقيات في بيروت (أ.ب)

وأكد سلام أن العلاقة بين لبنان والأردن «ليست موسمية؛ بل علاقة ثابتة، تقوم على تراكم الثقة؛ لضرورة تحصين الاستقرار في بلدينا والإقليم». وقال: «تأتي هذه الزيارة في لحظةٍ إقليمية دقيقة، تتشابك فيها الأزمات وتتعاظم التحديات، لكنها تمثّل أيضاً فرصةً حقيقية لإعادة توجيه البوصلة، نحو سياساتٍ تُغلّب منطق الدولة وبناء المؤسسات على منطق المحاور والاستقطاب».

وقال إن انعقاد الدورة الثامنة لـ«اللجنة العليا اللبنانية - الأردنية» المشتركة في بيروت، يشكّل تتويجاً عملياً لمسار اللقاءات السابقة، «ويؤكّد أن العلاقة بين بلدينا ليست موسمية، بل علاقة ثابتة، تقوم على تراكم الثقة؛ لضرورة تحصين الاستقرار في بلدينا وفي الإقليم».

وأضاف: «عقدنا اليوم اجتماعاً موسّعاً وبنّاءً، شارك فيه عدد من الوزراء من الجانبين، وجرى خلاله بحثٌ معمّق في أولويات التعاون في مجموعة واسعة من القطاعات؛ من الطاقة والنقل، إلى الصناعة والتجارة والاستثمار، مروراً بالزراعة، والصحة، والتعليم، والإعلام، والاقتصاد الرقمي، والشؤون الاجتماعية، وصولاً إلى التعاون الأمني وبناء القدرات المؤسسية».

وقال إن «توقيع مجموعة كبيرة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والبرامج التنفيذية، لا يهدف فقط إلى توسيع مجالات التعاون، بل (أيضاً) إلى وضع أطر عمل واضحة، وآليات متابعة عملية، تضمن الانتقال من الاتفاق إلى التنفيذ، ومن النيات إلى النتائج».

رئيس الوزراء الأردني

من جانبه، قال رئيس الوزراء الأردني إن بلاده تثق بأن لبنان «قادر على تجاوز التحدِّيات، وإعادة البناء، واستعادة دوره الحضاري الرَّائد في المنطقة»، مشيراً إلى أن الأردن «سيبقى، كما كان دائماً؛ السَّند للبنان الشَّقيق، يدعم أمنَه واستقرارَه وسيادتَه؛ فالوقوفُ إلى جانب لبنان ثابتٌ أردني، بتوجيهٍ دائمٍ من جلالة الملك عبد الله بن الحسين، الذي كلَّفني بالعمل بشكلٍ مكثَّف على ترجمة علاقاتِ الأخوَّةِ التاريخيَّة بين بلدينا، تعاوناً شاملاً في جميع المجالات».

وقال: «لا حدودَ مباشِرةً بَيننا، لكنْ هناك جسورُ تواصلٍ وتكاملٍ وتعاونٍ تاريخيَّة؛ رسميَّاً وشعبيَّاً، واقتصاديَّاً وثقافيَّاً»، متعهداً بتقوية هذه الجسور، «وسنطوِّرُ علاقاتنا، وستشهدُ المرحلة المقبلة المزيدَ من التعاون المؤسسي الذي يعود بالخير على الأردن وعلى لبنان».

وقال: «اتَّفقنا كذلك على إدامة التَّواصل والتَّنسيق على مستوى الوزراء والمسؤولين والفرق الفنيَّة من كِلا البلدين، لتنفيذِ ما اتفقنا عليه، ولبحث مختلف أوجه التَّعاون المستقبلي؛ بما ينعكس إيجاباً على مصالح البلدين والشَّعبين الشَّقيقين».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل نظيره الأردني جعفر حسان في بيروت (إ.ب.أ)

وأشاد بـ«الجهود الكبيرة والواضحة التي تَبذلُها حكومَتُكم، وما حقَّقته من منجزات رغم كلِّ الظروف والتحديات التي تمرّ بها المنطقة، وما تقومون به من إصلاحات جادّة وشجاعة لخدمة بلدكم واقتصاده وأمنه واستقراره».

وأكد حسان أنه «لا يوجد ما يعلو على مصالحنا الوطنية ومصالح شعوبنا... أمن المنطقة واستقرارها ضرورة لنجاح مشاريع التَّعاون المشترك، وتعزيز التَّنمية في دولنا، ونحن متَّفقون على أنَّ أمن واستقرار سوريا ضرورة في هذا الاتجِّاه، ونسعى إلى أن يكون لسوريا الشقيقة دورٌ يُسهِم في استكمال تنفيذ ما اتفقنا عليه سابقاً من مشاريع تعاون بين دولنا الثَّلاث، خصوصاً في مجالات الرَّبط الكهربائي، وتزويد الغاز الطَّبيعي، ولن ندَّخر جهداً لتزويد الأشقَّاء اللبنانيين بما أمكن من احتياجاتهم من الكهرباء والغاز الطَّبيعي حال الجاهزيَّة وخلال هذا العام».


لبنان في قلب تداعيات التصنيف الأميركي لفروع «الإخوان»

أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله مستقبلاً أمين عام «الجماعة الإسلامية» محمد طقوش في يونيو 2024 إثر انخراط الجناح العسكري للجماعة المعروف بـ«قوات الفجر» ضمن «جبهة مساندة غزّة» التي افتتحها «حزب الله» في الثامن من أكتوبر 2023 (الوكالة الوطنية للإعلام)
أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله مستقبلاً أمين عام «الجماعة الإسلامية» محمد طقوش في يونيو 2024 إثر انخراط الجناح العسكري للجماعة المعروف بـ«قوات الفجر» ضمن «جبهة مساندة غزّة» التي افتتحها «حزب الله» في الثامن من أكتوبر 2023 (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

لبنان في قلب تداعيات التصنيف الأميركي لفروع «الإخوان»

أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله مستقبلاً أمين عام «الجماعة الإسلامية» محمد طقوش في يونيو 2024 إثر انخراط الجناح العسكري للجماعة المعروف بـ«قوات الفجر» ضمن «جبهة مساندة غزّة» التي افتتحها «حزب الله» في الثامن من أكتوبر 2023 (الوكالة الوطنية للإعلام)
أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله مستقبلاً أمين عام «الجماعة الإسلامية» محمد طقوش في يونيو 2024 إثر انخراط الجناح العسكري للجماعة المعروف بـ«قوات الفجر» ضمن «جبهة مساندة غزّة» التي افتتحها «حزب الله» في الثامن من أكتوبر 2023 (الوكالة الوطنية للإعلام)

وسّعت الإدارة الأميركية دائرة المواجهة مع جماعة «الإخوان المسلمين» عبر تصنيف فروعها في مصر والأردن ولبنان منظماتٍ إرهابية، وفرض عقوبات مباشرة على قياداتها ومؤسسات مرتبطة بها، في خطوة قالت واشنطن إنها تأتي ضمن مسار متدرّج لتجفيف مصادر التمويل وقطع قنوات الدعم التي ترى أنها تُستخدم في العنف وزعزعة الاستقرار.

ويكتسب القرار بُعداً خاصاً في الحالة اللبنانية، مع إدراج الفرع اللبناني المتمثل بـ«الجماعة الإسلامية» على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهو التصنيف الأشدّ قانوناً، مع ما يترتّب عليه من تجريم لأي دعم مباشر أو غير مباشر، في وقت ربطت فيه الإدارة الأميركية الخطوة باتهامات تتعلق بنشاطات عسكرية ودعم لحركة «حماس».

الاسم يتبدّل... والمرجعية واحدة

في هذا السياق، قال الخبير في الجماعات الإسلامية أحمد الأيوبي إنّ «اعتماد تسميات مختلفة لتنظيم (الإخوان المسلمين) في العالم العربي يعود إلى خصوصيات مرتبطة بكل دولة وظروف نشأة التنظيم فيها»، موضحاً أن «الإخوان لم يكونوا تاريخياً ملزمين باستخدام اسم واحد في جميع البلدان». وأشار إلى أن فروعاً للجماعة اعتمدت التسمية الصريحة في بعض البلدان، مثل مصر والأردن، بينما لجأت في دول أخرى إلى تسميات غير مباشرة، تبعاً للبيئة السياسية والقانونية السائدة.

ظهور مسلح رافق تشييع «الجماعة الإسلامية» عنصرين قُتلا في استهداف إسرائيلي في أبريل عام 2024 (المركزية)

وأوضح الأيوبي لـ«الشرق الأوسط» أن اختيار اسم «الجماعة الإسلامية» في لبنان جاء في سياق تاريخي محدد «خلال ستينات القرن الماضي، تزامن مع مرحلة الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الشيوعي والإسلامي، إضافة إلى القيود التي كانت تفرضها الدولة اللبنانية على ترخيص تنظيمات ذات ارتباطات خارجية».

ورغم اختلاف التسمية، شدّد الأيوبي على أنّ «الجماعة الإسلامية اعتمدت الشعار نفسه للإخوان المسلمين، بما يحمله من دلالات تنظيمية وفكرية»، ما يؤكد وجود «رابط عقائدي واضح».

التصنيف وأبعاده

وحول القرار الأميركي، لفت الأيوبي إلى أنّ النص الحرفي للتصنيف يتحدث عن «الإخوان المسلمين» في لبنان، في حين أنه «لا يوجد تنظيم يحمل هذا الاسم قانونياً في البلاد»، معتبراً أنّ «ذلك يفتح الباب أمام إشكاليات قانونية وتفسيرات سياسية متعددة». وأضاف أنّ «التجارب المقارنة، ولا سيما في الأردن، أظهرت تمييزاً بين التنظيم الأم وبين واجهاته السياسية أو مؤسساته الاجتماعية، التي لم تُصنَّف كلها بالضرورة ضمن القرار نفسه».

ورأى أنّ «السبب الأساسي الذي أدّى إلى إدراج (الجماعة الإسلامية في لبنان) ضمن مسار التصنيف يعود إلى قرارها المشاركة فيما يُعرف بـ(حرب الإسناد) من خلال جناحها العسكري (قوات الفجر)، وما رافق ذلك من إطلاق صواريخ وعمليات على الحدود الجنوبية»، معتبراً أنّ هذه الخطوة «شكّلت الزلة الأكبر» في مسار الجماعة السياسي. وأضاف الأيوبي أنّه «كان يفترض بالجماعة، فور انتهاء تلك المرحلة، الإعلان الصريح عن حل الجناح العسكري وإنهاء العمل المسلح بشكل نهائي»، معتبراً أنّ «عدم الإقدام على هذه الخطوة أسهم في الوصول إلى الوضع الراهن».

العلاقة مع «حزب الله» والمركزية الإخوانية

وفيما يتصل بعلاقة الجماعة بـ«حزب الله»، شدّد الأيوبي على أنّ «هذا القرب بقي في إطاره المعنوي ولم يتحوّل إلى تحالف سياسي أو ميداني مباشر»، مشيراً إلى أنّ «الجماعة امتنعت عن المشاركة في مؤتمرات (وحدة الساحات) التي رعتها إيران، ولم تكن جزءاً من هذا الطرح».

وأوضح أيضاً أنّ «الجماعة الإسلامية» في لبنان لا تلتزم بقرارات مركزية لتنظيم الإخوان المسلمين، مشيراً إلى أنّ مفهوم «القرار المركزي تراجع بشكل كبير بعد سقوط حكم محمد مرسي في مصر، والضربات القاسية التي تلقاها التنظيم الدولي، ما أدى إلى تفكك بنيته وتحول فروعه إلى كيانات أكثر استقلالية».

رد «الجماعة الإسلامية»: قرار سياسي لا أثر له داخلياً

في المقابل، أصدرت «الجماعة الإسلامية» بياناً رفضت فيه التصنيف الأميركي، مؤكدة أن القرار «سياسي وإداري ولا يستند إلى أي حكم قضائي لبناني أو دولي، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني داخل لبنان». وشددت على أنّ المرجعية الوحيدة في الداخل اللبناني تبقى الدستور والقوانين المرعية الإجراء ومؤسسات الدولة».

وأكدت الجماعة أنها «مكوّن سياسي واجتماعي لبناني مرخّص يعمل بشكل علني»، ولم يصدر بحقها أي قرار قضائي يدينها أو يجرّمها. كما جدّدت رفضها «الإرهاب والعنف بكل أشكاله»، وشددت على أولوية الاستقرار والسلم الأهلي.

العقوبات والتداعيات المالية

وبموجب التصنيف، ينعكس القرار مباشرة على الجانب المالي، إذ يجعل تقديم أي دعم مادي للجماعة جريمة جنائية. وتشير التحديثات الصادرة في يناير (كانون الثاني) 2026 إلى تجميد أصول شخصيات لبنانية مرتبطة بالجماعة ومؤسسات تابعة لها في المصارف التي تتعامل ضمن النظام المالي العالمي (SWIFT).

وشمل التصنيف جمعيات ومؤسسات إغاثية وتربوية، بينها جمعية «الارتقاء» ومؤسسة «بيت الدعوة» وجمعية «البركة – فرع لبنان»، إضافة إلى شخصيات قيادية، على رأسها الأمين العام للجماعة محمد طقوش، ورئيس مكتبها السياسي باسم حمود، وأسماء أخرى مرتبطة بإدارة شبكات مالية عابرة للحدود. كما استهدف القرار الهيكل القيادي لـ«قوات الفجر» ككيان كامل، ما يجعل أي موقع قيادي فيه عرضة للعقوبات.

ويستند التصنيف، بحسب واشنطن، إلى تقارير استخباراتية تتحدث عن تنسيق مع «حركة حماس» وتبنّي هجمات صاروخية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023.