الخوف المسيحي وتحالف الأقليات وسياسات الدين

الخوف المسيحي وتحالف الأقليات وسياسات الدين

الجمعة - 5 جمادى الآخرة 1438 هـ - 03 مارس 2017 مـ رقم العدد [13975]
رضوان السيد
كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية
كانت ثلاثة شهورٍ قد انقضت على بدء إعداد الأزهر لمؤتمرٍ عن «المسيحيين والمسلمين في العالم العربي؛ الحرية والمواطنة... التنوع والتكامل»، يحضره مئاتٌ من المسيحيين والمسلمين العرب وضيوف من العالم الإسلامي والعالم الغربي؛ وإبان وصولنا إلى مصر لحضور الملتقى خرجت صُوَر وأخبارُ تهجير المسيحيين المصريين من مدينة العريش، بعد أن قتل «داعش» أو تنظيم بيت المقدس أو ميليشيات مَنْ هبَّ ودبّ عدة أفرادٍ منهم، وهدَّد باستهداف آخرين. وقد قالت لي سيدة كويتية تعرفتُ عليها في الطائرة إنها فوجئت وفُجعت بمناظر العائلات المهجَّرة التي وصلت إلى مدينة الإسماعيلية وكنائسها. جاءت مفاجأتُها من شدة الشبه بين المسيحيين والمسلمين المصريين في اللباس وفي التصرف. أما الفجيعة فبسبب حالة الفقر والعوز والذعر والشبه بين طوابير مهجَّري مسيحيي مصر، وطوابير مهجَّري سوريا والعراق من المسيحيين والمسلمين!

لقد أُصبنا بالذعر جميعاً بسبب ما حدث للإيزيديين. لكنّ المسيحيين يهجرون ديارهم بالعراق (وهم أقدم الجماعات المسيحية بالمشرق) جماعاتٍ ووحداناً منذ سقوط صدام حسين، وتنكُّر جيرانهم المسلمين لهم، والاعتداء على ممتلكاتهم وحيواتهم.

وما كنتُ أسمع عن تذمراتٍ للمسيحيين المصريين إلاّ من «أقباط المهجر» كما يُسمَّون. لكنّ بعضهم أعلن عن ذلك في زمن السادات الذي نفى البابا شنودة إلى وادي النطرون، وصار يتدخل في ترتيباتهم الدينية الداخلية. بيد أنّ الأحداث المقلقة إنما ظهرت بعد الثمانينات من القرن الماضي حينما صار أفرادٌ من الجمهور بأعذارٍ مختلفة يعتدون على المسيحيين في كنائسهم وممتلكاتهم في الأرياف، ثم في حواشي وضواحي المدن، وفي قلبها.

إنّ المقلق في هذا الأمر الذي أوشك أن يصبح ظاهرة، هو التحجج بالدين في الهجوم على المسيحيين. وعندما حدثت الثورة السورية، وتفاقمت الأحداث بين النظام ومعارضيه، وجد المسيحيون السوريون أنفسهم بين نارين. وقد انضمت قلة منهم للثورة، بينما آثرت الغالبية الحياد. وعندما سيطر المسلَّحون باسم الإسلام على الثورة، سارع المسيحيون إمّا إلى الهجرة عبر لبنان، وإما الدخول مع النظام. وما كان هناك في تاريخ الأنظمة العسكرية والأمنية العربية نظام سياسي عربي لعب على مسألة الأقليات مثل النظام السوري. ويرجع ذلك إلى أنّ زعيم النظام نفسه أعني حافظ الأسد، ينتمي إلى أقلية دينية هي الأقلية العلوية. ومنذ النصف الثاني من السبعينات، بدأت الأحاديث الخفية ثم العلنية عن النظام السوري بوصفه حامياً للأقليات المسيحية والشيعية والدرزية وفي سوريا ولبنان. وكما هو معلوم فإنّ الزعماء المسيحيين اللبنانيين عندما تضايقوا في الحرب الداخلية (1975 - 1977) قسّموا أنفسهم إلى قسمين: قسم استغاث بحافظ الأسد، وقسم استغاث بإسرائيل. وتدخلت الدولتان في لبنان بهذه الحجة، أي للزعم بكف عادية المسلمين والفلسطينيين على المسيحيين. وقد أنهى العرب الحرب الداخلية بلبنان عام 1989 - 1990 باتفاق الطائف. لكنّ مخاوف المسيحيين لم تنته، وظلُّوا يتطلعون إلى الحماية التي كان العنوان فيها مجهولاً، بمعنى أنه ما كان هناك اضطهادٌ لهم من جانب أحدٍ من المسلمين، وإنما صار الحديث يجري عن حماية الحقوق السياسية أو حماية سلطتهم الموروثة من زمن الفرنسيين. أمّا الآن، بل ومنذ غزو العراق، وحدوث الاضطراب في سوريا؛ فإنّ العنوان صار واضحاً: الاضطهاد من جانب الراديكالية السنية، والحماة هم الإيرانيون وميليشياتهم والنظام السوري وميليشياته. وقد تضاءلت المعارضة الوطنية المسيحية لهذا التوجه الأقلوي، وصارت الغلبة لفكرة تحالف الأقليات التي يقودها تيار الجنرال عون رئيس الجمهورية اللبنانية الحالي. وقد مضت سنواتٌ منذ مقتل الرئيس الحريري كان خلالها الجنرال يُسوّي بين السنة والدواعش!

بين الحقائق والأوهام وحملات التحريض والاستهداف إذن، ظهرت المسألة المسيحية وتفاقمت، وصارت تشبه «المسألة الشرقية» في أواخر أيام السلطنة العثمانية. فالمسألة الشرقية أبرزت إلى الواجهة قضية «الرجل المريض» العثماني، وتقع في مقدمة مشكلاته مسائل الأقليات الأرمنية والمسيحية والكردية... والأقليات الدينية والإثنية بعامة. ووجوه فشل تجربة الدولة الوطنية العربية، والغزو الأميركي للعراق، وظهور التطرف الإسلامي؛ كلُّ هذه المشكلات وضعت في الواجهة من جديد مسائل الأقليات ومن يحميها، وتدخلات القوى الغربية من أجل ذلك.

بين «القاعدة» و«داعش»، رأت الدول العربية، ورأت المؤسسات الدينية أنه لا بد من التصدي للتطرف والإرهاب. وإلى جانب السياسات الأمنية، ظهرت «سياسات الدين». وقد بدا هذا الوعي في مؤتمر الأزهر عام 2014 والذي دُعي إليه مسيحيون عربٌ كثيرون، وقال بيانه الختامي إنه لا بد من عملٍ عربي وإسلامي من أجل المواطنة وحقوقها، وتجديد العهود والعقود بين المسلمين والمسيحيين في هذه المنطقة العريقة.

إنّ المتغير الأساسي الحالي في المسألة المسيحية بالمشرق، هو ضعف الدولة الوطنية أو تلاعبها بالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين، وأخيراً التدخلات الخارجية السياسية والعسكرية، وماذا تستطيع الجهات الدينية أن تفعل، باعتبار أنّ الدواعش والمتطرفين إنما يتصرفون بذرائع دينية. فعلى الدولة أن تحمي مواطنيها بغضّ النظر عن أديانهم. وما حدث في الموصل عام 2014 مَثَلٌ على ضعف السلطات، بل وتلاعبها. فقد فرّ الجيش العراقي الضخم من وجه ثلاثة آلافٍ من «داعش»، وترك السنة والمسيحيين لمصيرهم في هجمة «داعش» الصاعقة.

وكما سبق القول فإنّ الأزهر بدأ منذ مؤتمر التطرف والإرهاب عام 2014 يصوغ سياساتٍ للدين أو للعلاقات مع المسيحيين تتضمن عدة خطوات: تجديد عقود وعهود الشراكة والعيش المشترك، وحث الدولة الوطنية على انتهاج سياسات مواطنة وعدالة وأمن وحماية. ودعوة كبار المسيحيين للتحاور والتشاور في الهواجس والوقائع، والتفكير بالبدائل والمستقبل الآخَر. أما سياساتُ تجديد العقود والعهود فتتطلب رؤية جديدة للعيش المشترك وأهميته في التماسك الاجتماعي، ومنع التهجير باسم الدين. في حين تتطلب سياسات استنقاذ الدولة الوطنية، استحداث وتطوير أنظمة الحكم الصالح والرشيد، والإصلاح السياسي والمفهوم الديني، هناك العمل المشترك على الخروج والإخراج من ذهنية تحالف الأقليات، وتطلب الحمايات من الجوار ومن الخارج.

وإلى صعوبة الأوضاع نتيجة العوامل السالفة الذكر، هناك تحديان إضافيان؛ الأول يتمثل في استسهال اللجوء إلى العنف من جانب فئاتٍ مُستهواة من الشبان في الأوطان وفي مَهاجر وجاليات الخارج. أما التحدي الآخر فيبدو في الانكفاء المسيحي والاستنامة إلى التحالفات الافتراضية ومظلات الحماية الوهمية. فكيف نستعيد المناعة، وكيف نستنهض أفكار وخطوات المبادرات المشتركة؟

إنها أعوامٌ حاسمة تتراكم خلالها على دولنا وأدياننا ملفات ورهانات، وهي تحفل بالاستهدافات. ولا يعذر للتقصير فيها القول إننا نحن أيضاً مستنزفون ومستهدفون؛ إذ لن نخرج من الاستهداف والاستنزاف إلاّ معاً أو جميعاً. ويا للعرب!

التعليقات

منصور حنا
البلد: 
كندا
03/03/2017 - 04:51

أولا: المؤسسات الدينية تستطيع عمل الكثير لوقف التطرف بأشكاله، وهي مطالبة بعمل المزيد في هذا الخصوص، وإذا كان الدواعش وأخواتها يتذرعون بذرائع دينية في تبرير عمليات القتل والتهجير للأقليات الدينية، فإن على رجال الدين أنفسهم مواجهتها انطلاقا من المبادئ الدينية السمحة نفسها، ولا يكفي بين الحين والآخر، عقد المؤتمرات وإصدار بيانات الشجب والاستنكار، بل يببغي تناول المسألة على المستوى التعليمي وتربية النشء الجديد على اسس احترام الآخر، بغض النظر عن الاختلافات العقائدية وهذا ما تناولته أنت في مقلات سابقة تحت مسمى تجديد الخطاب الديني. ثانيا: الوحدة الاسلامية مطلب أساسي، وأقصد الوحدة بين المسلمين السنة والشيعة، أساس متين لمواجهة التطرف تجاه الاقليات في الوطن العربي، وما ضعف الدول الوطنية العربية، إلا نتيجة لهذا الانقسام بين المسلمين انفسهم

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
03/03/2017 - 06:10

استاذ رضوان السيد
يقول الله تعالى فى كتابه العزيز :
" يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا "
" ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة "
" لا اكراه فى الدين "
" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر "
" ان يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد "
" ماكان محمد ابا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين "
" لمن الملك اليوم لله الواحد القهار "
هذه الآيات الكريمات تدل على ان هذا الكون بكل مافيه مملوك لله عز وجل , وانه سبحانه وتعالى خلق الانسان _ من ذكر وانثى _ وترك له حرية الاختيار يؤمن به او يكفر والعياذ بالله , وكان فى مقدوره وهو القادر على كل شىء ان يكره الناس جميعا على الايمان به , ولكنه لم يشأ ان يفعل ذلك لانه يريد ممن يؤمن به ان يأتيه طائعا مختارا لا مكرها على الايمان لانه يريد قلوبا مؤمنة لا قوالب مكرهة

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
03/03/2017 - 06:36

يتابع
2- وقد ارسل سبحانه وتعالى العديد من الانبياء والرسل ليحثوا العباد على الايمان به جلت قدرته وكان آخر الانبياء المرسلين سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه , ويوم حجة الوداع انزل الله على رسولنا الكريم قوله تعالى : " اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا " وختم الله بذلك على الرسالة المحمدية التى ليس بعدها رسالات اخر .
وعلى ضوء ماتقدم , وعلى ضوء الاحداث المؤسفة المخجلة التى تقوم بها الجماعات الارهابية بمختلف مسمياتها داعش وغيرها من قتل وتشريد لاخواننا المسيحيين هنا وهناك يحاصرنى زخم من الاسئلة المحيرة للعقل البشرى منها : من هم هؤلاء القتلة السفاحين ؟ والى اى دين ينتمون ؟ ولماذا يرتكبون هذه الجرائم البشعة فى حق اخواننا فى الوطن الآمنين ؟! ومن الذى بعثهم لارتكاب هذه الجرائم اللاانسانية ؟! من الذى نصبهم اوصياء

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
03/03/2017 - 06:58

يتابع
3- على الدين ؟! هل هؤلاء مسلمون فعلا كما يدعون ؟! العقل والمنطق والواقع المرير الذى نشاهده باعيننا يقول ان هؤلاء ليسوا بشرا وان هؤلاء المجرمون القتلة السفاحون لا دينيين على الاطلاق فهم لا يمتون لاى دين من الاديان بصلة فالاديان كلها تحرم القتل وخاصة الدين الاسلامى يحرم قتل النفس التى حرم الله قتلها كما انه يعتبر من قتل نفسا بغير نفس او فساد فى الارض فكانما قتل الناس جميعا ومن احياها قكانما احيا الناس جميعا , ان هؤلاء وحوش ينتمون الى عالم الحيوان بل ان عالم الحيوان يشعرون بالشفقة والعطف والرحمة ببنى جنسهم فلا يقتلونهم ولا يسفكون دماءهم مثل هؤلاء الاوغاد الذين يقتلون الابرياء بدون مبرر وبحجة انهم يدينون بالمسيحية التى هى احد الاديان السماوية التى يعترف بها الله سبحانه وتعالى , واذا كان الله سبحانه وتعالى مالك الملك كله قد ترك للانسان

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
03/03/2017 - 07:12

يتابع
4 - حرية اعتناق ماشاء من الاديان فما دخل هؤلاء الارهابيين القتلة بذلك ان الدين هو علاقة الانسان بربه فلا شأن لاحد للتدخل فى ذلك والله سبحانه وتعالى لم يعينهم اوصياء على الدين ولم يطلب منهم اكراه الناس على اعتناق دين معين , وعلى هؤلاء الجهلة الذين لا يفقهون شيئا عن الدين ان يرجعوا الى الدين ويفهموه جيدا , ان الاسلام برىء منكم ومن امثالكم ايها المجرمون القتلة وان نار جهنم فى انتظاركم لو كنتم تعرفون الدين حقا وستكونون حطب جهنم ايها القتلة السفاحين , فعودوا الى الله ايها الخوارج واستغفروا ربكم وتوبوا اليه لعله يغفر لكم وحاسبوا انفسكم عما اقترفتم من جرائم وآثام قبل ان تحاسبوا يوم العرض عليه ويقول سبحانه " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار "

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
03/03/2017 - 21:53

من الخطأ الظن بأن متطرفي الشيعة أقل عداءاً لأهل الكتاب (اليهود والمسيحيين) من متطرفي السنة مهما حاولوا التظاهر بعكس ذلك فالطرفان ينهلان من نبع الغلو والتطرف لا فرق بينهما ويشترك معهما في النهل من ذلك النبع "النتن" فئات من اليهود والمسيحيين أيضاً، فما الفرق بين من أحرقوا مثلاً الطيار معاذ الكساسبه وهو حي ومن أحرقوا فلسطينياً مسلماً في أرضه التي يحتلونها بلا وجه حق؟؟ أو مسيحياً متطرفاً في الولايات المتحدة يحرق نسخاً من القرآن الكريم دون هدفٍ سوى الإساءة للمسلمين سواءاً في أميركا أو في العالم، لا يوجد في العالم فريقين أحدهما من الملائكة الأخيار الآخر من الشياطين الأشرار، كل أمة بها من الخير الكثير وبها من الشر كذلك، في النهاية جميعهم بشر، والبشر هم البشر في أي مكان وزمان.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة