«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

مذكرات السياسي البريطاني «من الوزيرية إلى وستمنستر»

«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة
«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة
TT

«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة
«الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

في العام 2018، عينت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ناظم حارث الزهاوي وزيراً لشؤون الأطفال والأسر، حيث لفتَ هذا التعيين الانتباه إلى الوزير البريطاني-العراقي الأصل، ثمّ أصبح ناظم الزهاوي نجماً بريطانياً بعد أن عينه بوريس جونسون خلال أزمة «كوفيد-19» عام 2020 وكيلاً لوزارة الدولة البرلماني لنشر لقاح كورونا، أو ما عُرف بـ«وزير اللقاحات»... وهكذا صعد الزهاوي في حكومات حزب «المحافظين»، ليصبح في العام 2021 وزيراً للتعليم، وفي عام 2022، ووزير الخزانة في يناير (كانون الثاني) 2023.

بدايته السياسية كانت في العام 2010، عندما دخل الزهاوي البرلمان البريطاني نائباً عن حزب «المحافظين» عن دائرة «ستراتفورد أون آيفون»، ليصبح أول عضو برلماني ذا أصول كردية.

ترجع أصول ناظم الزهاوي إلى عائلة الزهاوي الكردية البغدادية المعروفة.

ولد في بغداد عام 1967، وكان جده ناظم عبد الجليل الزهاوي محافظاً للبنك المركزي العراقي، ووزيراً للتجارة في ستينات القرن الماضي. وهاجرت أسرته إلى بريطانيا هرباً من نظام صدام حسين، وكان والده حارث رجل أعمال.

استقرت العائلة في ساسكس، بجنوب شرقي إنجلترا، ودرس الزهاوي في مدارس خاصة. ورغم أن الزهاوي أكمل دراسة الهندسة الكيميائية، لكنه قرر أن يسير على خطى والده في ممارسة الأعمال التجارية، فأسس شركة لبيع سلع ألعاب، وارتبط من خلالها بمستثمر برلماني بريطاني، ومن خلال هذه المعرفة تعرف الزهاوي على العديد من الشخصيات السياسية البريطانية.

وفي عزّ مجده السياسي، انهارت حياته في الحكومة البريطانية، حين أقاله رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك من رئاسة حزب «المحافظين» نهاية يناير 2023، بعد أن كشف تحقيق مستقل في شؤونه الضريبية عن وجود «انتهاك خطير للقانون الوزاري»، الحدث الذي ألقى بظله على سيرة الفتى البغدادي الذي ظلّ متمسكاً بسلامة موقفه. مرت الفترة بين 2010 تاريخ وصوله لقبة البرلمان، و2023 تاريخ خروجه المكره من الحياة السياسية في بريطانيا، مثل ومضة اشتعلت ثم تلاشت في الظلام.

«الفتى القادم من بغداد»

في مذكراته «الفتى القادم من بغداد... رحلتي من الوزيرية إلى وستمنستر»، من إصدارات مشروع «كلمة» للترجمة، التابع لمركز أبوظبي للغة العربية، يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية.

ترجم الكتاب الأكاديمي والمترجم السوري الدكتور موسى الحالول، الذي يملك سجلاً في التأليف والترجمة يزيد على 55 كتاباً.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب كبرى، يعكس كل منها مرحلة مهمة من حياته: طفولته في بغداد، وانتقاله للعيش في المملكة المتحدة، وصعوده إلى الشهرة السياسية، وخروجه النهائي من عالم السياسة.

حيث يروي الزهاوي كيف شهدت عائلته الاستبداد المتزايد في العراق، وقمع المعارضة، وتحول البلاد إلى دولة يسكنها الخوف. لذلك قررت عائلته الفرار إلى المملكة المتحدة حين كان الزهاوي في الحادية عشرة من عمره، خوفاً من الاضطهاد.

ثم يصف المؤلف تحديات التآلف مع اللغة، والثقافة، والنظام التعليمي البريطاني. وكيف ترسّخت في سنوات مراهقته اهتماماته بدنيا الأعمال. وكيف وفَّر له نجاحه في مجال الأعمال الثقة، والمنصة المناسبة لدخول عالم السياسة. حيث كانت البداية انتخابه نائباً عن حزب «المحافظين»، ثم تسلمه بضع حقائب وزارية، منها وزارة التعليم، ووزارة الخزانة.

الفلسفة السياسية

في مقدمة الكتاب، يوضح الزهاوي فلسفته السياسية، سواء عبر حديثه عن الموقف البريطاني من ثورة 25 يناير 2011 في مصر التي أدت إلى تنحي الرئيس حسني مبارك، وأثار غضبه، يقول: «حين تواجه قيمُك تحدياتٍ، يتعين عليك أن تستعدَّ للدفاع عما تؤمن به، مهما ارتفع صوتُ خصمك أو هددك. لقد كان ذلك درساً مفيداً لي، وأسرع بكثير مما كنت أتوقع».

أو بعد اصطدامه برئيس الوزراء بشأن رغبته في أن يحل مجلس منتخَب محل مجلس اللوردات، وقتها قال: «أعتقد أنك ترتكب خطأً، يا سيادة رئيس الوزراء»... ويشرح: «تعودت على العمل في بيئة يشعر فيها الناس بالأمان للتعبير عن آرائهم، لذا حين أُثير موضوع مجلس اللوردات واقتراح إلغائه، قررت أن أكون صادقاً بشأن مشاعري»، ثم يقول: «غادرتُ ذلك المساء، وأنا مدرك أنني ربما لم أترك أفضل انطباع أولي لدى رئيسي الجديد، لكنني نمت وضميري مطمئن لأنني على الأقل قلت رأيي»... «أنا أتحدر من بلد لم يعترض فيه أحد على هدم المؤسسات الوطنية. وكانت أسرتي قد فرّت من العراق ونظام صدام حسين قبل أكثر من ثلاثين عاماً. وقد شعرتُ بحاجة قوية إلى الالتزام بالضوابط والتوازنات التي توفرها مؤسساتنا الديمقراطية للجمْ أي زعيم، أو نظام بعينه، وذلك لأن لديَّ نظاماً بديلاً. ومن مبادئ المحافظين الأساسية أن الأشياء يصعب خلقها، والحفاظ عليها، ولكن من السهل جداً تدميرها».

ويقول: «كان والدي يقول دوماً: تكون الطريقة الفُضْلى لقيادة الجيش من المقدمة... فحين تتعرض قيمك للخطر، فلا تنتظر من الآخرين أن يُدافعوا عنها. قِف واجهَر بصوتك حتى لو كان ذلك يعني أنك أول من تُطلَق عليه النار!».

عن هذه الفلسفة يقول: لقد قطعتُ شوطاً طويلاً منذ فرارنا من العراق، ولكن احترامي للديمقراطية لم يضعُف في هذه الأثناء. فقد عرفتُ من كثبٍ ما يعنيه العيشُ في مكان يدمر فيه الرجال الطامعون بالسلطة أي شيء يقف في طريقهم للوصول إلى القمة، حيث لا قيمة للمؤسسات إلا حين تصبح عقبةً. ربما كانت بريطانيا وطني لمدة خمسة وثلاثين عاماً تقريباً، ولكن ماضيَّ كان السبب وراء شعوري القوي بحماية كل ما تمثله الآن.

بيت في بغداد

بحسب وصفه، كان المنزل الوحيد الذي عاش فيه الزهاوي هو منزل جَدِّه لأبيه في شارع الطبري في منطقة الوزيرية ببغداد، «وهو بناءٌ مُنْعَزِلٌ مسطَّحُ السقف مبنيٌّ من الطوب الأصفر على قطعة أرض كبيرة تقع على ناصية شارع. كانت تمتد على عرض المنزل شُرْفةٌ مسقوفةٌ للأيام التي تشتد فيها الحرارة إلى درجةٍ لا تسمح بالخروج في الشمس».

لم يكن ذلك المنزل فخماً جداً، ولكنه كان ضخماً للغاية، وبه غرفٌ وسيعةٌ فسيحةٌ تليق بواحد من «أعيان» بغداد. كان سكان حي الوزيرية عموماً ممن كنا يسمون أصحاب الطبقات المهنية: أناس يعملون في الحكومة، أو موظفون مدنيون رفيعو المستوى. تعني «الوزيرية» الحي الذي يقطنه الوزراء -والتسمية مشتقةٌ من اسم الصدر الأعظم، أو الوزير الأكبر، في الدولة العثمانية.

وبحسب قوله فإنه «لو كان للأرستقراطية وجودٌ في العراق، لكان آل الزهاوي تاريخياً جزءاً منها». فقد كانوا في الأصل جناحاً أساسياً من أسرة بابان الذين كانوا أمراء إمارة بابان الذين بنوا السليمانية، المدينة المعروفة بأصولها الإبداعية الفنية التقدمية. لكن مكانتهم في المجتمع لا علاقة لها بالمال، بل بالعلم. إذ لم يشتهروا بثرواتهم بقدر ما اشتهروا بعقولهم، وقد جسَّدوا مجتمعين النزعةَ الفكريةَ خيرَ تجسيد. فقد كان جَدُّ جَدِّي -محمد فَيْضي الزهاوي- المفتي الأكبر في بغداد. وهو أكبر فقيه في البلاد. «وكان ابنه، جميل صدقي الزهاوي، عمُّ جَدِّي، يُجاهر بإلحاده وواحداً من أشهر الشعراء في الشرق الأوسط». وقد أُدْخِلت قصائدُه في المناهج الدراسية في العديد من الدول العربية -وهو إنجازٌ لا يُستهان به لشخصٍ لغتُهُ الأولى هي الكردية.

أما المدرسة الابتدائية التي تعلّم فيها مبكراً، في المنصور، فكانت تطبّق نظام التعليم الإنجليزي، وكانت قديماً مدرسةً خاصةً تحت الانتداب البريطاني. «وبحلول عام 1973، بُعَيْدَ التحاقي بروضة الأطفال، أُمِّمت المدرسة تأميماً كاملاً. ربما كان البعثيون إرهابيين متعطشين للدماء، لكنهم كانوا اشتراكيين أيضاً. فقد كان كل مسؤول حكومي، بمن فيهم صدام حسين، يرسل أطفاله إليها. كنا نحن البقية نخشاهم، ولا سيما إذا أرادوا أن يكونوا أصدقاءك أو -الأنكى من ذلك- إذا استهوتهم أختك. لم يكن أحد يريد الاقتراب منهم كثيراً» (...) «زمنَ وجودي في المدرسة، كان البعثيون يفرضون وجودهم في كل مناحي الحياة، وفي النهاية أغلقوا مدرسة المنصور بدعوى أنها مؤسسة إمبريالية» (ص21).

يتحدث الزهاوي عن حياة الانفتاح التي عاشتها أسرته «كان والداي يحبان استضافة اللِّبراليين من أمثالهم، فكانا يقيمان لهم حفلاتٍ كبيرةً. وأيّاً كان النظام السياسي، والمناخ السائد، كانت الموسيقى الشيء الوحيد الذي يوحد الناس في الشرق الأوسط، ولكن في منزلنا لم تكن الموسيقى غربية قطّ. كان صديق والدي باحثاً في الموسيقى وكان ذا صوت جميل. وكان يأتي أحياناً ليغني في هذه الحفلات. وكان الجميع يتحلقون حوله ويشاركون في الغناء» (ص25).

ويقول: «لم يكن الدين جزءاً من حياة أُسرتي... (...) كان والداي مسلمَيْن، مثل أصدقائهما، لكنهم كانوا جميعاً يشربون الخمور، ولم تكن نساؤهم يغطين رؤوسهن» (ص26).

رغم ذلك فلم يكن والده على وفاق مع السياسات الحكومية آنذاك: «كل من في دائرة والدي يكره الوضع الراهن، لكن ما لم تكن تنوي القيام بشيء بشأنه، فعليك أن تحمل صليبك بصمت. كنا جميعاً في مَصْيَدة».

السياسة والعنف في العراق

يتحدث الزهاوي الذي غادر العراق وعمره 11 عاماً عن الحكومات التي تعاقبت على السلطة في العراق، من العهد الملكي إلى العهد الجمهوري، من الاحتلال العثماني إلى الانتداب البريطاني، برؤية عميقة، ولغة رشيقة، لكنه يتوقف عند التاريخ الدموي الذي صبغ وجه السلطة في العراق: «من المؤسف أن الانقلاب الدموي الذي جاء بقاسم (عبد الكريم قاسم) إلى السلطة أرسى سابقةً لكيفية تعامل القادة مع أعدائهم، فبعد خمس سنوات ذاق قاسم السم الذي سقاه غيرَه... ففي الثامن من فبراير (شباط) 1963، قاد عبد السلام عارف، مساعدُه الأيمن، ثورة رمضان في انقلاب آخر. حوصرَ قاسم وجيشه لمدة ثلاثة أيام في مكتبه بوزارة الدفاع. واستولى المتمردون على الإذاعة والتلفزيون الخاضعين لسيطرة الحكومة، وأعلنوا وفاة قاسم مع أنه ما زال على قيد الحياة في داخل المبنى، (...) وبعد ثلاثة أيام، أُطلِقت النار على قاسم في محطة الإذاعة. وعُرِضَت جثته على شاشة التلفزيون وهو مُتَكَوِّمٌ على كرسي لتكون دليلاً إضافياً على استيلاء عارف على السلطة. وإمعاناً في النكاية، رفع جنديٌ رأس قاسم المهمدَ وبصق في وجهه. لم تكن النُذُر أشدَّ وضوحاً: فقد حلَّ في البلاد زعيمٌ جديدٌ» (ص32).

ويتحدث عن عهد صدام حسين «الممزوج بجرعة كبيرة من جنون العظمة»، فيقول: «إذا أردت إدارة بلد بالخوف، فعليك أن تعيش كل يوم وأنت تعلم أنك هدف سهل». كان رد فعل صدام حسين «حرصه على مراقبة كل شيء وكل شخص، وهو ما جعل الحياة لا تطاق أبداً».

ثم يقول الزهاوي: «إن تاريخ العراق مليء بالعنف الشديد، ومن الصعب أن تجد عراقياً لم تتأثر أسرته بأهوال ذلك التاريخ. وحين يتعرض أي مجتمع للوحشية بهذه الطريقة، يصبح الناس أكثر وحشية، ويعتقدون أنه لا سبيل إلى السلطة إلا بالاستيلاء عليها بالقوة. ويصبح المظلومون هم الظَلَمة، وتبدأ الدورة من جديد. هكذا كان العراق في شبابي» (ص34).

وتحت عنوان: «صدَّام وبَعْثِيّوه» يقول: «أصبح العراقُ في عهد صدام الستارَ الحديديَّ للعالم العربي. ولهذا السبب، يصعب عليَّ أن أعبر عن قيمة الحريات التي اكتسبتُها بالانتقال إلى المملكة المتحدة. فحين تخبر الناس بأنك نشأت في دولة يحكمها حزب واحد، فهذا لا معنى له تقريباً ما لم تكن قد شهدت ذلك بنفسك. قد يكون أبلغَ أثراً لو أخبرتك أن خال زوجتي أخفى أسنانه المخلوعة في جيب بِنْطاله الذي أرسله إلى منزله للغسيل ليخبرهم بأنه يتعرض للتعذيب في السجن» (ص35).

في الصفحات التالية من الكتاب يروي قصة هروب والده من العراق، والظروف الأمنية القاسية التي كابدتها الأسرة، فقد كان على الأسرة أن تتحمل عواقب رحيله. «فما إن اختار أبي الرحيل، استحق لقبَ مجرم، ناهيك عن كون التهم زائفة. فحين يعتقد الناس أن رب أسرتك خائنٌ، فإنهم سرعان ما ينقلبون عليك في بيئة تعجُّ بالخوف، والتلاعب» (...) «في المدرسة، اعتزلني زملائي بين عشية وضحاها، وأُفرِدْتُ إفرادَ البعيرِ المُعَبَّدِ. لم يُجْبَر أحدٌ على (الموافقة) على ذلك؛ كان الأمر بديهياً. كانوا جميعاً يعرفون واجبهم. فقد كان والدي مجرماً وربما جاسوساً إمبريالياً -وهو الشيء الذي نحذَّر منه مراراً وتكراراً على شاشة التلفزيون (ص51).

رحلة مثيرة

ثم يروي سيرة حياته الأولى في العاصمة البريطانية التي فرّ إليها مع والدته، حيث ترك والده الأسرة هناك ليتفرغ لأعماله في آسيا: «مع أننا أتينا إلى إنجلترا لبدء حياة جديدة، لم يعمل أبي هنا قط. فبينما بقيت أنا وأم وجيهان في شين، كان أبي يعيش بين كوالالمبور وصباح في منطقة كينا بالو في ماليزيا، حيث كان يدير مشروع اتصالات ضخماً. وكان يأتي لزيارتنا لمدة أسبوع، أو نحو ذلك، كل شهرين».

وكذلك حياته في التجارة، والسياسة، وفي نهاية سرد المذكرات، يقول الزهاوي: «لو قلت في وصف كتابة هذا الكتاب بأنها رحلة مثيرة، فلن أفِيَهُ حقه. فقد تزامنت هذه الرحلة مع أشد حقبةٍ اضطراباً في مسيرتي المهنية حتى الآن، وكانت مثيرة للاهتمام».

يضيف: تحولت الحكاية من حكاية فتى مهاجرٍ أصبح وزيراً للتعليم في المملكة المتحدة إلى حكايةٍ عن قيمي، ومنبع أخلاقي.

الخروج من السياسة

طالما كانت الحياة التجارية لناظم الزهاوي تثير الاهتمام في وسائل الإعلام البريطانية، خاصة بعد صعوده السياسي، وكان يُشار إليه باعتباره واحداً من أغنى السياسيين في البرلمان البريطاني، وقدّرت إحدى الصحف ثروته بنحو 100 مليون جنيه إسترليني.

لكن الاتهامات لاحقته بعد اتهامه بالتهرب الضريبي، وكشف تحقيق مستقل في شؤونه الضريبية عن وجود «انتهاك خطير للقانون الوزاري»، وقيل وقتها إنه قام بتسوية ضريبية مثيرة للجدل دفع فيها ملايين الجنيهات، مقابل عدم سداده لضرائب مستحقة عليه.

وقام رئيس الوزراء ريشي سوناك بإقالة ناظم الزهاوي، رئيس حزب «المحافظين» الحاكم، بعد تحقيق أجري في ملفه الضريبي.

بعد أن خلص تحقيق مستشار الحكومة للقيم الجديد السير لوري ماغنوس إلى أن الزهاوي لم يكشف بوضوح عن موارده المالية.

وأرسل سوناك رسالة إلى الزهاوي قال فيها: «نتيجة لذلك، أبلغك بقراري وهو عزلك من منصبك في حكومة جلالته».

يصف الزهاوي وقع الخبر الذي حاول تفاديه على نفسه قائلاً (في مذكراته): «في الثامنة صباحاً، تلقيت المكالمة التي كنت أخشاها من رئيس الوزراء: سيدي الوزير، رئيس الوزراء ورئيس الحزب على الخط. تجهزت لتنفيذ حكم الإعدام بي. (...) ألقيت عليه بكل ما لدي لعلّي أمنعه من قول ما كنت أعرف أنه سيقوله لا محالة. (يؤسفني أن ينتهي الأمر هكذا، يا ناظم). قلت له إن ذلك يؤسفني أيضاً، وأغلقنا الهاتف. هذا كل شيء» (ص324).

ثم يقول: «تلا ذلك صمتٌ رهيبٌ شعرت فيه كأن بطني قد شُقّت، وكنت أنتظر أن تندلق أحشائي على الأرض وتبدأ النهاية. كنت قد جئت إلى الحكومة لعلِّي أُحدِث فرقاً. وكنت آمل أن أكون حاشيةً لا تُنسى في سفْر التاريخ السياسي».

لكن مرة أخرى يستعيد الزهاوي معاناة أسرته تحت حكم صدام حسين، مع الفارق الكبير في الموقفين... ينقل عن وليَم هيغ وزير الخارجية البريطانية الأسبق الذي حضر اجتماعاً حزبياً قبل إقالة الزهاوي بأيام: «كان ضيفنا المتحدث في ذلك المساء هو وليَم هيغ الذي وضع ذراعه على كتفي بتعاطف وذكر لي ما حققتُه وأنني تحملت ما هو أسوأ بكثير في عهد صدام حسين، وأنني سأتغلب على أي شيء يُلقى عليَّ الآن». (ص323).

في حديثه عن تجربة إقالته، عبّر عن توجسه من الصحافة قائلاً: «في الفضائح العامة، كان أكثر شيء أمقته هو السياسي المخلوع الذي يضطر إلى الرد أمام الكاميرات، مثل دبٍّ يُعَذَّب في حفرة. لم تكن لدي أي نية لمنح الصحافة الفرصة لتتشفّى بي». ويقول: «كنت أعلم من التجربة أنه من المستحيل تقريباً إدارة حكومة حين يكون ضجيج وسائل الإعلام هو الذي يوجِّه جدول أعمال الحكومة» (ص327).


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي