«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

مذكرات السياسي البريطاني «من الوزيرية إلى وستمنستر»

«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة
«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة
TT

«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة
«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

في العام 2018، عينت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ناظم حارث الزهاوي وزيراً لشؤون الأطفال والأسر، حيث لفتَ هذا التعيين الانتباه إلى الوزير البريطاني-العراقي الأصل، ثمّ أصبح ناظم الزهاوي نجماً بريطانياً بعد أن عينه بوريس جونسون خلال أزمة «كوفيد-19» عام 2020 وكيلاً لوزارة الدولة البرلماني لنشر لقاح كورونا، أو ما عُرف بـ«وزير اللقاحات»... وهكذا صعد الزهاوي في حكومات حزب «المحافظين»، ليصبح في العام 2021 وزيراً للتعليم، وفي عام 2022، ووزير الخزانة في يناير (كانون الثاني) 2023.

بدايته السياسية كانت في العام 2010، عندما دخل الزهاوي البرلمان البريطاني نائباً عن حزب «المحافظين» عن دائرة «ستراتفورد أون آيفون»، ليصبح أول عضو برلماني ذا أصول كردية.

ترجع أصول ناظم الزهاوي إلى عائلة الزهاوي الكردية البغدادية المعروفة.

ولد في بغداد عام 1967، وكان جده ناظم عبد الجليل الزهاوي محافظاً للبنك المركزي العراقي، ووزيراً للتجارة في ستينات القرن الماضي. وهاجرت أسرته إلى بريطانيا هرباً من نظام صدام حسين، وكان والده حارث رجل أعمال.

استقرت العائلة في ساسكس، بجنوب شرقي إنجلترا، ودرس الزهاوي في مدارس خاصة. ورغم أن الزهاوي أكمل دراسة الهندسة الكيميائية، لكنه قرر أن يسير على خطى والده في ممارسة الأعمال التجارية، فأسس شركة لبيع سلع ألعاب، وارتبط من خلالها بمستثمر برلماني بريطاني، ومن خلال هذه المعرفة تعرف الزهاوي على العديد من الشخصيات السياسية البريطانية.

وفي عزّ مجده السياسي، انهارت حياته في الحكومة البريطانية، حين أقاله رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك من رئاسة حزب «المحافظين» نهاية يناير 2023، بعد أن كشف تحقيق مستقل في شؤونه الضريبية عن وجود «انتهاك خطير للقانون الوزاري»، الحدث الذي ألقى بظله على سيرة الفتى البغدادي الذي ظلّ متمسكاً بسلامة موقفه. مرت الفترة بين 2010 تاريخ وصوله لقبة البرلمان، و2023 تاريخ خروجه المكره من الحياة السياسية في بريطانيا، مثل ومضة اشتعلت ثم تلاشت في الظلام.

«الفتى القادم من بغداد»

في مذكراته «الفتى القادم من بغداد... رحلتي من الوزيرية إلى وستمنستر»، من إصدارات مشروع «كلمة» للترجمة، التابع لمركز أبوظبي للغة العربية، يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية.

ترجم الكتاب الأكاديمي والمترجم السوري الدكتور موسى الحالول، الذي يملك سجلاً في التأليف والترجمة يزيد على 55 كتاباً.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب كبرى، يعكس كل منها مرحلة مهمة من حياته: طفولته في بغداد، وانتقاله للعيش في المملكة المتحدة، وصعوده إلى الشهرة السياسية، وخروجه النهائي من عالم السياسة.

حيث يروي الزهاوي كيف شهدت عائلته الاستبداد المتزايد في العراق، وقمع المعارضة، وتحول البلاد إلى دولة يسكنها الخوف. لذلك قررت عائلته الفرار إلى المملكة المتحدة حين كان الزهاوي في الحادية عشرة من عمره، خوفاً من الاضطهاد.

ثم يصف المؤلف تحديات التآلف مع اللغة، والثقافة، والنظام التعليمي البريطاني. وكيف ترسّخت في سنوات مراهقته اهتماماته بدنيا الأعمال. وكيف وفَّر له نجاحه في مجال الأعمال الثقة، والمنصة المناسبة لدخول عالم السياسة. حيث كانت البداية انتخابه نائباً عن حزب «المحافظين»، ثم تسلمه بضع حقائب وزارية، منها وزارة التعليم، ووزارة الخزانة.

الفلسفة السياسية

في مقدمة الكتاب، يوضح الزهاوي فلسفته السياسية، سواء عبر حديثه عن الموقف البريطاني من ثورة 25 يناير 2011 في مصر التي أدت إلى تنحي الرئيس حسني مبارك، وأثار غضبه، يقول: «حين تواجه قيمُك تحدياتٍ، يتعين عليك أن تستعدَّ للدفاع عما تؤمن به، مهما ارتفع صوتُ خصمك أو هددك. لقد كان ذلك درساً مفيداً لي، وأسرع بكثير مما كنت أتوقع».

أو بعد اصطدامه برئيس الوزراء بشأن رغبته في أن يحل مجلس منتخَب محل مجلس اللوردات، وقتها قال: «أعتقد أنك ترتكب خطأً، يا سيادة رئيس الوزراء»... ويشرح: «تعودت على العمل في بيئة يشعر فيها الناس بالأمان للتعبير عن آرائهم، لذا حين أُثير موضوع مجلس اللوردات واقتراح إلغائه، قررت أن أكون صادقاً بشأن مشاعري»، ثم يقول: «غادرتُ ذلك المساء، وأنا مدرك أنني ربما لم أترك أفضل انطباع أولي لدى رئيسي الجديد، لكنني نمت وضميري مطمئن لأنني على الأقل قلت رأيي»... «أنا أتحدر من بلد لم يعترض فيه أحد على هدم المؤسسات الوطنية. وكانت أسرتي قد فرّت من العراق ونظام صدام حسين قبل أكثر من ثلاثين عاماً. وقد شعرتُ بحاجة قوية إلى الالتزام بالضوابط والتوازنات التي توفرها مؤسساتنا الديمقراطية للجمْ أي زعيم، أو نظام بعينه، وذلك لأن لديَّ نظاماً بديلاً. ومن مبادئ المحافظين الأساسية أن الأشياء يصعب خلقها، والحفاظ عليها، ولكن من السهل جداً تدميرها».

ويقول: «كان والدي يقول دوماً: تكون الطريقة الفُضْلى لقيادة الجيش من المقدمة... فحين تتعرض قيمك للخطر، فلا تنتظر من الآخرين أن يُدافعوا عنها. قِف واجهَر بصوتك حتى لو كان ذلك يعني أنك أول من تُطلَق عليه النار!».

عن هذه الفلسفة يقول: لقد قطعتُ شوطاً طويلاً منذ فرارنا من العراق، ولكن احترامي للديمقراطية لم يضعُف في هذه الأثناء. فقد عرفتُ من كثبٍ ما يعنيه العيشُ في مكان يدمر فيه الرجال الطامعون بالسلطة أي شيء يقف في طريقهم للوصول إلى القمة، حيث لا قيمة للمؤسسات إلا حين تصبح عقبةً. ربما كانت بريطانيا وطني لمدة خمسة وثلاثين عاماً تقريباً، ولكن ماضيَّ كان السبب وراء شعوري القوي بحماية كل ما تمثله الآن.

بيت في بغداد

بحسب وصفه، كان المنزل الوحيد الذي عاش فيه الزهاوي هو منزل جَدِّه لأبيه في شارع الطبري في منطقة الوزيرية ببغداد، «وهو بناءٌ مُنْعَزِلٌ مسطَّحُ السقف مبنيٌّ من الطوب الأصفر على قطعة أرض كبيرة تقع على ناصية شارع. كانت تمتد على عرض المنزل شُرْفةٌ مسقوفةٌ للأيام التي تشتد فيها الحرارة إلى درجةٍ لا تسمح بالخروج في الشمس».

لم يكن ذلك المنزل فخماً جداً، ولكنه كان ضخماً للغاية، وبه غرفٌ وسيعةٌ فسيحةٌ تليق بواحد من «أعيان» بغداد. كان سكان حي الوزيرية عموماً ممن كنا يسمون أصحاب الطبقات المهنية: أناس يعملون في الحكومة، أو موظفون مدنيون رفيعو المستوى. تعني «الوزيرية» الحي الذي يقطنه الوزراء -والتسمية مشتقةٌ من اسم الصدر الأعظم، أو الوزير الأكبر، في الدولة العثمانية.

وبحسب قوله فإنه «لو كان للأرستقراطية وجودٌ في العراق، لكان آل الزهاوي تاريخياً جزءاً منها». فقد كانوا في الأصل جناحاً أساسياً من أسرة بابان الذين كانوا أمراء إمارة بابان الذين بنوا السليمانية، المدينة المعروفة بأصولها الإبداعية الفنية التقدمية. لكن مكانتهم في المجتمع لا علاقة لها بالمال، بل بالعلم. إذ لم يشتهروا بثرواتهم بقدر ما اشتهروا بعقولهم، وقد جسَّدوا مجتمعين النزعةَ الفكريةَ خيرَ تجسيد. فقد كان جَدُّ جَدِّي -محمد فَيْضي الزهاوي- المفتي الأكبر في بغداد. وهو أكبر فقيه في البلاد. «وكان ابنه، جميل صدقي الزهاوي، عمُّ جَدِّي، يُجاهر بإلحاده وواحداً من أشهر الشعراء في الشرق الأوسط». وقد أُدْخِلت قصائدُه في المناهج الدراسية في العديد من الدول العربية -وهو إنجازٌ لا يُستهان به لشخصٍ لغتُهُ الأولى هي الكردية.

أما المدرسة الابتدائية التي تعلّم فيها مبكراً، في المنصور، فكانت تطبّق نظام التعليم الإنجليزي، وكانت قديماً مدرسةً خاصةً تحت الانتداب البريطاني. «وبحلول عام 1973، بُعَيْدَ التحاقي بروضة الأطفال، أُمِّمت المدرسة تأميماً كاملاً. ربما كان البعثيون إرهابيين متعطشين للدماء، لكنهم كانوا اشتراكيين أيضاً. فقد كان كل مسؤول حكومي، بمن فيهم صدام حسين، يرسل أطفاله إليها. كنا نحن البقية نخشاهم، ولا سيما إذا أرادوا أن يكونوا أصدقاءك أو -الأنكى من ذلك- إذا استهوتهم أختك. لم يكن أحد يريد الاقتراب منهم كثيراً» (...) «زمنَ وجودي في المدرسة، كان البعثيون يفرضون وجودهم في كل مناحي الحياة، وفي النهاية أغلقوا مدرسة المنصور بدعوى أنها مؤسسة إمبريالية» (ص21).

يتحدث الزهاوي عن حياة الانفتاح التي عاشتها أسرته «كان والداي يحبان استضافة اللِّبراليين من أمثالهم، فكانا يقيمان لهم حفلاتٍ كبيرةً. وأيّاً كان النظام السياسي، والمناخ السائد، كانت الموسيقى الشيء الوحيد الذي يوحد الناس في الشرق الأوسط، ولكن في منزلنا لم تكن الموسيقى غربية قطّ. كان صديق والدي باحثاً في الموسيقى وكان ذا صوت جميل. وكان يأتي أحياناً ليغني في هذه الحفلات. وكان الجميع يتحلقون حوله ويشاركون في الغناء» (ص25).

ويقول: «لم يكن الدين جزءاً من حياة أُسرتي... (...) كان والداي مسلمَيْن، مثل أصدقائهما، لكنهم كانوا جميعاً يشربون الخمور، ولم تكن نساؤهم يغطين رؤوسهن» (ص26).

رغم ذلك فلم يكن والده على وفاق مع السياسات الحكومية آنذاك: «كل من في دائرة والدي يكره الوضع الراهن، لكن ما لم تكن تنوي القيام بشيء بشأنه، فعليك أن تحمل صليبك بصمت. كنا جميعاً في مَصْيَدة».

السياسة والعنف في العراق

يتحدث الزهاوي الذي غادر العراق وعمره 11 عاماً عن الحكومات التي تعاقبت على السلطة في العراق، من العهد الملكي إلى العهد الجمهوري، من الاحتلال العثماني إلى الانتداب البريطاني، برؤية عميقة، ولغة رشيقة، لكنه يتوقف عند التاريخ الدموي الذي صبغ وجه السلطة في العراق: «من المؤسف أن الانقلاب الدموي الذي جاء بقاسم (عبد الكريم قاسم) إلى السلطة أرسى سابقةً لكيفية تعامل القادة مع أعدائهم، فبعد خمس سنوات ذاق قاسم السم الذي سقاه غيرَه... ففي الثامن من فبراير (شباط) 1963، قاد عبد السلام عارف، مساعدُه الأيمن، ثورة رمضان في انقلاب آخر. حوصرَ قاسم وجيشه لمدة ثلاثة أيام في مكتبه بوزارة الدفاع. واستولى المتمردون على الإذاعة والتلفزيون الخاضعين لسيطرة الحكومة، وأعلنوا وفاة قاسم مع أنه ما زال على قيد الحياة في داخل المبنى، (...) وبعد ثلاثة أيام، أُطلِقت النار على قاسم في محطة الإذاعة. وعُرِضَت جثته على شاشة التلفزيون وهو مُتَكَوِّمٌ على كرسي لتكون دليلاً إضافياً على استيلاء عارف على السلطة. وإمعاناً في النكاية، رفع جنديٌ رأس قاسم المهمدَ وبصق في وجهه. لم تكن النُذُر أشدَّ وضوحاً: فقد حلَّ في البلاد زعيمٌ جديدٌ» (ص32).

ويتحدث عن عهد صدام حسين «الممزوج بجرعة كبيرة من جنون العظمة»، فيقول: «إذا أردت إدارة بلد بالخوف، فعليك أن تعيش كل يوم وأنت تعلم أنك هدف سهل». كان رد فعل صدام حسين «حرصه على مراقبة كل شيء وكل شخص، وهو ما جعل الحياة لا تطاق أبداً».

ثم يقول الزهاوي: «إن تاريخ العراق مليء بالعنف الشديد، ومن الصعب أن تجد عراقياً لم تتأثر أسرته بأهوال ذلك التاريخ. وحين يتعرض أي مجتمع للوحشية بهذه الطريقة، يصبح الناس أكثر وحشية، ويعتقدون أنه لا سبيل إلى السلطة إلا بالاستيلاء عليها بالقوة. ويصبح المظلومون هم الظَلَمة، وتبدأ الدورة من جديد. هكذا كان العراق في شبابي» (ص34).

وتحت عنوان: «صدَّام وبَعْثِيّوه» يقول: «أصبح العراقُ في عهد صدام الستارَ الحديديَّ للعالم العربي. ولهذا السبب، يصعب عليَّ أن أعبر عن قيمة الحريات التي اكتسبتُها بالانتقال إلى المملكة المتحدة. فحين تخبر الناس بأنك نشأت في دولة يحكمها حزب واحد، فهذا لا معنى له تقريباً ما لم تكن قد شهدت ذلك بنفسك. قد يكون أبلغَ أثراً لو أخبرتك أن خال زوجتي أخفى أسنانه المخلوعة في جيب بِنْطاله الذي أرسله إلى منزله للغسيل ليخبرهم بأنه يتعرض للتعذيب في السجن» (ص35).

في الصفحات التالية من الكتاب يروي قصة هروب والده من العراق، والظروف الأمنية القاسية التي كابدتها الأسرة، فقد كان على الأسرة أن تتحمل عواقب رحيله. «فما إن اختار أبي الرحيل، استحق لقبَ مجرم، ناهيك عن كون التهم زائفة. فحين يعتقد الناس أن رب أسرتك خائنٌ، فإنهم سرعان ما ينقلبون عليك في بيئة تعجُّ بالخوف، والتلاعب» (...) «في المدرسة، اعتزلني زملائي بين عشية وضحاها، وأُفرِدْتُ إفرادَ البعيرِ المُعَبَّدِ. لم يُجْبَر أحدٌ على (الموافقة) على ذلك؛ كان الأمر بديهياً. كانوا جميعاً يعرفون واجبهم. فقد كان والدي مجرماً وربما جاسوساً إمبريالياً -وهو الشيء الذي نحذَّر منه مراراً وتكراراً على شاشة التلفزيون (ص51).

رحلة مثيرة

ثم يروي سيرة حياته الأولى في العاصمة البريطانية التي فرّ إليها مع والدته، حيث ترك والده الأسرة هناك ليتفرغ لأعماله في آسيا: «مع أننا أتينا إلى إنجلترا لبدء حياة جديدة، لم يعمل أبي هنا قط. فبينما بقيت أنا وأم وجيهان في شين، كان أبي يعيش بين كوالالمبور وصباح في منطقة كينا بالو في ماليزيا، حيث كان يدير مشروع اتصالات ضخماً. وكان يأتي لزيارتنا لمدة أسبوع، أو نحو ذلك، كل شهرين».

وكذلك حياته في التجارة، والسياسة، وفي نهاية سرد المذكرات، يقول الزهاوي: «لو قلت في وصف كتابة هذا الكتاب بأنها رحلة مثيرة، فلن أفِيَهُ حقه. فقد تزامنت هذه الرحلة مع أشد حقبةٍ اضطراباً في مسيرتي المهنية حتى الآن، وكانت مثيرة للاهتمام».

يضيف: تحولت الحكاية من حكاية فتى مهاجرٍ أصبح وزيراً للتعليم في المملكة المتحدة إلى حكايةٍ عن قيمي، ومنبع أخلاقي.

الخروج من السياسة

طالما كانت الحياة التجارية لناظم الزهاوي تثير الاهتمام في وسائل الإعلام البريطانية، خاصة بعد صعوده السياسي، وكان يُشار إليه باعتباره واحداً من أغنى السياسيين في البرلمان البريطاني، وقدّرت إحدى الصحف ثروته بنحو 100 مليون جنيه إسترليني.

لكن الاتهامات لاحقته بعد اتهامه بالتهرب الضريبي، وكشف تحقيق مستقل في شؤونه الضريبية عن وجود «انتهاك خطير للقانون الوزاري»، وقيل وقتها إنه قام بتسوية ضريبية مثيرة للجدل دفع فيها ملايين الجنيهات، مقابل عدم سداده لضرائب مستحقة عليه.

وقام رئيس الوزراء ريشي سوناك بإقالة ناظم الزهاوي، رئيس حزب «المحافظين» الحاكم، بعد تحقيق أجري في ملفه الضريبي.

بعد أن خلص تحقيق مستشار الحكومة للقيم الجديد السير لوري ماغنوس إلى أن الزهاوي لم يكشف بوضوح عن موارده المالية.

وأرسل سوناك رسالة إلى الزهاوي قال فيها: «نتيجة لذلك، أبلغك بقراري وهو عزلك من منصبك في حكومة جلالته».

يصف الزهاوي وقع الخبر الذي حاول تفاديه على نفسه قائلاً (في مذكراته): «في الثامنة صباحاً، تلقيت المكالمة التي كنت أخشاها من رئيس الوزراء: سيدي الوزير، رئيس الوزراء ورئيس الحزب على الخط. تجهزت لتنفيذ حكم الإعدام بي. (...) ألقيت عليه بكل ما لدي لعلّي أمنعه من قول ما كنت أعرف أنه سيقوله لا محالة. (يؤسفني أن ينتهي الأمر هكذا، يا ناظم). قلت له إن ذلك يؤسفني أيضاً، وأغلقنا الهاتف. هذا كل شيء» (ص324).

ثم يقول: «تلا ذلك صمتٌ رهيبٌ شعرت فيه كأن بطني قد شُقّت، وكنت أنتظر أن تندلق أحشائي على الأرض وتبدأ النهاية. كنت قد جئت إلى الحكومة لعلِّي أُحدِث فرقاً. وكنت آمل أن أكون حاشيةً لا تُنسى في سفْر التاريخ السياسي».

لكن مرة أخرى يستعيد الزهاوي معاناة أسرته تحت حكم صدام حسين، مع الفارق الكبير في الموقفين... ينقل عن وليَم هيغ وزير الخارجية البريطانية الأسبق الذي حضر اجتماعاً حزبياً قبل إقالة الزهاوي بأيام: «كان ضيفنا المتحدث في ذلك المساء هو وليَم هيغ الذي وضع ذراعه على كتفي بتعاطف وذكر لي ما حققتُه وأنني تحملت ما هو أسوأ بكثير في عهد صدام حسين، وأنني سأتغلب على أي شيء يُلقى عليَّ الآن». (ص323).

في حديثه عن تجربة إقالته، عبّر عن توجسه من الصحافة قائلاً: «في الفضائح العامة، كان أكثر شيء أمقته هو السياسي المخلوع الذي يضطر إلى الرد أمام الكاميرات، مثل دبٍّ يُعَذَّب في حفرة. لم تكن لدي أي نية لمنح الصحافة الفرصة لتتشفّى بي». ويقول: «كنت أعلم من التجربة أنه من المستحيل تقريباً إدارة حكومة حين يكون ضجيج وسائل الإعلام هو الذي يوجِّه جدول أعمال الحكومة» (ص327).


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.