في السعودية، ورغم قصر فصل الشتاء لدينا ومحدودية الأيام التي ينزل فيها المطر، فإن مدننا تعاني من هذه الأمطار، وتسبب الأمطار هدرا في اقتصادنا الوطني يبدأ بفقدان الإنسان - أي وفاته - بسبب الأمطار... وهذا له شقان، أحدهما سوء التصريف، والثاني إهمال الفرد واستهتاره بالأمطار. أما من حيث التلفيات المادية فحدث ولا حرج، سواء في المركبات أو في الزروع أو في المباني... وغيرها. قلت لكم حدثوا ولا حرج.
البعض يعزو هذه المشاكل التي تصاحب السيول بسبب الفساد، وأنا أقر بذلك والمجتمع جميعه يقر معي. ففي جدة وجدت أغطية مجارٍ من دون أنابيب، أي أن هناك تواطؤا ما بين المقاول منفذ المشروع ومستلم المشروع، ومثل ذلك يسمى بالفساد المقصود... إذ إن كلا الطرفين استفاد، فالأول تسلم مبالغ نقدية من الحكومة ولم ينفذ المشروع أصلا، والثاني قبض الرشوة وتسلم المشروع. هذا الفساد يسمى الفساد العمد، ولو كان لي سلطة لعاملت من يقوم به كما يعامل المفسدون في الأرض قانونا.
ما يؤلمني حقا ليس مثل هذا الفساد الواضح والظاهر للعيان، والذي تقصر فيه الأجهزة الرقابية، ما يؤلمني هو الفساد غير المتعمد، أو ما يسمى الإهمال الإداري، أو عدم تفاعل الموظف مع مسؤوليات وظيفته... وهو ما يسبب هدرا في الموارد الاقتصادية، نعم هو غير متعمد؛ ولكنه مؤلم ونتائجه قاسية.
لن أستمر في التنظير عليكم، ولكني سأقص عليكم قصة حدثت في الرياض، قام أخي بزيارة للمنطقة الشرقية وزار أحد الأحياء التي أنشأتها أرامكو، فوجد أن شركة أرامكو لا تقوم بتغيير طبوغرافية الأرض أو تضاريسها، فهي تترك مجاري السيول كما هي، وفي أدنى نقطة تضع حديقة عامة تتجه السيول إليها، فتستفيد الحديقة وما فاض يكون له تصريف لا يؤثر على الحي.
أعجب أخي بهذه الفكرة، وكان وكيلا لأحد ملاك الأراضي ويراجع البلدية لتخطيط هذه الأرض التي يشقها مجرى سيل، وبالطبع فهو سيتعامل لتخطيط هذه الأرض مع المهندسين، أي أنهم طبقة متعلمة وواعية. عرض أخي على المهندس أن يخرج معه إلى الأرض لرؤية واقع تضاريس الأرض على الطبيعة ومحاولة عدم المساس بمجرى السيل، وذكر أخي له أن ذلك سيكلف مالك الأرض اقتطاع نسبة أعلى مما تقرره البلديات من الأرض لأغراض الخدمات كالشوارع والمرافق الأخرى، ولكن هذا لا يهم ما دام أنه في الصالح العام، كما أنه أيضا سيجعل الحي نموذجيا ويرفع سعره.
أتدرون ماذا كانت إجابة المهندس؟ أنا لا أخرج على الطبيعة، ولكني أخطط على الورق، وفي مكتبي! صدمت الإجابة أخي فسحب أوراقه ومقترحاته، وقال افعل ما تريد فقد اجتهدت، ولكن يبدو أنني لم أوفق. الفساد لدينا أنواع منه المتعمد، والإهمال، وعدم الخبرة، وضيق الأفق، وسوء الإدارة، والجهل، وضعف الأجهزة الرقابية، كل هذه الأنواع من الفساد تؤدي إلى هدر الموارد الاقتصادية.
11:9 دقيقه
TT
هدر الموارد
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
