عون في الرياض... زيارة تمهيد

عون في الرياض... زيارة تمهيد

الجمعة - 15 شهر ربيع الثاني 1438 هـ - 13 يناير 2017 مـ رقم العدد [13926]
نديم قطيش
إعلامي لبناني
الأهمية الاستثنائية التي أعطيت لبنانيًا لزيارة رئيس الجمهورية ميشال عون إلى السعودية، كافية لفهم حجم الأزمة بين لبنان والعرب. ما كان يفترض أن تكون زيارة طبيعية وبديهية، تنسجم مع تاريخ لبنان وتاريخ علاقاته العربية، بات مجرد حصولها حدثًا يستحق التعليق والمتابعة والتحليل، و«قنص» الإشارات والرموز.
لا أذكر زيارة رئاسية لبنانية إلى المملكة العربية السعودية حظيت بهذا الاستنفار الإعلامي والسياسي اللبناني على الأقل. بل لعله لفارق الوفرة الإعلامية اليوم عما كانته قبل عقود، فاقت زيارة عون السعودية استثنائية زيارة بشير الجميل إلى السعودية بعد بدء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وقبل انتخابه رئيسًا للجمهورية، ثم اغتياله قبل تسلم الرئاسة.
يومها التقى الجميل الأمير الراحل سعود الفيصل، بصفته المرشح الوحيد للرئاسة بعد الرئيس إلياس سركيس، فيما زارها ميشال عون قبل أيام رئيسًا منتخبًا. زار الجميل مملكة حاضنة للبنان، وزار عون دولة لم يبقَ فيها من الرصيد العاطفي تجاه البلد الصغير إلا القليل. والأهم، أنها زيارة إلى مملكة يتهيأ لحكمها جيل جديد يواجه تحديات غير مسبوقة، لا في جزئياتها ولا في اجتماعها معًا في لحظة مصيرية واحدة.
فهم استثنائية الزيارة من هذه الزاوية ضروري، وعامل مقرر لكيفية البناء عليها مستقبلاً، بدل تعزية النفس وخداعها بتقييم شعاراتي عاطفي يعتبر أن الأمور عادت إلى مجاريها، بمجرد هبوط الطائرة الرئاسية في مطار الملك خالد. وهذا يزيد المسؤوليات على الزائر الرئاسي أكثر بكثير مما يزيح عن كاهله، كونه بشخصه وبموقعه السياسي والشعبي والدستوري صار هو الضامن للانطلاقة الجديدة، وهو المسؤول عما ستؤول إليه علاقات لبنان بمحيطه العربي، وعلى رأسه المملكة العربية السعودية.
لا شك أن حصول الزيارة وسط «تسليم» حزب الله بها انتصار مبدئي لقوة النظام اللبناني على قوة ميليشيات «حزب الله». وانتصار لموجبات الدولة على طموحات الدويلة الراغبة علنًا في تحويل لبنان إلى مقاطعة إيرانية، ومنصة لهجوم مركز على السعودية وصل قبل أشهر قليلة إلى مستويات غير مسبوقة.
الكلام السياسي الرئاسي أكد هذه الغلبة، أي غلبة منطق الدولة وشروطها على منطق الدويلة وشروطها، أيًا يكن ضعف الأولى وقوة الثانية. في مقابلته مع «الشرق الأوسط» قال الرئيس عون كلامًا كبيرًا. عن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز قال: «وجدت لديه غيرة على لبنان قد تكون أكبر من غيرة بعض اللبنانيين (…) ولم ألمس في توجهاته إلا الخير للبنان». كان يمكن لهذا الكلام أن يدرج في سياق المجاملات أو إعطاء المملكة من طرف اللسان حلاوة، لولا أنه يهدم عمارة كاملة من الخطب والصراخ والتآمر العملي لـ«حزب الله» على السعودية ومحاولات استعدائها واتهامها بكل سوء أصاب البلد.
لكن الأهم هو إقراره باسم الدولة اللبنانية بأن «حزب الله» فرقة إيرانية تعمل من لبنان وفق أجندة إيرانية. قال عون عن أزمة الأشهر الفائتة إنها عابرة وإنه عند انجلائها «سنتأكد أنه لم تكن لها جذور لدى الشعب اللبناني»! ماذا عن «حزب الله»؟ باسم مَن ومصالح مَن كان متصدرًا صناعة الأزمة مع السعودية؟ أقله ليس باسم لبنان واللبنانيين، بحسب الكلام الرئاسي.
وفي موضع آخر يقول: «هناك نقطة لا يمكن تجاهلها وهي مساعدة إيران لـ(حزب الله) في إطار سياسة دعم المقاومة، وهذه المساعدة تحولت إلى ما يوصف بالحرب على الإرهاب في سوريا، وقد يكون ذلك إلى أمد لا نعرفه». مرة أخرى وضع عون النشاط العسكري لـ«حزب الله» في إطار المصالح الإيرانية والصراعات الإقليمية وليس في إطار أي إجماع لبناني أو خيار يتعلق بالدولة اللبنانية، معتبرًا أن أزمة هذه الأدوار «تفوق قدرة لبنان، وهي متوقفة على لاعبين دوليين وإقليميين كثر».
لا يكفي هذا الكلام لنزع الشرعية عن «حزب الله»، الموجود في الحكومة أصلاً، لكنه يكفي للقول إن «حزب الله» قوة أمر واقع ذات طبيعة إشكالية، محكوم لبنان بالتعايش لا بالتطبيع معها.
بلا أوهام وبلا رهانات غير واقعية، الأكيد أن الزيارة خطت بلبنان خطوات مهمة نحو موقعه العربي الطبيعي بعيدًا عن الموقع الذي أراده ويريده له «حزب الله».
كتبت في هذه الزاوية غداة انتخاب عون أن مشكلته مع حزب الله «هي طبيعة (حزب الله) نفسه، التي لا تسمح لأي كان، خارج الإطار العقائدي للحزب بأن يكون جزءًا ثابتًا في مشروع (حزب الله)».
الكلام السياسي للزيارة التمهيدية، يؤكد أن ثبات عون في محور «حزب الله» غير ممكن، وأن ما يسهل تمويهه كمرشح لا تُستطاع ممارسته كرئيس. وهذا الكلام هو معيار نجاحها حتى الآن.
ما بعدها يتطلب أمرين: الثبات الرئاسي في الموقف السياسي الذي رافق الزيارة ونتج عنها، والإدراك السعودي أن حدود القدرة اللبنانية قد لا تتجاوز توسعة البيئة السياسية الحاضنة لهذا الموقف خارج البيئة «التقليدية» التي حملته لسنوات.
الرئيس عون بالمواقف التي يعبر عنها اليوم أفضل للبنان والرياض من مواقف عبر عنها كمرشح في ظل الفراغ الرئاسي.
هي مجرد بداية.

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
13/01/2017 - 11:30

لا شك بان هناك وقائع ووضع إقتصادي لبناني إقتضت تلك التغيّرات، حتى قيادات حزب الله "نفسها" إقتنعت أخيراً بهذا الأمر وأن الإستمرار في هذا النهج الذي يسيرون عليه لن يؤدي إلا إلى مفاقمة مشاكل لبنان أكثر فأكثرفي ظل إنخراط إيران على كل الجبهات في المنطقة وبالتالي عجزها عن الإيفاء بمتطلبات التصدي لرد الفعل المنتظر والمتوقع من السعودية، هذا ما حدا بإيران وحزب الله "لهندسة" إتفاق عون-الحريري وتغيير الخطط تحت ضغط الواقع، وهذا مؤشر مهم جداً يثبت حقيقة أن إيران مهما إدعت السيطرة على القرار في لبنان أو في دول عربية أخرى فلا يمكن لها تحمل تبعات تحويلها إلى دول معادية للسعودية وبقية المنظومة الخليجية ذات الهيمنة الإقتصادية والنفوذ على العديد من الصعد، والحالة اللبنانية تندرج ربما بشكل أكبر على حالات أخرى مثل اليمن والعراق بل وحتى سوريا بعد إنتهاء أزمتها.

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
13/01/2017 - 12:42

الثبات الرئاسي المشار إليه يتطلب الإنعتاق من "التفاهم" المشؤوم الذي جرى سابقاْ مع ذاك الحزب و التحرر من قيود العرفان "بالجميل" الذي سيظل الحزب يمننه به طيلة فترة رئاسته و يوحي إليه أنه ما كان ليصل إليها لولاه، ذلك أن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
الثبات هذا يتطلب أيضاْ المزيد من الإلتفاف الشعبي حول هذا الرئيس و تكثيف الحماية الشخصية له، فالحزب له "سوابقه".

مجاهد السمعان_عقيد ركن متقاعد ( باحث وكاتب في حروب المستقبل)
البلد: 
Canada
13/01/2017 - 20:00

قبول حزب الله لزيارة حليفه يدل على أن حسن نصرالله ومن خلفه إيران بدأ الميل الأول عل درب التراجع عن السياسات العدوانية التي إتبعها بتحرض من نظام الأسد الجريح في دمشق ، وتعليمات الولي الفقيه ؛ ولكن هذا لا يعني إطمئنان عون وأنصاره وحتى معارضيه بأن الأمور أصبحت سمن وعسل مع السعودية وعرب الخليج ، فالصراع بين نظام الملالي ومشروعه التوسعي القائم على تأجيج الصراع السني الشيعي الذي نام وإستكان تاريخياً وحتى مجيء الخميني بمخطط أمريكي /غربي خبيث وذالك من خلال تحريض الأقليات الشيعية العربية ومطالبتها بتقديم الأضاحي الإنسانية والسياسية والإقتصادية من أجل خدمة الأطماع الأمبرطورية لملالي إيران ، ومن هذا المنطلق لا نستطيع إلا أن ننبه بأن سياسة التقية لن تنسى ولن تسامح وعلى اللبنانيين الحذر من غدر حسن نصرالله وحلفائه في إيران.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة