نبوءات هوبزباوم... وآثار القرن العشرين

نبوءات هوبزباوم... وآثار القرن العشرين

الخميس - 30 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 29 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13911]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

يبدو مشهدًا دراميًا، السفير الروسي أندريه كارلوف، يُرشق دمه على جدرانٍ زيّنت بلوحاتٍ فنيّة داخل معرضٍ أنيق. شابّ لم يختر لباس الظواهري وأبو حفص الموريتاني، بل لبس مثل الناس. يقوم بتنفيذ الجريمة، ومن ثم يبدأ بإلقاء الخطبة، كُشفت هويته أنه «موظّف بالشرطة». من هذه القصّة تبدو المأساة الدولية التي تعاش حاليًا، ذلك أن المؤسسة نفسها بمفهومها العميق قد تبدو مهددة، والتأسيس النظري للدولة وللسلطة ومفاعيلها لن يكون كما أسس عليه منذ خمسة قرون. التحدي الأكبر الذي يواجه الدول اليوم يتمثّل بمستوى القدرة على تحصين السلطة، والبحث عن دعائم حديثة تحقق لها القدرة على التعايش مع تحدياتٍ قد لا تخطر على بال؛ ذلك أن الإرهاب تجاوز مرحلة الأنفاق والكهوف، والتحصّن بالجبال، بقدر ما تغلغل بالمؤسسة، ناخرًا جسد السلطة، وهذا ما يعزز من فرضيات التضاؤل الكبير أو ربما التهشّم والانهيار. أحدثت مستجدّات العنف المنظّم موجة غليانٍ غير مسبوق وليس له مثيل من قبل. خُتم القرن الماضي بأحاديث النهايات والذروات، ونبوءات الاكتمال، وصيحات التبختر بالتقنية والحضارة والعولمة، وانتهاء الجغرافيا والإنسان والحدود، لكن فاتحة القرن الجديد كانت مدوّية بصورة هي الأخرى درامية ممثلة بأحداث 11 سبتمبر (أيلول)، صورة تبدي مع كل إعادة تأويلاً آخر للمستقبل المنظور.
يرفض المؤرخ إريك هوبزباوم أن يحصر في «غيتو» الماركسية، وفي مذكراته «عصر مثير» اعتبر الفصل بين ميداني السياسة والتاريخ يبدو متعذّرًا، ثم يمتنّ لما أكسبته صفته الماركسية من رواجٍ لكتبه بالمجر، وسلوفينيا. وبالعودة لكتابه «عصر التطرفات - القرن العشرون الوجيز 1914 - 1991» خصص الفصل الثامن حول الحرب الباردة، ذاكرًا ملاحظة تاريخية قد تفيد بهذا لفهم الحدث الذي يتحدّانا: «فالذي تغيّر على وجه الدقة بالحرب الباردة، تلك التحولات على المسرح الدولي التي ألغت تمامًا، أو عتّمت جميع الخصومات والنزاعات التي شكّلت السياسة الدولية قبل الحرب العالمية الثانية». ثم يشير إلى أن التبدلات تلك سيكون لها تأثيرها على الألفية الثالثة أكبر مما كان للحرب الكورية، أو لأزمتي برلين وكوبا.
نستعيد هوبزباوم لسبب أساسي، كونه مؤرخا، أو كما يحب أن يصف نفسه بـ«المراقب»، والذي أعطى نتائج واستشرافات للقرن الحادي والعشرين، من بين ذلك عدم استبعاده وجود حرب نووية شاملة يعيشها البشر. وفي حوارٍ مهم وربما متأخر معه قبل رحيله في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2012 نشرتْه مجلة «نيولفت ريفيو» يضع خمسة تغيرات رئيسية سيشهدها العالم وهي: انتقال مركز العالم الاقتصادي من شمال الأطلسي إلى آسيا الجنوبية. الأزمة الرأسمالية العالمية. إخفاق الولايات المتحدة في الهيمنة على العالم. انبثاق كتلة البلدان النامية الجديدة. وصولاً إلى التغير الخامس المتمثل بالتآكل والضعف المطرد بسلطات الدول، أي في الدول القومية داخل حدودها الإقليمية، وفي أجزاء واسعة من العالم، ولأي نوعٍ من أنواع السلطة الفاعلة، معتبرًا أن هذا التنبؤ المتعلق بتآكل دور السلطات يتسارع بشكلٍ أكثر مما كان يتوقعه.
تحدي العنف للدول، وإسهامه المحتمل بهشاشة هيكليتها قد يكون مؤشره انتعاش العنف.. نرى الحدث التركي مثالاً، ذلك أن الإرهاب ينتعش في العالم ليس لقوته وسطوته، بقدر ما يبرهن على تراجع شكل الدول وطرق تجديد مؤسساتها الفاعلة بالعالم. يستفيد الإرهاب مما يمكن وصفه بـ«الوضع القائم»، ومنظّمات العنف دائمة التشكّل، وشديدة التجدد، ولديها قدرة على السيلان بالمجتمع، والذوبان والانصهار داخل مختلف المؤسسات، وهذا ما يحتّم على المعنيين دراسة سبل أخرى ليس على المستويات الأمنية فحسب، بل والقانونية، والسياسية، والبلدية.
الفيلسوف توماس هوبز، في كتابه المؤسّس: «اللفياثان»، طبع عام 1651، يرجع العنف الناخر بجسد الدولة إلى: «التنافس: الاتجاه نحو تأمين المنافع والغايات، والحذر: تأمين الحياة، والكبرياء: بغية الحفاظ على الشرف والسمعة». قد ترجع الدولة بكل محتواها من سلطات رمزية، أو كاريزماتية، أو مؤسسات فاعلة نافذة ما تفتقده مع اهتزاز الأحداث السياسية والأمنية. ولعل العدو الأبرز للدولة هو انتشار العنف، أو صناعة الاضطراب الجماهيري. في الخطر الثاني ما يمكن مواجهته عبر العملي السياسي والأمني، بينما انتشار العنف بوصفه ثقافة نافذة فاعلة لديها قدراتها الجهنمية على الاختراق، والعمل ببطء، والتكتيك المنظّم، وتأسيس خلايا التخابر، وتجنيد الأتباع بكل القطاعات، ذلك ما يجعل منه عدوًا أولاً بلا منازع. وكما ساهمت الحروب الأهلية في أوروبا بتغيير المفهوم الكلاسيكي للدولة ونمط عمل السلطة منذ هوبزباوم وإلى ماكس فيبر فإن التحدي الآن هو موجة ثانية أخرى تتجاوز دولة ما بعد الحروب الأهلية، وإنما تأسيس أنماط للعمل المؤسسي بما يتناسب ويتواءم مع تحديات انتشار العنف، والبرهان الأوضح على ذلك ما جرى في فرنسا وألمانيا، وبريطانيا، وإسبانيا، وأميركا، وبلجيكا.
رأيناه، الإرهاب، خرج من الجبال، إلى معارض الفنون، بأزياء أخرى. لكأنّ سيغفريد ساسون يصف المشهد: «صفوف من الوجوه المتذمّرة المقنّعة بالخوف، تغادر خنادقها، وحول معاصمهم يواصل الزمن الأجوف إيقاعه العجول، تمضي بأيدٍ متشابكة وعيون متلصصة، وتتخبط بالوحل».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو