جمال مصطفى: مشوا تباعاً إلى حبل المشنقة ولم يرف لهم جفن

صهر صدام حسين وسكرتيره الثاني يروي لـ«الشرق الأوسط» أيام القصر وأيام الزنزانات (2)

TT

جمال مصطفى: مشوا تباعاً إلى حبل المشنقة ولم يرف لهم جفن

صدام مع ابنته حلا في صورة غير مؤرخة (غيتي)
صدام مع ابنته حلا في صورة غير مؤرخة (غيتي)

لم يتوقع المحيطون بصدام حسين أياماً قاسيةً من قماشة التي عاشوها معه في المعتقل. لم يخطر ببالهم أن تلقي الآلة العسكرية الأميركية بكامل ثقلها فيتداعى النظام ويسقط مع الحزب والجيش، وأن تتقدم قوى حليفة لإيران إلى مواقع القرار في النظام الجديد.

دار الزمان دورة صاعقة وكاملة. الرجل القوي الذي كان ممسكاً بالمصائر تحوّل سجيناً مع شعوره أن موعد إعدامه آتٍ وإن تأخر قليلاً. كان الرجل عنيداً حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. لم تنكسر إرادته ولم يطلب لشخصه شيئاً من سجّانيه. ساهم في رسم صورة ما بعد إعدامه. وأعطاه الحكام الجدد فرصة تثبيت هذه الصورة باختيارهم توقيت الإعدام والتعرض بعده لجثته.

أركان القيادة الذين كانوا يتحلقون حول رئيسهم على طاولة مجلس قيادة الثورة أو مجلس الوزراء توزعوا هذه المرة في زنزانات المعتقل. استجوبهم أميركيون واستجوبهم عراقيون وكان الإعدام مدرجاً منذ البداية على جدول الأعمال.

صدام مع ابنته حلا في صورة غير مؤرخة (غيتي)

في هذه الحلقة يتحدث الدكتور جمال مصطفى السلطان عن رحيل رفاقه وأقاربه إلى حبل الإعدام. سيروي أيضاً كيف تزوج حلا أصغر بنات الرئيس صدام حسين، ويتحدث عن السلوك العائلي لصدام وهواياته، وهنا الحلقة الثانية:

سألت جمال مصطفى السلطان عن أبرز الذين أُعدموا خلال وجوده في المعتقل والظروف التي رافقت إعدامهم والملابسات فأجاب:

«السيد الرئيس والأستاذ طه ياسين رمضان، نائب رئيس الجمهورية، وخالي علي حسن المجيد، عضو مجلس قيادة الثورة، وخالي الآخر عبد حسن المجيد، وعواد البندر، وكيل رئيس الديوان، وبرزان إبراهيم الحسن، الأخ غير الشقيق للرئيس، والفريق عبد حمود، سكرتير السيد الرئيس، وفاروق حجازي، وهو كان معاوناً لمدير المخابرات في مرحلة ما ثم سفيراً للعراق في تركيا.

لفهم ما رافق الإعدامات أحيلك إلى فيديو وزّع حديثاً لخضير الخزاعي النائب السابق لرئيس الجمهورية بعد الاحتلال. يعترف الخزاعي بالصوت والصورة أنه لم يجد ما يبرر حكم الإعدام الذي أصدرته المحكمة بحق الفريق عبد حمود. أخطر ما في الأمر اعترافه بأنه ذهب إلى إيران وتشاور مع مرجع قضائي هناك أورد اسمه، وأن الأخير شجعه على التوقيع ففعل. والحقيقة أننا شعرنا منذ البداية أن المحكمة أداة انتقام تعمل بأوامر إيرانية. أبلغوا عبد حمود بنقله إلى المستشفى، وفي المساء قال لنا الحراس إنهم نفذوا بحقه حكم الإعدام.

السيد الرئيس كان يتوقع أن يُعدم. والحقيقة هي أن مجرد وجوده حياً ولو في السجن كان يثير قلقهم. ويمكنني الجزم أن أعضاء القيادة واجهوا بشجاعة قرار إعدامهم ولم يبدر منهم أي ضعف أو يرف لهم جفن. ذات يوم أبلغوا برزان وعواد البندر بقرار الإعدام. كنت أمارس الرياضة مع عواد ولا أبالغ إن قلت إنه كان محتفظاً بتفاؤله. أخذوا برزان وبندر لتنفيذ الحكم ثم أعادوهما وأرجأوا التنفيذ إلى موعد لاحق ثم أعدموهما في اليوم نفسه. وفي موعد آخر عرفنا من الحراس أنهم أعدموا عبد حسن المجيد وفاروق حجازي وهادي حسن (ضابط في المخابرات).

سأعطيك فكرة عما كان يجري. ذات يوم لفقوا لي تهمة مفادها أنني أعطيت قبل الاحتلال السيد خميس الخنجر (سياسي سُنّي) مبلغ مائتين وخمسين مليون دولار. طبعاً لا أساس لهذا الكلام. قالوا لي: إذا لم تعترف بذلك ستبقى في السجن طيلة عمرك.

رفضت أن أخضع وقلت لهم إن علاقتي به عادية كوني كنت مهتماً بملف العشائر. عادوا إليّ لاحقاً بسيناريو مختلف. قالوا ننقلك إلى السفارة العراقية في الأردن وتعترف هناك بأنك سلّمته المبلغ، وبعد الاعتراف يطلق سراحك في عمّان مع مبلغ مالي ضخم. أجبت أنني لن أفعل مهما كان العرض ولن أتخلى عن قيمي للإيقاع بخميس الخنجر الذي كان صديقي. لفقوا لي لاحقاً تهمة المشاركة في عملية تجفيف الأهوار ولم تكن لي أي علاقة بهذا النوع من الملفات».

الاتصال الأول بعد الإعدام

سألته متى اتصل بزوجته حلا لتعزيتها بعد إعدام والدها الرئيس، وكيف كانت أوضاع والدتها السيدة ساجدة خير الله طلفاح التي تعيش معها فأوضح: «بعد خمسة أيام من استشهاد السيد الرئيس، اتصلت بعائلتي فتحدثت مع زوجتي ووجدتها تتمتع بمعنويات عالية جداً وكان إيمانها وصبرها عاليين جداً وفي الوقت نفسه سألتها عن عمتي السيدة أم عدي فطمأنتني وقالت لي إن معنوياتها عالية على رغم الألم. حقيقة المصاب كبير وجلل والتضحيات عظيمة ولكن الله سبحانه وتعالى حباها بالإيمان والصبر والعزيمة والهمة، وكانت الحقيقة قوية جداً، الله يعطيها الصحة والعافية ويطول بعمرها لأننا دائماً نستمد القوة منها والإصرار على المضي في هذا الاتجاه. خسرت عمتي نجليها عدي وقصي ثم خسرت زوجها. وهي في الحقيقة لعبت منذ البداية دوراً كبيراً في دعم زوجها السيد الرئيس منذ بدأ نضاله. كانت تسانده وتدعمه في عمله إلى أن وصل إلى القيادة واستمرت تسانده وتقف إلى جانبه وكان لها دور كبير».

بداية الرحلة مع الرئيس

يسترجع جمال مصطفى بداية رحلته مع صدام حسين على الشكل الآتي: «كان ذلك عندما باشرت عملي بالحماية الخاصة المرافقة للسيد الرئيس. أول لقاء حصل معه ورأيته. ربما كان لدي تصوّر مثل بعض العراقيين والعرب والإخوان أنه شخص صعب، لكن حقيقة رأيته إنساناً أبوياً. عندما تتعامل معه وتقترب منه تتكون لديك رؤية مختلفة عما كنت تعتقده، لأن تعامله أبوي جداً. هذا أول لقاء معه.

سألني عن اسمي ومن أكون. نحن أبناء العشيرة نفسها ونلتقي معه في الجد الرابع أي أننا (أبناء) أعمام. والدتي أيضاً ابنة عمه. في كل الاتجاهات نحن (أبناء) أعمام.

رافقت السيد الرئيس الله يرحمه قرابة 20 سنة، بدءاً من الحماية ثم كلفني بعمل شؤون المواطنين، أي الاهتمام باحتياجاتهم ومشاكلهم ومقابلاتهم معه. كان يهتم جداً بشأن المواطنين ولا يسمح بأن يظلم واحد منهم ويهتم بمعالجة المسائل لأي مواطن إذا كانت لديه مشكلة في الجانب المادي أو علاج أو أي جانب من الجوانب التي يحتاجها المواطن. وحقيقة، كان كثير من القوانين يتغير آنذاك بناء لشكوى قدمها مواطن. تُغيّر أو تُعدّل من خلال شكاوى المواطنين.

كان هناك هاتفان في مكتب السيد الرئيس ولهما اتصال بمكتبي. من لديه مشكلة يستطيع أن يتصل بالسيد الرئيس من خلال تليفونات المواطنين وأنا كنت أجاوب على اتصالاتهم وأسمع مشاكلهم وبعدما أسمع مشاكلهم أحدد لهم مقابلة السيد الرئيس وأحياناً أطلب من المتصل أن يحضر الطلب لنعالج له مشكلته. فكان أحياناً يدخل على التليفون ويتحدث معي ويقول لي: ما هو موضوع المواطن؟ فأخبره، فيقول لي: أعطني المواطن لأتحدث معه. وفعلاً يستمع له ويقول له تعال غداً إلى استعلامات المجلس الوطني لمواجهتي وفعلاً يأتي. وفي القصر الجمهوري والمجلس الوطني كانوا يتلقون طلبات المواطنين ويجلبونها إلى الاستعلامات فتصلنا ونوصلها إلى السيد الرئيس. وهكذا يلتقي خلال الأسبوع مئات المواطنين ويحل مشاكلهم وكان يهتم جداً بهذا الجانب.

أحكي كشخص تعامل معه عن قرب. إنسان حقيقة لا تستطيع أن تصفه ولم أر إنساناً بمثل هذه الطباع. يصغي ويهتم ثم يوجه بالحل. عندما كنت أعرض عليه أمراً أقول له: الموضوع الفلاني كذا كذا. يصغي إلى أن أكمل، ثم يطرح علي ويقول لي: باعتبار هذا العمل عملك واختصاصك، ما هو رأيك؟ فأعطيه رأيي ويأخذ به.

من خلال عملي أسوق لك بعض الأمثلة حصلت معي. كان هناك مؤتمر للشعراء في عمّان، وذهب إليه الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد، وهناك حصلت لقاءات مع عراقيين وغير عراقيين، وهناك من قال له: لماذا لا تبقى أو حاول أن يبقيه في عمّان. كان ذلك قبل الحرب بفترة قصيرة. الرجل ربما تأثر بالكلام الذي قالوه له وكتب رسالة إلى عائلته يحثها على الالتحاق به في عمان. رسالته وقعت في يد جهاز المخابرات. طبعاً أجهزتنا كانت، رغم ظروف الحصار، قوية. جاءتنا الرسالة. بعثتها المخابرات في كتاب وقالوا إن هذا ما حصل مع عبد الرزاق عبد الواحد وهو يحث عائلته على الالتحاق به في عمّان.

جمال مصطفى السلطان (الشرق الأوسط)

عادة عندما تأتيني أمور كهذه، كمكتب سكرتير، نقوم بالفعل التالي: نبحث، أو نطلب آراء مسؤولين وقياديين، مثل الأستاذ طارق عزيز والأستاذ طه ياسين رمضان أو الأستاذ عزت إبراهيم. كل المسؤولين الكبار نطلب رأيهم، وبعد أن يكتمل الرأي نعرض المسألة على السيد الرئيس. اكتمل الرأي ولكن كانت الآراء متشددة أن هذا كيف يروح وهذا كذا... كلام فيه قسوة نوعاً ما. نحن كنا ذاهبين إلى اجتماع مجلس الوزراء وكان الفريق عبد حمود، الله يرحمه، السكرتير وأنا وأحمد حسين، الله يفرج عنه، الآن هو في السجن، رئيس الديوان. قلت لهم أنا رأيي الشخصي إننا بدلاً من أن ندخل في هذه التفاصيل والمتاهات أفضل أن نكلف ضابطاً من المخابرات يحمل الرسالة ويذهب إلى عائلة الشاعر الكبير وينقل تحيات السيد الرئيس إلى العائلة ويقول لهم هذه الرسالة موجودة عندكم، إن كنتم تريدون مغادرة البلد نحن مستعدون لمساعدتكم، وأي مساعدة تريدونها لذلك فنحن حاضرون. أما إذا كنتم تحبون البقاء في بلدكم فهذا أمر يخصكم. اختاروا ما يريحكم.

وفعلاً وصلنا إلى السيد الرئيس قبل أن ندخل إلى اجتماع مجلس الوزراء وعرض هذا الرأي وقال السيد الرئيس نعم، ونعم الرأي. قال هذا هو الصحيح، لأن عبد الرزاق عبد الواحد رجل محسوب علينا وهو من الشعراء الكبار في العراق فلا يمكن أن نتصرف تصرفاً غير هذا التصرف الحكيم. وفعلاً أرسلنا شخصاً إلى عائلة عبد الرزاق عبد الواحد، والعائلة امتنعت عن الالتحاق به في الأردن ثم دعوه للعودة إلى العراق ورجع إلى العراق وفعلاً كتب قصيدة جميلة جداً قبل الاحتلال، للسيد الرئيس وكرمه عليها وأهداه سيارة.

وعندي مثلاً مرة أخرى أتذكر أنا كنت مناوباً في يوم عيد وجاءني أحد مرافقي السيد الرئيس وقال لي: السيد الرئيس يسأل كيف دخلت طيارات المفتشين (الدوليين على أسلحة الدمار الشامل في العراق) ومن أعطاهم موافقة بالدخول؟ قلت له: أنا أيضاً ليس لدي علم من أعطاهم موافقة وليس لدي شيء بهذا الاتجاه بل سمعت بالأخبار مثلما أنتم سمعتم، وكان الأستاذ طه ياسين رمضان هو المشرف في تلك المرحلة على موضوع التفتيش، فاتصلت به وسألته عن الموضوع فقال لي: تفضل إلى بيتي لنتحدث في الأمر. ذهبت إليه وكتب لي مطالعة وقال لي: أنا أعطيت الموافقة بحكم صلاحيتي الممنوحة لي كعضو مجلس قيادة الثورة، وأنا تصرفت وفق صلاحيتي، وفعلاً رفعناها إلى السيد الرئيس، فقال: فعلاً مارس الرجل صلاحيته.

لم يكن يعترض عندما يكون هناك شيء صحيح. وأتذكر عندما كلفني العمل في شؤون المواطنين قال لي إنك ستكون مسؤولاً عن هذا العمل وهذه مسؤولية أمام الله وأمامي، وإذا جاء أي مشتكٍ عراقي عليك أو بالأحرى على عدي وقصي تأتي بها إليّ مباشرة، فقلت له: تأمر سيدي. هذه أمانة وإن شاء الله لا أقصر فيها. وفعلاً بعد فترة من الزمن، سنتين أو ثلاثاً، جاء مواطن و(اشتكى عليّ)، قدّم طلب (شكوى عليّ) فحملت شكوى المواطن وذهبت إلى السيد الرئيس الله يرحمه وقلت له سيدي هذا الموطن اشتكى عليّ، فقرأ الشكوى وهمش عليها: تُشكّل لجنة للتحقيق والتأكد من هذا الكلام. وفعلاً تشكلت لجنة وحققت معه ومعي وتبيّن أن هذا الكلام كان مغلوطاً وغير دقيق وانتهى الأمر.

أذكر مرة جاءتني شكوى من مواطن من الناصرية (يشتكي على) المحافظ، وفعلاً قدّم الطلب وقرأت طلبه ورفعته إلى السيد الرئيس وكتب: تشكّل لجنة للتحقق من الموضوع، وفعلاً تبينت مصداقية المواطن والمحافظ كان قائماً بعمل غير صحيح تجاه المواطن ونُقل على أثرها».

صهر الرئيس

متى ذهبت إلى الرئيس صدام حسين لتطلب يد ابنته حلا؟ أجاب: «في عام 1994 ذهبنا أنا وأعمامي وأخوالي كالعادة. نحن في عُرفنا وعُرف العراقيين عامة عندما تتقدم لطلب امرأة تأخذ أسرتك. أعمامك وأخوالك، أي الناس القريبين منك، لأجل طلب التي تسعى للزواج منها. وفعلاً ذلك حصل كما يحصل مع العوائل العراقية الأخرى، ومثلما يحصل مع عشيرتنا بالذات.

نحن من قبيلة البوناصر، وهي من القبائل الكبيرة في العراق، ويقطن أفرادها في مناطق عدة منها صلاح الدين والفلوجة والبصرة وكركوك. أخذت عدداً من أسرتي وأعمامي وأخوالي. تحدث أحد أعمامي إلى السيد الرئيس وطلب الزواج من كريمته حلا للمعني وهو جمال مصطفى. وافق السيد الرئيس وكان مرحباً. وعلى الفور كان القاضي قريباً. أتينا به في ذات اللحظة التي وافق فيها السيد الرئيس. عقد القران وتغدينا عند السيد الرئيس - الله يرحمه - مع أعمامي وأخوالي والجميع ثم غادرنا. أتذكر أول لقاء حصل مع حلا في 12-9، ثم تم الزواج في 26-9. فترة قصيرة، ونحن عادة عندما تحصل الخطبة لا تطول الفترة للزواج، فتم الزواج ومشينا في هذا الطريق.

كان السيد الرئيس يفصل بين العمل الرسمي وعلاقاته العائلية. عمله كان مختلفاً عن العائلة نهائياً. والعائلة لا علاقة لها بالعمل السياسي والدولة. لا تتدخل في هذا الجانب. فالسيد الرئيس في العمل رجل دولة، وعندما يأتي إلى البيت يأتي كأب، أي يتعامل مع أسرته كأب وأب مثالي. وكل أسرة تتمنى أن يكون عندها أب بمستواه لأنه يعتني بأولاده من الصغير إلى الكبير، يهتم بكل عائلته. عندما يجلس إلى الغداء مثلاً هو بنفسه يصب الطعام ويسأل أولاده ماذا يريدون؟ يصب لكل واحد منهم ويهتم جداً بالعائلة وأسرته. الدولة شيء والأسرة شيء آخر. وهو في الوقت ذاته يتعامل مع العراقيين كأب للعراقيين كلهم ولا يميز بين عدي وفلان من العراقيين. يتعامل معهم بنفس الصيغة وذات الأسلوب وبذات العدالة. هذا هو صدام حسين.

كما ذكرت لك، أي شكوى يتعامل معها بحدية وعدالة عالية مع أبنائه أو غير أبنائه. يتعامل بعدالة متناهية، لأنه يسعى دوماً إلى أن يحقق العدل للعراقيين بصورة عامة ولا يسمح بأن يظلم عراقي أبداً. لم يسمح بأن يظلم عراقي مهما كان وفي أي نقطة من العراق. فهو رجل، الله يرحمه ويغفر له، كان يتعامل مع أولاده بشدة إذا قصّروا في أي اتجاه من الاتجاهات».

هوايات صدام حسين

أي نوع من الطعام كان صدام حسين، وماذا كانت هواياته؟ يقول: «هو رجل عربي أصيل كان يحب الأكلات العربية العراقية الأصيلة. كان دائماً يطبخ بيده أكلة الهبيط. كان يطبخها بطريقته. نحن تعلمنا منه هذه الطريقة التي تجعل طعمها مختلفاً عن الهبيط الذي يطبخ في العراق. أي يكون لها طعم خاص مميز. وهي لحم ومرقة وثريد الخبز. هذا هو الهبيط. وفي الوقت نفسه الأسماك، المسكوف الذي يحبه العراقيون. كان هو يعدّه.

كانت لديه هوايات مختلفة، مثلاً ركوب الخيل، الفروسية، ثم الصيد والسباحة والرماية. كان يحب الصيد بشكل متواصل وكان أحياناً قبل أن يذهب إلى جبهات القتال مع إيران، يحاول في منطقة العمارة التي فيها كثير من أنواع الصيد كصيد الغزال والوزّ، وكان أحياناً يصطاد وهو في الطائرة. من المروحية. أحياناً يكون في الطائرة ومثلاً يمر رف أوز على ذات المستوى، فيطلق النار على الأوز ثم تنزل طائرة أخرى تحمل ما تم اصطياده. كان يمارس هذه الهواية لفترة من الفترات. ولكن لاحقاً صار المكان بعيداً والظروف صعبة فراح يمارس هواية صيد السمك بشكل متواصل.

كان بارعاً في الرماية منذ صغره. نحن بحكم تكويننا العشائري، بصورة عامة، كل واحد من الأولاد عندما يكبر قليلاً يبدأون في تعليمه الرماية ويكون رامياً جيداً. هذا هو تكويننا. في الوقت نفسه كان قارئاً كبيراً. يقرأ بشكل متواصل، دائماً يقرأ ويكتب أيضاً».

سألته عن الشاعر الذي أحبه صدام، فأجاب: «بصورة عامة كان يحب الاستماع إلى الشعراء. كان شعراء عراقيون كثيرون يسمعهم، مثلاً عبد الرزاق عبد الواحد كان من فحول الشعراء العراقيين، وكثيرون مماثلون كان يسمعهم، وبعضهم كانت له علاقة معهم.

لا أعتقد أن علاقة قوية ربطته بمحمد مهدي الجواهري. الجواهري أصوله فارسية، والرجل على مر العصور يختلف مع كل حكومة تأتي لأجل الاختلاف لا لأجل مصلحة عامة، بل لأجل مصالح شخصية، فيختلف مع كل الحكومات التي تعاقبت على الحكم في العراق. لا يختلف لأجل الوطن إنما اختلاف شخصي ولأجل مآرب شخصية».


مقالات ذات صلة

«كتاب العراق الأسود»... خوارزمية اقتصاديات الأحزاب

خاص رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)

«كتاب العراق الأسود»... خوارزمية اقتصاديات الأحزاب

يكشف تحقيق «الشرق الأوسط» عن خوارزمية الكيانات المالية لأحزاب وميليشيات في العراق، وكيف أنشأت جيشاً من المقاولين والوسطاء والشركات الوهمية والفعلية.

علي السراي (لندن)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي في بغداد (أ.ف.ب)

الأمن العراقي يتهم صهر صدام بالتخطيط لاغتيال مسؤول بارز

أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي أنه «أحبط مخططاً» لاغتيال رئيسه وعدد من الضباط من «خلية معارضة» مرتبطة بصهر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين

فاضل النشمي (بغداد)
خاص الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي) p-circle

خاص قصة الهدير الإيراني من عاصفة الخميني إلى «طوفان السنوار»

من ثورة الخميني إلى سقوط صدام وصعود «الحشد»... كيف تلقّت طهران هدايا خصومها ومددت نفوذها في الإقليم.

غسان شربل (الرياض)
خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
خاص توني بلير مستقبلاً الملك عبد الله الثاني في لندن قبل لقائهما المذكور في الوثيقة في 25 فبراير 2003 (أ.ف.ب)

خاص الأردن ينفي طرح دور للهاشميين في عراق ما بعد صدام

الأردن ينفي صحة تقارير عن طرح الملك عبد الله الثاني دوراً هاشمياً في عراق ما بعد صدام، مؤكداً أن محاضر لقاء 2003 مع بلير لا تتضمن ذلك.

محمد خير الرواشدة (عمّان)

قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

في وقت تواصل الحكومة العراقية جهودها لضمان حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية فقط، تسرّبت معلومات عن عدم تمكن قائد «فيلق القدس» الإيراني، إسماعيل قآاني، من تحقيق اختراق خلال زيارته الأخيرة لبغداد، لجهة التأثير على خطط رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، لنزع سلاح «الفصائل المسلحة» مع نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل.

في المقابل، نجح المسؤول الأمني الإيراني، كما يبدو، في ضبط إيقاع القوى السياسية الشيعية لجهة كيفية التعامل مع هذا الملف الحساس، وهو أمر تجلَّى في تصاعد الأصوات الرافضة تسليم السلاح.

وبات مراقبون سياسيون في العاصمة العراقية يربطون بين عزم رئيس الحكومة على إتمام مهمة حصر السلاح كاملة، مع انسحاب آخر جندي أميركي من العراق بنهاية سبتمبر المقبل، طبقاً للتعهد الذي ألزم نفسه به، وبين حاجة طهران للمناورة في سياق مواجهتها مع الولايات المتحدة وحاجتها إلى ربط بعض أذرع ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، ومنها الفصائل العراقية، مع مجريات المفاوضات المتعثرة بين الطرفين.

وفي سياق ربط الوقائع مع بعضها، يبدو أن الزيارة الأخيرة التي قام بها قآاني للعراق، وهي زيارة غير معلنة كالعادة، رسمت ملامح المرحلة المقبلة لجهة كيفية التعامل مع ملف الفصائل الرافضة تسليم سلاحها تحت ذريعة «عقائدية السلاح».

وتُطالب قوى وأطراف سياسية وعقائدية مرتبطة بإيران برفض الشروط الأميركية على إيران والشروط الأميركية على الحكومة العراقية فيما يخص نزع سلاح الفصائل، على أساس أن ذلك جزء من عملية تجريد طهران من مصادر قوتها، سواء في داخل إيران أو مع أذرعها في عدد من دول المنطقة، ومنها العراق.

جانب من أحد اجتماعات «الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (إكس)

وفيما تُحاول قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي، المنقسمة أصلاً على نفسها، مسك العصا من الوسط في العلاقة بين الزيدي والفصائل المسلحة من جهة، وبين الزيدي وإيران من جهة ثانية، يبدو موعد الثلاثين من سبتمبر المقبل من أكثر المواعيد صعوبة في العراق في الفترة المقبلة. ويختبر هذا التاريخ ما بات يُطلق عليه في العراق مصطلح «الحاكمية الشيعية» منذ عام 2003 حينما ساعد الأميركيون، بعد إسقاطهم نظام صدام حسين، القوى الشيعية في الوصول إلى السلطة ببغداد. وفي السنوات اللاحقة، تحوّل بعض القوى الشيعية المسلحة إلى طرح مسألة شرعية «مقاومة المحتل»، بذريعة أن عودة الولايات المتحدة للعراق عام 2014، بعد انسحابها منه عام 2011، تُمثّل احتلالاً جديداً للبلاد.

وفي هذا السياق، وفي ضوء التوتر الجاري حالياً بين مشروع رئيس الوزراء الهادف إلى حصر السلاح بيد الدولة وعدم قبوله بأي ثنائية مسلحة بعد موعد سبتمبر المقبل، ومشروع الفصائل الرافضة تسليم سلاحها تحت حجة «المقاومة»، يقول سياسي شيعي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القول بالخطر الذي يواجه نظام الحكم الذي نشأ في مرحلة ما بعد عام 2003، في حال جرى نزع سلاح القوى المسلحة، إنما هو كلام يراد به تخويف المواطن العراقي البسيط الواقع حالياً بين مطرقة قوى السلاح بذريعة المقاومة وسندان الضغوط الأميركية التي يمكن أن تصل إلى حد حرمان العراق من مبيعات نفطه التي تذهب إلى الخزانة الأميركية، وتأتي إلى العراق بالطائرات لتوزيعها كرواتب».

ويشير هذا السياسي، وهو قيادي حزبي سابق، إلى «فشل قوى المحاصصة السياسية والطائفية في بناء دولة بعد عام 2003»، موضحاً أن التقصير في هذا المجال «لا يقتصر على الشيعة وحدهم بل أيضاً على أبرز شريكين لهم، وهما الشريك السني والشريك الكردي».

ويتابع أن «التركيز على ما يُسمى الحاكمية الشيعية يأتي من منطلق أن الشيعة هم الأغلبية السكانية، ومن ثم الأغلبية السياسية الحاكمة في البلاد»، لافتاً إلى أن أصحاب هذا الرأي يعدّون أن مخاطر نزع السلاح تواجه الشيعة تحديداً، لا الأكراد ولا السنة. ويرى هذا السياسي الشيعي أن طرح الأمر من هذا المنظور «يعقّد على الحكومة الإجراءات الخاصة في مسألة حصر السلاح».

إسماعيل قاآني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ب)

إلى ذلك، يُخطط رئيس الوزراء علي الزيدي للدخول إلى أهم معاقل فصيل «كتائب حزب الله» بالعراق، وهي منطقة «جرف الصخر» بمحافظة بابل. ويسيطر على هذه المنطقة في شكل تام مسلحون مرتبطون بـ«الحرس الثوري» الإيراني. وتحرك حكومة الزيدي لاستعادة السيطرة على «جرف الصخر» جزء من الإجراءات الخاصة بحصر السلاح، وإعادة نازحي هذه المنطقة إلى ديارهم.

وقادت «منظمة بدر»، بزعامة هادي العامري، مهمة الوقوف في وجه رئيس الوزراء في هذا المجال. فبعد يوم من بيان لرئيس المكتب السياسي للمنظمة رفض فيه تسليم السلاح بالقوة، دعا المسؤول الأمني في مجلس محافظة بابل، التابع لـ«منظمة بدر» نفسها، الزيدي إلى ما سمّاه «ترك اللعب للكبار» في مساحة حصر السلاح.

ولم ترد الأوساط المقربة من رئيس الوزراء على ما بدا تحدياً واضحاً لأعلى سلطة حكومية في البلاد. لكن ردود الفعل على كلام المسؤول الأمني في مجلس محافظة بابل، والذي ورد في مقطع فيديو متداول على نطاق واسع، عكس إشكالية «الدولة واللادولة» في العراق. وتركزت غالبية ردود الفعل على أهمية إنزال أقصى العقوبات بحق الأصوات التي ترى أن «صوت السلاح الموازي» أقوى من الدولة التي يُفترض أنها وحدها من يحتكر السلاح.

ويأتي ذلك في وقت أكد رئيس «خلية الإعلام الأمني»، الفريق سعد معن، أن هيبة الدولة لا تُبنى بالتصعيد وإنما بقدرتها على تطبيق القانون، مشيراً إلى أن الحكومة العراقية تعمل على توحيد القرار الأمني، وجعل القوة العسكرية تحت مظلة الدولة بوصفها قوة واحدة، وفق ما أوردت «وكالة الأنباء العراقية (واع)».

وقال الفريق معن إن «موعد 30 سبتمبر ليس مصدر قلق، إذ إن قنوات التفاهم والمسارات الدستورية والقانونية والإدارية مفتوحة أمام الجميع، مع تثمين بطولاتهم السابقة في مناهضة عصابات (داعش) الإرهابية، في حين تقتضي مصلحة العراق الحالية المضي في المسار القانوني الصحيح».

وأضاف أن «قرار السلم والحرب محصور بيد الدولة، ولا يمكن القبول بتعدد القرارات أو خلق قوى موازية للقوات الرسمية؛ فالبلاد تحكمها دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، مع حفظ الاحترام للجميع».


«مؤامرة» الإطاحة بنتنياهو شملت جنرالات ومعارضين وأحزاباً عربية

اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
TT

«مؤامرة» الإطاحة بنتنياهو شملت جنرالات ومعارضين وأحزاباً عربية

اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)

كشفت معلومات جديدة أدلى بها وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، عن أن المحاولة التي جرت للإطاحة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في صيف عام 2024 لم تكن تقتصر على تحرك داخل حزب «الليكود»، وإنما جرت بالتنسيق مع أطراف واسعة في معسكر المعارضة، بما في ذلك الأحزاب العربية، وبمشاركة شخصيات عسكرية وسياسية بارزة.

وحسب ساعر، كانت الخطة تهدف إلى تشكيل حكومة أقلية بدعم من الأحزاب العربية، بحيث يكون منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، جزءاً من الترتيب، فيما تقدم أيمن عودة وأحمد الطيبي بدعم عبر الامتناع عن التصويت. إلا أن نتنياهو تمكن من إحباط الخطة من خلال توسيع ائتلافه وضم ساعر وكتلته إليه، ليرتفع عدد مقاعد الائتلاف من 64 إلى 68 مقعداً.

وكان الصحافي اليميني المقرب من نتنياهو، عميت سيغال، قد كشف في نهاية الأسبوع الماضي عن جانب آخر من المحاولة، عندما تحدث عن تحرك داخل حزب «الليكود» للإطاحة بنتنياهو بعد أشهر قليلة من هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقال سيغال إن وزير الاقتصاد نير بركات قاد هذا التحرك، مستفيداً من علاقاته الواسعة ومن نفوذه السياسي، بعد أن شغل سابقاً منصب رئيس بلدية القدس لمدة عشر سنوات.

إفشال قانون الموازنة العامة

جلسة الكنيست يوم 16 يوليو قبل بدء العطلة التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (أ.ف.ب)

ووفقاً للرواية، أجرى بركات اتصالات مع وزراء ونواب في محاولة لإقناعهم بضرورة الإطاحة بنتنياهو، عبر إفشال قانون الموازنة العامة، إذ ينص القانون على سقوط الحكومة في حال عدم إقرار الموازنة.

كما حاول بركات، حسب سيغال، استمالة نواب من خارج الائتلاف، وأنشأ جهازاً من المستشارين الذين عملوا على تنفيذ الخطة. وكان الهدف أن يحل بركات محل نتنياهو رئيساً للحكومة ورئيساً لحزب «الليكود»، وقد تمكن من حشد نحو ثلث أعضاء الكتلة البرلمانية.

إلا أن المحاولة تعثرت بسبب خلافات داخلية حول الشخصية التي ينبغي أن تخلف نتنياهو، إذ رفض قسم من المشاركين أن يكون بركات هو البديل.

وفي تلك الأثناء، أبلغ الوزير حاييم كاتس نتنياهو بالخطة، فباشرا العمل بهدوء لإفشالها، وهو ما تم بالفعل. لكن رواية ساعر، التي عرضها خلال مقابلة مع قناة «كان 11» التلفزيونية ليلة السبت - الأحد، تضيف بعداً آخر إلى القصة، إذ يقول إن التحرك ضد نتنياهو لم يبدأ فقط من داخل «الليكود»، وإنما تزامن مع صراع سياسي وعسكري واسع حول إدارة الحرب والمفاوضات المتعلقة بالرهائن الإسرائيليين لدى «حماس».

محور القيادات العسكرية

رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي السابقون (من اليسار) أفيف كوخافي - غادي أيزنكوت - غابي أشكينازي - بيني غانتس خلال جنازة هَدار غولدِن (أرشيفية - أ.ب)

وحسب ساعر، بدأت العملية في شتاء عام 2024 بمبادرة من الجنرالين بيني غانتس وغادي آيزنكوت، اللذين كانا في الحكومة آنذاك. ويرى ساعر أن غانتس وآيزنكوت شكّلا، عملياً، محوراً من القيادات العسكرية السابقة في مواجهة القيادة السياسية.

وكان ساعر يومها جزءاً من حزب غانتس وآيزنكوت، لكنه يقول إن غانتس رفض اختياره ممثلاً للحزب في هيئة إدارة الحرب، واختار آيزنكوت بدلاً منه. كما جرت محاولات لضم أفيغدور ليبرمان إلى الائتلاف، لكنه اشترط المشاركة في إدارة الحرب، وهو ما عارضه غانتس وآيزنكوت أيضاً.

ويربط ساعر هذا الموقف بما يعتبره توجهاً لدى غانتس وآيزنكوت إلى إعطاء الأولوية لمواقف المؤسسة الأمنية. ويقول إن هذا التوجه كان يلقى دعماً من وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، ومن عدد من كبار قادة الأجهزة الأمنية، بينهم رئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار، ورئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع.

وحسب رواية ساعر، كان هؤلاء يتفقون على سياسة تقوم على إنهاء الحرب والدفع نحو صفقة لتبادل الأسرى، في مقابل موقف نتنياهو وعدد من وزرائه. وفي يونيو (حزيران) 2024، انسحب غانتس وحزبه من الحكومة، لتدخل الساحة السياسية مرحلة جديدة من التحركات ضد نتنياهو.

دعم الأحزاب العربية

منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة (يمين) يوقِّع اتفاق ائتلاف حكومي مع يائير لبيد (يسار) ونفتالي بنيت في تل أبيب يونيو 2021 (أ.ف.ب)

وفي موازاة ذلك، يقول ساعر إن غانتس وآيزنكوت سعيا إلى حشد دعم الأحزاب العربية لأي حكومة بديلة. فقد جرى، وفق روايته، الاتفاق مع منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، على الانضمام إلى الحكومة، فيما طُلب من أيمن عودة وأحمد الطيبي دعمها من الخارج، من خلال امتناع كتلتيهما عن التصويت.

في تلك المرحلة، انشق ساعر عن حزب غانتس، مبرراً خطوته باعتراضه على ما اعتبره نكثاً بالوعود، وبأنه لم يكن مقتنعاً بالمشاركة في تحرك لإسقاط رئيس الحكومة أثناء الحرب. وشكّل كتلة مستقلة من أربعة نواب.

وهنا، حسب ساعر، تدخل نتنياهو مستفيداً من خبرته في إدارة التحالفات الحزبية. فعرض على ساعر العودة إلى «الليكود» بوصفه أحد قادته المستقبليين، ومنحه حقيبة الخارجية، كما ضمن له الاستمرار في الكنيست (البرلمان) خلال الدورة المقبلة. وحصل شريكه زئيف إلكين بدوره على حقيبة وزارية ثانية.

وبانضمام ساعر وكتلته إلى الائتلاف، ارتفع عدد مقاعد الحكومة إلى 68 مقعداً، ما جعل خصوم نتنياهو عاجزين عن تأمين العدد اللازم لإسقاط الحكومة. وبذلك، انتهت محاولة الإطاحة به إلى الفشل.

سيناريو قد يتكرر

ولا يستبعد هذا السيناريو، وفق المعطيات التي يطرحها ساعر، أن يعود إلى الواجهة بعد الانتخابات المقبلة. فإذا صدقت استطلاعات الرأي التي تتوقع خسارة نتنياهو، فقد يحاول آيزنكوت تشكيل حكومة أقلية من دون الاعتماد على الأحزاب العربية في البداية، ثم يضم «القائمة العربية الموحدة» لاحقاً، مع التوصل إلى تفاهم مع «الجبهة» لدعم الحكومة من الخارج.

ويرى قادة «الليكود» أن طرح هذا السيناريو يخدم حملتهم الانتخابية، لأنه يسمح لهم بتقديم الصراع السياسي باعتباره امتداداً لما يسمونه «المؤامرة المستمرة ضد نتنياهو»، وتصوير أي حكومة بديلة محتملة على أنها قد تعتمد على دعم الأحزاب العربية، وهو ما لا يريده الناخب الإسرائيلي.


وفد «حماس» يبحث في مصر إلزام إسرائيل بخريطة الطريق

خيام النازحين الفلسطينيين متراصة قرب ساحل بحر في قطاع غزة (د.ب.أ)
خيام النازحين الفلسطينيين متراصة قرب ساحل بحر في قطاع غزة (د.ب.أ)
TT

وفد «حماس» يبحث في مصر إلزام إسرائيل بخريطة الطريق

خيام النازحين الفلسطينيين متراصة قرب ساحل بحر في قطاع غزة (د.ب.أ)
خيام النازحين الفلسطينيين متراصة قرب ساحل بحر في قطاع غزة (د.ب.أ)

انطلق صباح الأحد اجتماع بين وفد من حركة «حماس» ورئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد في مدينة العلمين بشمال مصر «لمناقشة سبل الدفع باتجاه تنفيذ خريطة الطريق» في غزة، بحسب ما أفاد مسؤول بالحركة «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويقود وفد «حماس»، بحسب المسؤول، رئيس الحركة خليل الحية. ويضم الوفد أعضاء الفريق المفاوض برئاسة زاهر جبارين.

وهي أول زيارة للحية إلى مصر منذ توليه قيادة حماس أواخر يوليو (تموز).

وأفاد المسؤول بأن الوفد سيناقش مع رشاد «تطورات المفاوضات والجهود المبذولة من أجل إلزام إسرائيل بالموافقة على الاتفاق الذي يشمل خارطة الطريق المكونة من 15 بندا، وبدء تنفيذه».

ورفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطة من 15 نقطة أعلنها الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، وافقت بموجبها حركة «حماس» على تسليم سلاحها إلى لجنة فلسطينية جديدة تتولى إدارة قطاع غزة مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من أجزاء واسعة من القطاع.

وأضاف المصدر «سيُطلع الوفد المسؤولين المصريين على الخروقات والانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، وسوف يؤكد الحية على تمسك الحركة بالاتفاق وجاهزيتها لتنفيذه فور الإعلان عن التزام إسرائيل به».

وأعلنت «حماس» الشهر الماضي حل لجنة الطوارئ الحكومية المسؤولة عن إدارة غزة بعد عقدين من تولي زمام الحكم، تمهيدا لتسليم اللجنة الوطنية لإدارة القطاع مهامها في إطار اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

وأكد مصدر آخر في «حماس» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه يجري ترتيب لقاء بين وفد «حماس» المفاوض ونيكولاي ملادينوف ومسؤولين أميركيين خلال زيارة المبعوث الأميركي جاريد كوشنر لمصر الأسبوع الجاري، لمناقشة العقبات المتعلقة بالاتفاق.

ويزور كوشنر إسرائيل ومصر الأسبوع الجاري في محاولة لتقريب وجهات النظر بشأن خطة غزة.وتتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بشأن خرق اتفاق وقف النارالذي أُبرم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقتلت إسرائ

يل أكثر من 1050 فلسطينياً، منذ بدء الهدنة، وفق وزارة الصحة في غزة التي تعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة، وقتل خمسة جنود إسرائيليين في المدة نفسها.

زأفاد المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم، اليوم الأحد، بأن لقاءات الحركة في مصر تأتي في إطار مواصلة الاتصالات والجهد الدبلوماسي مع الوسطاء، بهدف بحث تطورات الأوضاع في قطاع غزة.ونقلت وكالة شهاب للأنباء الفلسطينية اليوم الأحد عن قاسم قوله إن الحركة تضع الوسطاء بصورة انتهاكات الاحتلال المتواصلة، وتسعى من خلال هذه الاتصالات إلى ضمان إلزامه بتنفيذ ما جرى الاتفاق عليه ضمن خارطة الطريق.وأكد المتحدث أن اللقاءات مع الجانب المصري تأتي في سياق الجهود الرامية إلى متابعة تنفيذ الاتفاق، ومنع الاحتلال من التنصل من التزاماته أو فرض وقائع جديدة تتعارض مع ما تم التوافق عليه.وأشار إلى أن الحركة تواصل تحركاتها السياسية والدبلوماسية مع الوسطاء، في إطار العمل على تثبيت الاتفاق وضمان الالتزام ببنوده، بما يضع حداً للانتهاكات ويمنع عرقلة المسار المتفق عليه.