دافوس... رفسنجاني... والسينما

دافوس... رفسنجاني... والسينما

الجمعة - 22 شهر ربيع الثاني 1438 هـ - 20 يناير 2017 مـ رقم العدد [13933]
نديم قطيش
إعلامي لبناني
هل من رابط بين مشاركة الرئيس الصيني شي جينبينغ للمرة الأولى في تاريخ بلاده، في فعاليات منتدى دافوس، وبين السجال في السعودية حول السينما والترفيه، وبين جنازة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني؟
في الظاهر تبدو هذه أحداث متفرقة، لكنها في العمق تلتقي عند رسالة واحدة، تبعث بها إما مؤسسات الدولة أو قوى اجتماعية أو مزيج من الاثنين معًا: نريد أن نكون جزءًا طبيعيًا من العالم.
ذهب الرئيس الصيني، رئيس أكبر نظام شيوعي في العالم، إلى دافوس للدفاع عن العولمة الرأسمالية وتحرير التجارة. ليست المفارقة هنا فقط، فهو ذهب تمامًا في اللحظة التي أنتجت فيها الاعتراضات العميقة على الرأسمالية، في قلعتها ومعبدها، الولايات المتحدة، رئيسًا، يكاد يكون «أنتي - عولمي»، وأحد أعلى الأصوات في عالم اليوم نقدًا للتجارة الحرة! وفي لحظة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وازدهار الأحزاب والتيارات الأوروبية الشعبوية، وذات النزعات الحمائية الاقتصادية الحادة، والمضادة للعولمة بآلياتها ونخبها، كما لاحظ الرئيس الصيني نفسه في كلمته! وذهب إلى منتدى النخبة الاقتصادية والسياسية الدولية في اللحظة التي تعاني فيها هذه النخبة من انهيار الثقة فيها. يكفي أنه رئيس أكبر نظام شيوعي في العالم يدافع عن الرأسمالية، فيما الرأسمالية يختصرها اليوم واقع أن ثروة أغنى 8 أشخاص في العالم تعادل ما تملكه نصف البشرية، وأن التفاوت في الثروات أصبح أكثر اتساعًا من ذي قبل مع وجود بيانات من الصين والهند تشير إلى أن النصف الأكثر فقرًا من سكان العالم يمتلكون أقل مما كان مقدرًا سابقًا بحسب تقرير مؤسسة الإغاثة العالمية (أوكسفام)!
كل ذلك صحيح. لكنه لم يلغِ أهمية المشاركة الصينية، حتى في منتدى تدور الشكوك حول جدواه وفعاليته وراهنيته. فالمشاركة هي اعتراف صيني من موقع معقد وشائك أن التنين الاقتصادي يدرك ضرورة أن يكون جزءًا طبيعيًا من العالم، يحتكم إلى شروطه أو بعض شروطه كي يضمن الاستمرار في قصة نجاح بنيت في مجملها على الكثير من الاستثناء؛ الاستثناءات الضريبية، استثناءات التحكم بسعر صرف العملة، استثناءات تجاوز حقوق الملكية الفكرية، استثناءات حقوق الإنسان والعمال وغيرها!
دافوس ليس مهمًا ونعيه فاق مديح قدرته على إعادة تعريف العالم ومشاكله وحلولها. المهم أن الصين هناك. المهم أنها صعدت إلى هذه القرية في أعالي جبال الألب لتقول: حسنًا لا بد أن أكون جزءًا من العالم. هذه مقترحاتي وهذه مساهمتي، فما هو المطلوب مني؟
كما أن دافوس ليس هو المهم، فالسينما ليست مهمة في سجال الترفيه السعودي. تجدَد السجال بين جهات في السعودية حول السينما في اللحظة التي نعاها فيه مارتن سكورسيزي، أحد بطاركة السينما وعرابيها. «نيتفليكس» جلب السينما إلى كل بيت. التكنولوجيا وفرت لهم أبوابًا خلفية لرؤية كل ما يودون مشاهدته عبر «نيتفليكس» منذ سنة.
السيارات ذاتية القيادة ستجعل مشكلة قيادة المرأة مشكلة من زمن آخر. فدبي مثلاً تسعى لأن تكون 25 في المائة من رحلات التنقل فيها ذكية ومن دون سائق بحلول عام 2030. التكنولوجيا تعد بأن الموعد سيكون أقرب. المشكلة إذن ليست في السينما ولا في قيادة السيارة، بل في قوة اجتماعية ضخمة مسنودة بجزء من مؤسسة الدولة تقول ما يقوله الرئيس الصيني في دافوس. نريد أن نكون جزءًا طبيعيًا من العالم. السعودية التي تتهيأ بشجاعة استثنائية للعبور إلى ما بعد عصر النفط، لن تستطيع ذلك بغير تطور في الثقافة والمجتمع.
في المقابل جنازة هاشمي رفسنجاني ليست بعيدة عن هذه المعاني. فهي شكلت مناسبة من مناسبات كثيرة احترف الإيرانيون استغلالها منذ القمع الوحشي للحركة الخضراء عام 2009، للقول للنظام إن استمرار الأمور كما هي مرفوض وغير ممكن.
ليس مهمًا أن ندقق الآن فيما كان يمكن أو لا يمكن أن يفعله رفسنجاني. وليس مفيدًا التوقف عند فكرة أن رفسنجاني كان فرصة، قد تكون الأخيرة، تمسك بها الإيرانيون للتغيير من داخل النظام. المهم أن من استعملوا رفسنجاني وموقعه وصورته وإرثه السياسي داخل النظام يريدون إيران أخرى. طالبوا في جنازته بإنهاء أحكام الإقامة الجبرية على المعارضين السياسيين، هتفوا بأسماء مير حسين موسوي ومحمد خاتمي الذي مُنع من المشاركة في الجنازة. جددوا هتافات تصف خامنئي بالديكتاتور وبأن الاحترام يأتي من الله وليس من القمع والتسلط. هاجموا سياسات إيران التوسعية وهتفوا «الموت لروسيا»! كتلة بشرية هائلة تقول مجددًا: نريد أن نكون جزءًا طبيعيًا من العالم، لا قتلة في سوريا، وسجانين في إيران، وظلاميين في سدة الفقه!
الصين، الجبار الاقتصادي الذي يقرر مصيرُه، مصيرَ العالم، والسعودية وإيران الدولتان الأكثر تأثيرًا فيما سيكون عليه الإسلام بعلاقاته بين مذاهبه وبصورته تجاه العالم، فيهم من يسعى للتصالح مع هذا العالم ويفتح له ذراعيه.
الإسلام والصين يتحركان، ونتائج حركتهما ليست بسيطة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة